القلاع والحصون .. نحو مسارات تنعش الإقتصاد وتحفظ الهوية
كتب - عبدالحميد القاسمي
يبرز استثمار القلاع والحصون كأحد المسارات الواعدة في الاقتصاد الثقافي والسياحي. فهذه المعالم التاريخية، التي تمثل رصيدا حضاريا متجذرا في الهوية الوطنية، يمكن أن تتحول ضمن أطر تنظيمية دقيقة إلى أصول اقتصادية فاعلة تسهم في تحفيز النشاط السياحي، ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتعزيز سلاسل القيمة المرتبطة به.
ويقوم هذا التوجه على معادلة بين توازن والاستثمار، بحيث يعاد توظيف المواقع التراثية عبر نماذج تشغيل مستدامة تحقق عائدا مباشرا من التذاكر والفعاليات والخدمات، وعائد غير مباشر يتمثل في تنشيط قطاعات الضيافة والنقل والحرف التقليدية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وحول إمكانية تحول القلاع والحصون إلى مشاريع استثمارية دون الإخلال بقيمتها التاريخية، قال المهندس علي بن أحمد الشقصي مدير عام مشروع إدارة وتشغيل قلعة بهلا : "يمكن ذلك متى ما ارتكز الاستثمار على رؤية واعية تقدّم الحفاظ على القيمة التاريخية بوصفها أولوية مطلقة لا تقبل المساومة. فالقلاع والحصون ليست مباني جامدة، هي شواهد حضارية عالقة في أذهان العمانيين. والاستثمار الصحيح لا يغير هويتها، ويعيد توظيفها بأساليب مدروسة تحفظ أصالتها المعمارية وروحها الرمزية، وفق أطر علمية ومعايير صون دقيقة تضمن أن يبقى كل تدخل خدميا ومؤقتا وغير مؤثر على جوهر الأثر. وهكذا يتحول الاستثمار من تهديد محتمل إلى أداة حماية واستدامة.
وأشار المهندس الشقصي بأن تفعيل القلاع سياحيا واقتصاديا يسهم في خلق منظومة اقتصادية متكاملة تتجاوز حدود الموقع ذاته. فالعائد لا يقتصر على إيرادات التذاكر والأنشطة الثقافية، ليمتد إلى تنشيط قطاعات الضيافة والنقل والصناعات الحرفية والخدمات المساندة. كما يعزز ذلك من تنافسية الوجهة السياحية ويرفع متوسط إنفاق الزائر ويطيل مدة إقامته، مما ينعكس إيجابا على الاقتصاد المحلي والوطن وبمرور الوقت، تتحول القلاع إلى محركات تنمية مستدامة تدعم تنويع مصادر الدخل الوطني.
وأوضح الشقصي أن تشغيل القلاع والحصون يوفر فرص عمل مباشرة في مجالات الإدارة والإرشاد السياحي وتنظيم الفعاليات والصيانة والحراسة والتسويق الثقافي، إضافة إلى فرص غير مباشرة في قطاعات الضيافة والنقل والتوريد والخدمات. ويختلف عدد الوظائف بحسب حجم الموقع وطبيعة برامجه التشغيلية، غير أن كل موقع يمكن أن يستوعب عددا من الوظائف المباشرة، فضلا عما يخلقه من فرص غير مباشرة تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز مشاركة الكفاءات الوطنية.
الأسر المنتجة
وأضاف مدير عام مشروع إدارة وتشغيل قلعة بهلا أن إشراك الأسر المنتجة والحرفيين يعد جزءا مهما من فلسفة الاستثمار في المواقع التراثية. ويمكن تحقيق ذلك عبر تخصيص مساحات منظمة لعرض المنتجات التقليدية، وتنظيم أسواق موسمية وورش حية تبرز المهارات العُمانية، وإبرام شراكات مع الجمعيات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وبهذا تصبح القلعة منصة تمكين اقتصادي واجتماعي، تربط الماضي بالحاضر، وتحول التراث إلى مورد مستدام يعود بالنفع على المجتمع المحلي.
الحفاظ على الهوية
وفي ما يتعلق بالتوازن بين الاستثمار التجاري والحفاظ على الأثر التاريخي، يجيب المهندس علي الشقصي بأن التوازن يتحقق عبر منظومة ضوابط واضحة تضع حدوداً لأي تدخل تجاري، وتلزم المستثمرين باحترام الخصوصية المعمارية والبصرية للموقع. ويشمل ذلك منع أي تعديلات إنشائية دائمة، واعتماد تجهيزات قابلة للإزالة، وإخضاع جميع الأنشطة لتقييم أثر تراثي مسبق. كما ينبغي أن تخضع عمليات التشغيل لرقابة دورية تضمن بقاء الاستثمار في إطار الخدمة لا الاستنزاف، وفي سياق التعظيم الثقافي لا التشويه.
