اندماج "أسطول" و"مرافي" يعيد رسم ملامح القطاع البحري وسط تحديات إغلاق مضيق هرمز
أعلنت شركتا "أسطول" و"مرافي للخدمات" عن إتمام عملية اندماجهما وتأسيس منظومة وطنية موحدة تحمل اسم "أسطول"، بما يشكل تحولا نوعيا في هيكلة هذا القطاع، ويعزز قدرته على تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة التشغيلية والتكامل في الخدمات.
وفي هذا السياق أجرت جريدة "عُمان" حوارا صحفيا مع سليمان بن علي الحضرمي الرئيس التنفيذي لشركة "مرافي للخدمات"، تناول انعكاسات التطورات الجيوسياسية الراهنة -بما في ذلك التحديات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز- على بيئة الأعمال وسلاسل الإمداد البحرية. وسلط الحوار الضوء على تصاعد تكاليف التأمين والنقل، وتعقيد العمليات التشغيلية، وأيضا التحولات في مسارات الشحن العالمية.
كما تطرق إلى ما تفرضه هذه المرحلة من تحديات على الشركات، مقابل ما تتيحه من فرص استراتيجية للدول والشركات القادرة على التكيف، من خلال تنويع مصادر التوريد وتعزيز مرونة العمليات والاستفادة من المواقع الجغرافية الآمنة. ويأتي ذلك بالتوازي مع أهداف الاندماج الرامية إلى رفع كفاءة الأداء، وتوحيد القدرات التشغيلية والمالية وتوسيع نطاق الخدمات، بما يسهم في تعزيز القيمة المحلية المضافة ودعم استدامة القطاع البحري في سلطنة عُمان، انسجاما مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، لتعزيز دور القطاع اللوجستي كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي.
• كيف تقيّمون انعكاس التطورات الجيوسياسية الحالية على بيئة الأعمال؟
لا يمكن النظر إلى المشهد الجيوسياسي الراهن إلا بوصفه عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، خاصة في ما يتعلق بالممرات البحرية الحيوية. فقد أدت هذه التطورات إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وإعادة توجيه بعض خطوط الشحن بعيدًا عن مناطق التوتر، وهو ما فرض واقعًا تشغيليًا أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، أوجدت هذه التحولات فرصًا استراتيجية للدول التي تتمتع بالاستقرار والموقع الجغرافي المميز. ومن هذا المنطلق، تبرز سلطنة عُمان كخيار موثوق، بفضل موقعها خارج نطاق التوترات المباشرة، وقدرتها على تقديم بدائل لوجستية آمنة وفعّالة، تعزز من استمرارية سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم التحديات التي واجهناها في تأمين بعض أنواع الوقود البحري غير المتوفرة محليًا والتي تشهد طلبًا مرتفعًا من قبل العملاء، إلا أن هذه المرحلة شكلت دافعًا لتوسيع خياراتنا، وتنويع مصادرنا، وبناء منظومة إمداد أكثر مرونة واعتمادية.
وبهذا النهج، تحولت التحديات من قيود تشغيلية إلى فرص استراتيجية، عززت من قدرتنا على تلبية احتياجات السوق بكفاءة أعلى، ورسّخت مكانتنا كشريك موثوق في منظومة الطاقة والخدمات البحرية
•إلى أي مدى تأثرت الشركات الناشئة؟
تأثرت الشركات الناشئة بشكل مزدوج، إذ واجهت من جهة تحديات تشغيلية حقيقية تمثلت في تقلبات الأسعار، وتعقيدات سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، وهو ما فرض ضغوطًا مباشرة على استدامة الأعمال.
لكن في المقابل، أفرزت هذه المرحلة فرصًا نوعية للشركات التي تمتلك القدرة على التكيف السريع وإعادة هيكلة نماذج أعمالها بما يتلاءم مع المتغيرات.
في تجربتنا، لم تكن التحديات عائقًا بقدر ما كانت محفزًا لتسريع وتيرة التطوير، حيث دفعنا غياب بعض مصادر التوريد المباشرة إلى تنويع قنواتنا، وبناء شبكة علاقات أوسع وأكثر موثوقية، إلى جانب تعزيز كفاءتنا التشغيلية ورفع جاهزيتنا للاستجابة لمتطلبات السوق.
كما أسهمت هذه الظروف في ترسيخ نهج أكثر احترافية في إدارة المخاطر، والاعتماد على حلول مرنة تضمن استمرارية الأعمال، وهو ما مكّننا من تحويل التحديات إلى فرص للنمو، وتعزيز موقعنا التنافسي في سوق يتسم بالتغير المستمر.
