الاتحاد الأوروبي والهند تسعيان لشراكة اقتصادية أعمق في ظل اضطراب النظام التجاري العالمي
لندن "د ب أ": تتجه بروكسل ونيودلهي نحو تعزيز شراكتهما السياسية والاقتصادية، في مسعى لمواجهة تداعيات سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أربكت النظام الدولي القائم على القواعد، ودفعت الطرفين إلى البحث عن تحالفات أعمق مع شركاء متقاربين في الرؤى.
هذا ما أكده د. تشيتج باجبايي، وهو زميل باحث أول في شؤون جنوب آسيا، ببرنامج آسيا والمحيط الهادئ، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس).
ويقول باجبايي إنه من المقرر أن تزور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الهند في الفترة من 25 إلى 27 يناير للمشاركة في القمة السادسة عشرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، وكذلك في عرض يوم الجمهورية الهندي. وتعد هذه الزيارة، وما قد تسفر عنه من إبرام اتفاق تجاري واتفاقات أخرى، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والهند.
ويمكن النظر إلى القمة بين الاتحاد الأوروبي والهند على أنها جزء من مساعي الطرفين الأوسع لتنويع علاقاتهما وتعميقها مع دول متقاربة في الرؤى، في ظل الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تبنت سياسة الرسوم الجمركية حتى ضد شركاء رئيسيين. فقد فرضت على الهند رسوم جمركية بنسبة 50%، مع التلويح بفرض رسوم إضافية بسبب شرائها النفط الخام الروسي. كما سبق للولايات المتحدة أن هددت أوروبا بفرض رسوم جمركية، كان آخرها على خلفية قضية جرينلاند.
وتكتسب علاقة الاتحاد الأوروبي والهند زخما جديدا مع تشكيك الولايات المتحدة في أسس النظام الدولي القائم على القواعد.
اتفاق تجاري
وفي هذا السياق، يعد التوصل إلى اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والهند مؤشرا على استمرار التزام الطرفين بتحرير التجارة. وبالنسبة لبروكسل، يأتي ذلك بعد الاتفاق التجاري الذي أبرم مؤخرا مع تكتل "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية، إلى جانب سلسلة من الاتفاقات مع عدد من الدول الآسيوية. أما بالنسبة لنيودلهي، فيأتي بعد اتفاقات أبرمتها مع المملكة المتحدة في عام 2025، ومع رابطة التجارة الحرة الأوروبية (إفتا) التي تضم سويسرا والنرويج وآيسلندا وليختنشتاين في عام .2024 وسيشكل الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للهند، تتويجا لهذه الجهود.
وعلى الرغم من أن المفاوضات التجارية استغرقت سنوات، فإن علاقة الاتحاد الأوروبي بالهند باتت تتسم بإلحاح متزايد مع تشكيك الولايات المتحدة في النظام الدولي القائم على القواعد. وفي الوقت الذي تتمسك فيه أوروبا بسياسة خارجية قائمة على القيم، ينظر إلى الهند بوصفها شريكا محتملا مثاليا، بالنظر إلى كونها أكبر ديمقراطية في العالم. وفي المقابل، تراجعت في واشنطن مقولة إن الهند والولايات المتحدة "حليفان طبيعيان"، مع تبني إدارة ترامب سياسة خارجية أكثر براجماتية وأقل ارتباطا بالقيم.
ويرى الاتحاد الأوروبي في الهند شريكا رئيسيا في مساعيه لتقليل المخاطر في سلاسل الإمداد، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا الحيوية والناشئة. وعقد مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الاتحاد الأوروبي والهند أول اجتماع له في عام 2023، فيما صادق المجلس الأوروبي في أكتوبرعلى "جدول أعمال استراتيجية جديدة للاتحاد الأوروبي-الهند" تعهد فيها بتعميق التعاون في مجالات متعددة. ومن المتوقع أيضا توقيع شراكة في مجالي الأمن والدفاع، إلى جانب مبادرات تتعلق بالهجرة الماهرة والأمن الاقتصادي، خلال قمة الاتحاد الأوروبي والهند.
وجاءت هذه الاتفاقات بالتوازي مع تواصل منتظم على مستوى كبار المسؤولين الحكوميين. فعلى سبيل المثال، شارك وزير الشؤون الخارجية الهندي إس. جايشانكار في وقت سابق من هذا الشهر في اجتماع "مثلث فايمار" الذي يضم ألمانيا وفرنسا وبولندا. كما يتوقع أن يزور رئيس الوزراء ناريندرا مودي القارة الأوروبية لاحقا هذا العام للمشاركة في قمة الهند ودول الشمال الأوروبي.
