الثروة السمكية تسهم في تحقيق الاكتفاء الغذائي وتنمية الاقتصاد المحلي
العُمانية: تكتسب حماية الثروة السمكية أهمية وطنيّة لما تُسهم به في تعزيز الاقتصاد والأمن الغذائي ودعم قطاع الصيد المحلي، وجاءت التشريعات في سلطنة عُمان لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين الجهات الرسمية والمجتمع لمكافحة الممارسات الضارّة وتشجيع الصيد المستدام، حفاظًا على هذه الثروة للأجيال القادمة.
وقال الدكتور حسين بن محمد المسقطي، مدير دائرة التنمية السمكية بمسقط بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ الوزارة تولي اهتمامًا بالغًا بتنظيم أدوات وممارسات الصيد، لما لها من تأثير مباشر على البيئة البحرية والمخزون السمكي، مشيرًا إلى أنّ بعض معدات الصيد، في حال استخدامها خارج الضوابط المعتمدة، قد تُسهم في زيادة الصيد العرضي وإحداث اختلالات بيئيّة.
وأضاف أنّ شباك الصيد بالضاغية تُعدّ من طرق الصيد التقليدية المعروفة في عدد من محافظات سلطنة عُمان، ولا سيما محافظات شمال الباطنة وجنوب الباطنة، ومسقط، ومسندم، وظفار، وقد مارسها الصيادون الحرفيون منذ زمن طويل وفق أعراف متوارثة.
تكثيف جهود الرقابية
وبيّن أنّ الصيد بالضغاوي الساحلية يعتمد على تثبيت الشباك بالقرب من الشاطئ بطريقة تستفيد من حركة الأسماك مع التيارات البحرية، وتوجيهها نحو الشبك، مستهدفًا بشكل رئيس الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى وجه الخصوص العومة (السردين) والبريّة خلال مواسمها المعروفة.
وأشار إلى أنه عند الالتزام بالممارسات السليمة وضوابط الصيد المعتمدة، يمكن إطلاق الكميات غير المستهدفة، إلا أنّ عدم التقيد بالمواصفات الفنية أو بمناطق ومواسم الصيد قد يؤدي إلى صيد أنواع غير مستهدفة، بما يُهدّد التوازن البيئي.
وفيما يتعلق بشباك التحويط، أو ما يُعرف بالتدوير أو الحوي، وضح أن لها نوعين رئيسين؛ الأول لا تُثبّت به حلقات لغلق الشبك من الأسفل، ما يسمح بخروج جزء من الأسماك غير المستهدفة، بينما يُثبّت النوع الثاني بحلقات تؤدي إلى غلق الشبك من الأسفل، الأمر الذي يتسبب في احتجاز جميع الأسماك التي يتم التحويط عليها.
وبيّن أنّ استخدام هذا النوع من الشباك بغير المواصفات المعتمدة قد يؤدي إلى حجز كميات كبيرة من الأسماك الصغيرة، واستنزاف المخزون السمكي على المديين المتوسط والبعيد.
وأشار إلى أنّ الوزارة قد أصدرت لوائح تنظيمية واضحة لكل نوع من هذه الشباك، تحدد المواصفات الفنية، ومناطق ومواسم الاستخدام، والأنواع المستهدفة، كما تشترط الحصول على تراخيص مسبقة، وتحدد أعداد الشباك المسموح بها وفق أسس تنظيمية معتمدة، وبالتنسيق مع لجان سنن البحر في الولايات الساحلية.
وشدّد على أنّ عدم التزام بعض الصيادين بهذه التشريعات يؤدي إلى ممارسات خاطئة ونتائج سلبية على البيئة البحرية، مؤكدًا على استمرار الوزارة في تكثيف جهودها الرقابية والإرشادية، وتعزيز الوعي بمفهوم الصيد المسؤول، حفاظًا على الثروة السمكية واستدامتها.
وأضاف مدير دائرة التنمية السمكية بمسقط بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه: إنّ الوزارة تطبق منظومة متكاملة من الإجراءات التنظيمية والرقابية والإرشادية للحدّ من ممارسات الصيد غير القانوني، بما يضمن حماية البيئة البحرية واستدامة الموارد السمكية.
ووضّح أنّ هذه الإجراءات تشمل إصدار لوائح تنظيمية دقيقة لمختلف أدوات الصيد، تحدّد المواصفات الفنية للشباك، وأعماق ومواقع استخدامها، والأنواع المستهدفة، بما يسهم في تقليل الصيد العرضي إلى الحدّ الأدنى، إلى جانب تنظيم آليات منح التراخيص وحصر أعداد بعض معدات الصيد وفق معايير واضحة.