•هل ستعاد صياغة دور الموانئ في المنطقة؟
نعم، نحن أمام مرحلة إعادة تعريف حقيقية لدور الموانئ، حيث لم تعد مجرد نقاط عبور للبضائع، بل تحولت إلى منصات متكاملة تقدم منظومة واسعة من الخدمات اللوجستية والطاقة، وتلعب دورًا محوريًا في تأمين سلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، تمتلك موانئ سلطنة عُمان مقومات تنافسية فريدة، تتمثل في موقعها الاستراتيجي خارج مناطق التوتر، إضافة إلى الاستثمارات المتواصلة في البنية الأساسية والخدمات اللوجستية. هذه العوامل مجتمعة تؤهلها لتكون مراكز إقليمية رئيسية تدعم حركة التجارة العالمية وتواكب التحولات الجارية.
• أبرز الفرص للشركات الناشئة؟
تشير المعطيات الحالية إلى بروز فرص نوعية أمام الشركات الناشئة، لا سيما في مجالات التحول الرقمي لسلاسل الإمداد، وخدمات التخزين وإعادة التوزيع، إضافة إلى الوكالات البحرية والخدمات المساندة.
وقد لمسنا هذه الفرص على أرض الواقع، من خلال التوسع في تقديم الحلول البحرية المتكاملة، وتطوير خدمات الوكالات، إلى جانب الاستثمار في إطلاق منتجات متخصصة تعزز من القيمة المضافة.
المرحلة المقبلة تتطلب شركات قادرة على الابتكار والاستجابة السريعة، بما يسهم في دعم المنظومة اللوجستية الوطنية وتعزيز تنافسيتها على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد لمسنا هذه الفرص عمليًا من خلال توسعنا في تشغيل مزودات بحرية، وتطوير خدماتنا لتشمل الوكالات البحرية، وإطلاق منتجاتنا الخاصة من الزيوت.
• كيف يمكن التكيف مع اضطرابات الملاحة؟
التكيف مع اضطرابات الملاحة أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. ويكمن جوهر هذا التكيف في بناء منظومة تشغيلية مرنة قادرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، من خلال تنويع مصادر التوريد، وتوسيع نطاق الشراكات، وعدم الاعتماد على مسارات أحادية.
كما أن الاستثمار في قدرات التخزين والبنية الأساسية لم يعد مجرد عنصر داعم، بل خط دفاع أول يضمن استمرارية العمليات وتقليل الانكشاف على المخاطر.
ومن واقع تجربتنا، فإن الإدارة المتكاملة لسلسلة الإمداد بدءًا من المصدر وحتى العميل النهائي تمثل عامل الحسم الحقيقي، حيث تتيح التحكم في التكاليف، ورفع كفاءة الاستجابة، وتعزيز موثوقية الخدمة في أصعب الظروف.
•هل هناك فرص استثمارية جديدة؟
رغم التحديات، إلا أن المرحلة الراهنة تفتح آفاقا استثمارية واعدة لمن يمتلك الرؤية والقدرة على التحرك المبكر، وتبرز هذه الفرص بشكل خاص في مجالات الوقود البديل، والخدمات اللوجستية المتكاملة والحلول التقنية المرتبطة بتشغيل وإدارة الموانئ، إضافة إلى مشاريع التخزين والبنية التحتية.
التحول العالمي نحو الاستدامة يعيد تشكيل سوق الطاقة البحرية، ويخلق طلبا متزايدا على بدائل مثل الوقود الحيوي، وهو ما يتطلب جاهزية مبكرة واستثمارا مدروسا.
وقد كان دخولنا المبكر في هذا المجال، عبر تطوير خدمات الوقود الحيوي في ميناء صحار، خطوة استراتيجية تهدف إلى مواكبة هذا التحول وتعزيز موقعنا ضمن سلاسل القيمة المستقبلية.
• كيف تستفيد الشركات المحلية؟
الاستفادة الحقيقية للشركات المحلية تكمن في قدرتها على التحول من لاعب محلي إلى شريك إقليمي فاعل، من خلال رفع مستوى التنافسية، والاستثمار في جودة الخدمة، وبناء قدرات تشغيلية قابلة للتوسع.
كما أن التوجه نحو الأسواق الخارجية ضرورة استراتيجية لبناء مصادر دخل متعددة وتقليل الاعتماد على سوق واحد.