التحديات
وحول التحديات التي يواجهها هذا القطاع، أضاف الشقصي أن أبرزها ارتفاع تكلفة الصيانة الدورية، والحاجة إلى كوادر متخصصة في إدارة وتشغيل المواقع التراثية، إلى جانب موسمية الحركة السياحية في بعض الفترات. كما يبرز تحدي تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات الحفظ العلمي. غير أن هذه التحديات يمكن تجاوزها عبر التخطيط بعيد المدى، وبناء شراكات مؤسسية فاعلة، وتبني نماذج تشغيل مبتكرة ومستدامة.
الحوافز المطلوبة
وعن الحوافز التي تشجع المستثمرين، أشار إلى أنها تتجلى في توفير بيئة استثمارية واضحة ومستقرة، تشمل عقود تشغيل مدروسة وطويلة الأمد، وتسهيل الإجراءات، ومنح مزايا تحفيزية في المراحل الأولى، إضافة إلى تقديم بيانات ودراسات جدوى تعزز الثقة وتقلل من المخاطر
وحول الحديث عن إمكانية طرح مواقع للاستثمار عبر مناقصات تنافسية، أوضح أن الطرح عبر مناقصات تنافسية شفافة يعد من أفضل الممارسات، إذ يضمن اختيار العروض الأكثر التزاما بالمعايير التراثية والأعلى جودة من حيث الفكرة والعائد المجتمعي، على أن تتضمن كراسة الشروط معايير دقيقة تحفظ أصالة الموقع، وأن تخضع العقود لإشراف ومتابعة مستمرة لضمان تحقيق الأهداف الثقافية والاقتصادية معا.
استدامة الدخل
وعن استدامة الدخل طوال العام، أشار إلى أن ذلك يتطلب تنويع البرامج والأنشطة بحيث لا تقتصر على الزيارات التقليدية، بل تشمل معارض فنية، وفعاليات ثقافية، ومهرجانات موسمية، وبرامج تعليمية، واستضافة مؤتمرات وندوات. فكلما اتسعت وظائف الموقع وتنوعت فعالياته، ازداد استقطابه لشرائح مختلفة من الزوار على مدار العام، بما يحقق تدفقا ماليا مستدام ويعزز حيويته المجتمعية.
ومن ناحيته، أوضح هاني بن عبدالعزيز الكندي، الرئيس التنفيذي لشركة جبال الحجر، أنه من خلال تجربتهم العملية في تشغيل قلعة مطرح وقلعة الميراني، أثبت الواقع أن القلاع يمكن أن تتحول إلى مواقع حية اقتصادية دون أي إخلال بقيمتها التاريخية.
وأضاف: نحن لم نغير في البنية التاريخية، ولكن ركزنا على تفعيل الاستخدام الثقافي والسياحي عبر أنشطة متوافقة مع طبيعة المكان مثل الجولات الإرشادية، التجارب الثقافية، المقاهي الخفيفة، والفعاليات التراثية. فالاستثمار الصحيح لا يهدد الهوية، ويسهم في تعزيز حضورها ويجعل الموقع أكثر ارتباطا بالمجتمع والزائر.
بالعائد الاقتصادي
وفيما يتعلق بالعائد الاقتصادي المتوقع من تفعيل القلاع سياحيا واقتصاديا، بين أن التشغيل الفعلي أثبت أن العائد لا يقتصر على التذاكر، أيضا يشمل منظومة متكاملة تضم إيرادات الزيارات والتجارب السياحية، والمقاهي والخدمات المساندة، والفعاليات الثقافية والمناسبات، إلى جانب تنشيط الحركة السياحية في المنطقة المحيطة.
وأشار إلى أنه قد لوحظ انعكاس إيجابي واضح على الاقتصاد المحلي، حيث تستفيد قطاعات النقل والمطاعم والأسواق والمرشدين السياحيين، مؤكدا أن القلاع عندما تفعل تصبح محركا اقتصادي وليس مجرد موقع أثري.
وعن طبيعة فرص العمل التي يوفرها المشروع، أوضح أن تجربتهم أظهرت أن تشغيل القلاع يوفر فرص عمل متنوعة تشمل مرشدين سياحيين، كوادر تشغيل وإدارة، أمن وسلامة، صيانة وخدمات، تنظيم فعاليات، إضافة إلى حرفيين وبائعي منتجات تراثية.
وبين أنه يمكن لكل موقع نشط أن يوفر ما بين 25 إلى 40 وظيفة مباشرة، إضافة إلى فرص غير مباشرة مرتبطة بسلسلة التوريد والخدمات السياحية.
أما بشأن إشراك الأسر المنتجة والحرفيين، فأكد أن إشراك المجتمع المحلي كان أحد أهم ركائز النجاح، حيث تم تأسيس نموذج عملي عبر محل "مزرد"، وهو متجر متخصص في بيع التحف والهدايا والمنتجات التراثية داخل المواقع السياحية.