وأضاف: إنّ منح تراخيص استخدام شباك الصيد يخضع لجملة من الشروط، من بينها الالتزام بالمواصفات الفنية المعتمدة، والتقيد بالمناطق والأعماق المسموح بالصيد فيها، والالتزام بالمواسم المحددة، وتحديد عدد الشباك المصرح بها لكل صياد أو قارب، إضافة إلى التقيد بالأنواع المستهدفة وعدم الإضرار بالأسماك الصغيرة أو الأنواع المحمية، بالتنسيق مع لجان سنن البحر.
وبيّن أنّ الوزارة تطبق مواسم حظر محدّدة لبعض معدات الصيد التي قد تؤثر على المخزون السمكي خلال فترات التكاثر، من بينها منع استخدام شباك التحويط خلال الفترة من أغسطس حتى نهاية نوفمبر، لحماية الأسماك الصغيرة وإتاحة الفرصة لتجدّد المخزون السمكي.
وأشار إلى أنّ الوزارة تمنع الصيد في المناطق البحرية الحساسة، مثل الشعاب المرجانية ومناطق القرم (المانغروف)، لما لها من أهمية بالغة في الحفاظ على التنوع الأحيائي ودورة حياة الأسماك.
تنفذ حملات توعوية ورقابية
وأكّد مدير دائرة التنمية السمكية بمسقط بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على أنّ الوزارة تنفذ حملات توعوية ورقابية متواصلة تستهدف الصيادين الحرفيين من خلال الندوات واللقاءات الميدانية، والنشر الإعلامي عبر مختلف المنصات، إلى جانب تكثيف الرقابة الميدانية بواسطة فرق الضبطية القضائية المختصّة.
ووضّح أنّ الوزارة وقّعت خلال هذا العام على اتفاقية تعاون مع مؤسسة خدمات الأمن والسلامة، تم بموجبها نقل مهام الرقابة السمكية إليها، لتعزيز كفاءة الرقابة ورفع مستوى الجاهزية.
وفيما يتعلق بالعقوبات، بيّن أنّ التشريعات تنص على عقوبات متدرجة بحسب نوع المخالفة، تشمل الغرامات المالية، ومصادرة أدوات الصيد، وإيقاف أو إلغاء التراخيص في حال المخالفات الجسيمة أو المتكررة، مؤكدًا على أن تطبيق العقوبات يتم في إطار العدالة والشفافية، وبما يحقق الردع ويحمي موردًا وطنيًا متجدّدًا.
وأشار إلى أنّ الوزارة تعتمد على التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها نظام التتبع الإلكتروني لسفن الصيد (VMS) لمراقبة أنشطة الصيد في الوقت الفعلي، وضمان الالتزام بالمناطق والأعماق المصرح بها، كما تم التوقيع على اتفاقية لتجهيز جميع قوارب الصيد الحرفي بأجهزة تتبع إلكترونية، بما يعزز كفاءة الرقابة.
وأكّد الدكتور حسين بن محمد المسقطي، مدير دائرة التنمية السمكية بمسقط بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، على أنّ التنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها شرطة خفر السواحل وهيئة البيئة، إلى جانب لجان سنن البحر والجمعية العُمانية للصيادين، يُعدّ ركيزة أساسية في ضبط ممارسات الصيد غير القانونية، وحماية البيئة البحرية، وضمان استدامة الثروة السمكية للأجيال القادمة.
وقالت الدكتورة منى بنت هاشل الطارشية، أخصائية إدارة حياة بحرية بهيئة البيئة، لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ الصيد العرضي يؤثر بشكل مباشر على التوازن البيئي البحري لأنه يؤدي إلى نفوق كائنات غير مستهدفة مثل السلاحف والقروش والثدييات البحرية، وهي أنواع تؤدي أدوارًا محوريّة في الشبكات الغذائية، وغياب هذه الكائنات يُسبب اختلالًا في السلسلة الغذائية ويؤدي إلى تغيّرات شلالية قد تضعف استقرار النظام البيئي بالكامل.
التنوع الأحيائي
وأضافت: إنه على المدى الطويل، فإن استمرار الصيد العرضي يسهم في تراجع التنوع الأحيائي، خصوصًا الأنواع بطيئة التكاثر، ويرفع خطر الانقراض المحلي لبعضها، كما يؤدي إلى تبسيط المجتمعات البحرية وتقليل قدرتها على التعافي ومواجهة الضغوط الأخرى مثل تغيّر المناخ والتلوث.