وفي هذا الإطار، تمكنا من توسيع حضورنا خارج سلطنة عُمان إلى أسواق استراتيجية مثل سنغافورة وإفريقيا والفجيرة، وهو ما أسهم في فتح آفاق جديدة للنمو، ورفع مستوى مرونة أعمالنا، وتعزيز قدرتنا على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على ترسيخ موقعنا ضمن منظومة التجارة البحرية، كمشارك فاعل يمتلك حضورا متوازنًا بين الأسواق الإقليمية والدولية، وقادرًا على مواكبة التحولات المتسارعة في القطاع.
المنافسة والتغيرات الإقليمية
•هل ستتغير خريطة المنافسة؟
نعم، نشهد تحولًا نوعيًا في خريطة المنافسة، حيث لم تعد تعتمد فقط على الموقع الجغرافي، بل باتت تبنى على الكفاءة التشغيلية وسرعة الاستجابة والقدرة على تقديم حلول متكاملة، حيث إنه بعض المراكز التقليدية ستواجه ضغوطا نتيجة التغيرات الجيوسياسية وارتفاع التكاليف، في حين تبرز مراكز جديدة تمتاز بالمرونة والاستقرار.
وفي هذا السياق، تمتلك الشركات العُمانية فرصة حقيقية لإعادة التموضع، عبر التركيز على التخصص، ورفع جودة الخدمات، وبناء سمعة قائمة على الموثوقية والاستمرارية. وقد أثبتت التجربة أن السوق يكافئ الجهات التي تجمع بين الاحترافية والقدرة على التكيف، وهو النهج الذي حرصنا على ترسيخه خلال السنوات الماضية.
• هل تدفع الظروف نحو الاندماج؟
بلا شك، تدفع المعطيات الحالية نحو تبني نماذج أكثر تكاملًا، حيث أصبح الاندماج والشراكات الاستراتيجية إحدى أهم أدوات تعزيز الكفاءة وبناء كيانات قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليا.
فالاندماج لا يقتصر على توسيع الحصة السوقية فحسب، بل يسهم في توحيد الموارد وخفض التكاليف ورفع كفاءة التشغيل، إضافة إلى تعزيز القدرة على الاستثمار في البنية التحتية والتقنيات الحديثة، وفي بيئة تتسم بالتقلبات المتسارعة، تصبح الكيانات المتكاملة أكثر قدرة على إدارة المخاطر واغتنام الفرص بثبات ومرونة أعلى.
وانسجاما مع توجهات "رؤية عُمان 2040" ومضامين النهضة المتجددة، يأتي هذا التوجه نحو التكامل كخيار استراتيجي يعزز استدامة الأعمال، ويدعم بناء قطاع لوجستي أكثر تنافسية وفاعلية. وفي هذا السياق، يمثل الاندماج خطوة نوعية نحو ترسيخ حضور أقوى، وقدرة أكبر على المساهمة في تطوير منظومة الاقتصاد الوطني، وهذا ما توجهنا إليه ونسأل الله التوفيق والسداد وأن يعيننا على حمل مسؤولية هذه الأمانة الوطنية.
•ما الاستراتيجيات المقترحة؟
المرحلة الراهنة تتطلب تبني حزمة من الاستراتيجيات المتوازنة التي تضمن الاستدامة والنمو، وفي مقدمتها:
تنويع مصادر الدخل والتوريد بما يقلل من الاعتماد على أسواق أو مسارات محددة، والاستثمار في الكوادر الوطنية باعتبارها المحرك الأساسي لأي تحول نوعي، إلى جانب تبني الابتكار والتقنيات الحديثة لرفع الكفاءة وتعزيز القدرة التنافسية.
كما تبرز أهمية بناء شراكات استراتيجية لتفتح آفاقًا جديدة للتوسع، مع التركيز على الاستدامة كعنصر رئيسي في جميع العمليات.وقد شكلت هذه الركائز أساس رحلتنا، وأسهمت في تحقيق نمو متوازن قائم على المرونة والجاهزية للمستقبل.
• كيف ترون مستقبل الشركات الناشئة في عُمان؟
المؤشرات تؤكد أن مستقبل الشركات الناشئة في سلطنة عُمان واعد، شريطة أن تنطلق من رؤية واضحة، وتستثمر في بناء قدراتها التشغيلية، وتتبنى ثقافة الابتكار والمرونة.
البيئة الاقتصادية في السلطنة، وما تشهده من تطوير مستمر في البنية الأساسية والتشريعات، توفر أرضية خصبة لنمو هذا النوع من الشركات.
والشركات التي تنجح في قراءة المتغيرات مبكرا، وتقديم حلول ذات قيمة مضافة، لن تكتفي بالمنافسة محليا، بل ستمتد لتكون جزءًا فاعلًا في منظومة الاقتصاد الإقليمي والدولي.