وأوضح أن "مزرد" ليس مجرد محل بيع، هي منصة اقتصادية للحرفيين والأسر المنتجة، حيث تم ربط الفنانين بالحرفيين في نموذج تعاوني مبتكر؛ يقوم الفنان بتصميم العمل أو رسم الفكرة، بينما يتولى الحرفي تنفيذها بمهارته التقليدية، مما ينتج منتجات تجمع بين الإبداع الفني والأصالة الحرفية.
كما تم اعتماد آلية الشراء المباشر من الأسر المنتجة والحرفيين، ثم إعادة بيع المنتجات عبر متجر "مزرد"، الأمر الذي يوفر لهم دخل مستقرا ويضمن جودة المنتج وتطويره بما يتناسب مع السوق السياحي. وأشار إلى أنهم متعاقدون حاليا مع ما يقارب 95 أسرة منتجة وفنانا وحرفيا، وهو رقم قابل للنمو مع توسع المشاريع، مما يجعل المواقع التراثية منصة لدعم الاقتصاد المحلي وتمكين المجتمع.
وحول التحديات التي تواجه هذا القطاع، أشار إلى أن أبرزها مرتبط بالبنية التحتية والخدمات المساندة، خصوصا محدودية مواقف السيارات في بعض المواقع التاريخية، إضافة إلى موسمية الحركة السياحية سواء الداخلية أو الخارجية.
وأوضح أنهم تعاملوا مع هذه التحديات بإيجاد حلول عملية، فعلى سبيل المثال تم تفعيل خدمة صف المركبات (Valet Parking) بالتعاون مع المجتمع المحلي، مما ساهم في تحسين تجربة الزائر وخلق فرص عمل مؤقتة للشباب.
أما فيما يتعلق بالموسمية السياحية، فأكد أن تجاوزها يتطلب شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص من خلال التعاون مع مكاتب السفر والسياحة، والتنسيق مع الجهات المعنية بالترويج السياحي للسلطنة عمان، واستهداف السياحة الداخلية خلال فترات انخفاض السياحة الخارجية.
وبين أن التجربة أثبتت إمكانية تحويل التحديات إلى فرص تطوير وابتكار عند توفر المرونة والتعاون بين الجهات المختلفة.
وفيما يخص الحوافز التي تشجع المستثمرين، أوضح أن المستثمر يحتاج إلى عقود تشغيل طويلة وواضحة، وتسهيلات في الإجراءات، ودعم ترويجي سياحي، ووضوح الأنظمة التنظيمية، إضافة إلى حوافز مالية أو رسوم مخفضة في المراحل الأولى، مشيرا إلى أن الاستثمار في التراث بطبيعته استثمار طويل الأمد ويحتاج إلى بيئة مستقرة.
الاستثمار والتسويق
وعند الحديث عن الاستثمار والتسويق، أوضح محمد بن زهران النبهاني مدير مشاريع شركة البوادر العالمية، أن الاستثمار يعزز القيمة التاريخية للقلاع والحصون من خلال تفعيلها وتسويقها بصورة أوسع، وإقامة الأنشطة والفعاليات المتنوعة فيها، إلى جانب تقديم خدمات عالية الجودة للزوار من حيث الإرشاد السياحي وتحسين المرافق بشكل مستمر، بما يمنح الزائر تجربة متكاملة تعكس عمق التاريخ والثقافة العُمانية.
وأضاف النبهاني: إن استثمار القلاع والحصون والمواقع التاريخية يمثل قيمة محلية مضافة، حيث أتاح فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للعمانيين في التخصصات السياحية والإدارية وغيرها. كما استفاد المجتمع المحلي من خلال المشاركة في أنشطة القلاع عبر الحرفيين وفرق الفنون الشعبية. وأسهمت الفعاليات المقامة في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر إتاحة منصات لعرض وتسويق منتجاتهم داخل القلاع. ولم يقتصر الأثر الاقتصادي على القلعة ذاتها، كذلك امتد ليشمل الأسواق القريبة منها الذي تنشط حركته مع تدفق الزوار، إلى جانب نشوء مشاريع تجارية جديدة في محيط القلاع لتقديم خدمات مساندة للزوار.
واشار محمد النبهاني، إلى ان تسهم هذه الاستثمارات في توفير فرص عمل مباشرة للعُمانيين من أصحاب التخصصات في مجالات السياحة والإدارة والتسويق والمحاسبة، بما في ذلك المرشدين السياحيين وموظفي الاستقبال والمحاسبة والطاقم الإداري. وفي قلعة نزوى تحديدا، بلغ عدد فرص العمل نحو 25 فرصة، مع قابلية للزيادة بالتزامن مع مشاريع التطوير المستقبلية ، كما يتم إشراك الأسر المنتجة والحرفيين عبر التعاون مع الحرفيين العُمانيين لتقديم منتجاتهم وحرفهم داخل قلعة نزوى، بهدف إبراز تنوع الحرف العُمانية أمام الزائر. كما تتاح للأسر المنتجة فرص عرض منتجاتهم في منفذ القلعة، إضافة إلى توفير منافذ بيع مجانية خلال الفعاليات السنوية المقامة في أرجاء القلعة.