وأكّدت على أنّ الصيد العرضي يُعد تهديدًا مباشرًا لبعض الأنواع البحرية المهدّدة أو المحميّة، مثل السلاحف البحرية والقروش والثدييات البحرية. وهذه الأنواع تتميز بمعدلات تكاثر بطيئة، لذلك فإنّ نفوق أعداد قليلة منها بسبب الصيد العرضي قد يؤثر بشكل كبير على استقرار جماعاتها ويزيد من خطر تراجعها أو اختفائها محليًّا.
وحول المؤشرات البيئية التي تعتمد عليها الهيئة لرصد اختلال التوازن البيئي البحري، بيّنت أنّ الهيئة تعتمد على مجموعة من المؤشرات البيئية، أبرزها مؤشرات صحة الموائل البحرية مثل الشعاب المرجانية، ومؤشر التنوع الأحيائي البحري.
ووضّحت الدكتورة منى بنت هاشل الطارشية أنّ حوادث الصيد العرضي تؤثر بشكل ملحوظ على السلاسل الغذائية، خصوصًا عندما تطال كائنات تؤدي دورًا تنظيميًّا مهمًّا في النظام البيئي، كما أنّ فقدان هذه الكائنات يؤدي إلى اختلال في أعداد الفرائس، ما ينعكس سلبًا على مستويات غذائية أخرى، وقد يتسبب في تغيّر بنية النظام البحري على المديين المتوسط والبعيد.
من جانبه قال جاسم بن أبو بكر البلوشي، صياد حرفي وعضو في شبكة هواة صيد الأسماك، لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ الصيد الجائر يشكّل تهديدًا مباشرًا للصياد الحرفي لمصدر رزقه واستدامة نشاطه، لما له من آثار سلبية على المخزون السمكي والتوازن البيئي البحري.
وأضاف: إنه لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض الصيادين لا يولون الالتزام بالأنظمة والقوانين اهتمامًا كافيًا، إذ يركزون على الصيد بحدّ ذاته دون اعتبار للطريقة أو الأسلوب المستخدم، باستثناء فئة محدودة ممن يلتزمون بالضوابط المهنيّة والأخلاقيّة.
برامج توعوية وتدريبية
وشدّد على أهمية استهداف الصيادين الجدد والشباب ببرامج توعوية وتدريبيّة، لترسيخ ثقافة الصيد المسؤول وتعريفهم بالأنظمة والقوانين منذ بداية ممارستهم للمهنة، مؤكّدًا على أهمية تعزيز ثقافة الإبلاغ عن المخالفات البحرية، باعتبارها وسيلة داعمة للرقابة الرسمية وحماية الموارد المشتركة.
وذكر أنّ من أبرز التحدّيات التي تواجه الصياد الحرفي تتمثّل في تغيّر مواسم الصيد والاختلاف في أدوات وطرق الصيد المسموح بها في سلطنة عُمان، مثل استخدام الشباك والخيوط الطويلة، الأمر الذي يتطلب وعيًا أكبر وفهمًا أدق للأنظمة المنظمة لهذا القطاع.
ولفت إلى أهمية تعزيز الوعي من خلال التوعية والإرشاد المستمر للصيادين، إلى جانب تشديد العقوبات في حال تكرار المخالفات، بما في ذلك سحب رخصة الصيد ومصادرة القارب عند الضرورة، لضمان الالتزام وحماية الموارد البحرية.
وأشار إلى أنّ المخالفات الفردية، وإن بدت محدودة، تتراكم آثارها مع مرور الوقت، لتشكّل تحدّيًا حقيقيًا أمام الجهود المبذولة في إدارة وتنظيم قطاع الصيد.
ووضّح أن الحفاظ على الثروة السمكية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الصيادين والجهات الرقابية والمجتمع، مشددًا على أهمية التعاون والالتزام بالقوانين لضمان استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.
وأكّد على أهمية دور لجان سنن البحر إذ تُعدّ حلقة وصل مهمة وفاعلة بين الصيادين والجهات المعنية، ولها دور محوري في تنظيم العمل البحري، وحلّ الإشكالات، وتعزيز التعاون بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على الثروة السمكية.
إنّ حماية الثروة السمكية مسؤوليّة وطنيّة مشتركة تتطلب الالتزام بالقوانين والتشريعات، وتطبيق الممارسات المستدامة للصيد، وتعزيز الرقابة والتوعية، كما أنّ استمرار هذه الجهود يضمن استدامة المخزون السمكي وحماية البيئة البحرية للأجيال القادمة.