نقاط الخلاف في المفاوضات التجارية
ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك خطوط تصدع كامنة في علاقة الاتحاد الأوروبي والهند، تتجلى بشكل أوضح في المفاوضات المطولة بشأن الاتفاق التجاري، التي بدأت عام 2007، واستؤنفت في عام 2022 بعد تعثرها في 2013 وجرى تفويت الموعد النهائي الذي كان مقررا لإبرام الاتفاق بحلول نهاية عام2025
ويحمل كل طرف الآخر ميوله الحمائية مسؤولية التأخير. إذ لا تزال قضايا النفاذ إلى الأسواق والزراعة تمثل نقاط خلاف رئيسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كما هي الحال في المفاوضات التجارية بين الهند والولايات المتحدة. في المقابل، تنظر نيودلهي إلى آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي على أنها شكل من أشكال الحمائية الخضراء.
وبلغت المفاوضات مرحلة حاسمة، حيث زار وزير التجارة الهندي بيوش جويال بروكسل هذا الشهر، في مسعى من الطرفين لإنهاء الاتفاق في الوقت المناسب قبل قمة الاتحاد الأوروبي والهند. ومن المرجح أن يتطلب تمرير الاتفاق تأجيل البت في بعض القضايا الأكثر حساسية سياسيا، مثل الزراعة.
وتلقي اعتبارات استراتيجية أوسع بظلالها على علاقة الاتحاد الأوروبي والهند. فمن حيث المبدأ، يتقاسم الطرفان رؤى متقاربة في سعيهما للحفاظ على استقلاليتهما الاستراتيجية في عالم يشهد عودة تنافس القوى الكبرى وتصاعد النزعات الحازمة. ويعد كلاهما لاعبا ثانويا مقارنة بجيرانهما الجغرافيين: الاتحاد الأوروبي قياسا بالولايات المتحدة في الأطلسي، والهند قياسا بالصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويوفر ذلك مبررا استراتيجيا لتعميق التعاون بينهما بهدف تعزيز النفوذ في العلاقات مع الولايات المتحدة والصين.
الاعتماد الكبير على النفط
غير أن تباين علاقات بروكسل ونيودلهي مع قوى كبرى أخرى يشكل مصدر احتكاك. ويبرز على وجه الخصوص القلق الأوروبي إزاء علاقة الهند بروسيا في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا. وأبدت الدول الأوروبية عموما تفهما لاحتياجات الهند الاستراتيجية، بما في ذلك اعتمادها على العتاد العسكري الروسي، وطبيعة اقتصادها كثيف الاستهلاك للطاقة والحساس للأسعار، ما يفسر اعتمادها الكبير على النفط الروسي المخفض السعر.
لكن مع استمرار الحرب في أوكرانيا، ازدادت رقابة أوروبا على العلاقة بين الهند وروسيا. وتعد الهند، بحسب تقارير، ثاني أكبر مزود لروسيا بالتقنيات الحيوية المحظورة بعد الصين. كما شملت حزمة العقوبات الأوروبية الأخيرة في أكتوبرثلاث جهات هندية.
ومن المتوقع أن تستمر هذه الرقابة، ولا سيما إذا اعتبرت تحركات نيودلهي عاملا مساعدا لموسكو على إطالة أمد النزاع. وقدمت الهند نفسها على أنها "إلى جانب السلام"، وحافظت على علاقاتها بكل من كييف وموسكو، إذ زار رئيس الوزراء مودي أوكرانيا في أغسطس/آب 2024، بعد شهر واحد من زيارته لروسيا.
وبحسب باجبايي، تبرز الصين بدورها كمجال تباين محتمل آخر. ففكرة أن الهند تشكل موازنا للصين ليست مؤثرة في أوروبا بالقدر الذي كانت عليه في واشنطن. ورغم القلق الأوروبي من الصين، حافظت الدول الأوروبية تاريخيا على نهج أقل تصادمية تجاه بكين. ومع تزايد الإلحاح الأوروبي على تقليل المخاطر في سلاسل الإمداد، هناك أيضا إدراك بأن الهند لن تكون بديلا عن الصين في المستقبل المنظور.
كما دفعت هجمات إدارة ترامب على حلفائها الأوروبيين، وسياساتها الخارجية الأوسع نطاقا في نصف الكرة الغربي، أوروبا إلى التركيز بدرجة أكبر على احتياجاتها الأمنية بدلا من منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن شأن تراجع أولوية استراتيجية الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة أن ينعكس سلبا على مستوى انخراطه مع الهند.
العلاقات الثنائية
وغالبا ما تجري التطورات الأكثر تأثيا في علاقات الهند مع أوروبا على المستوى الثنائي. فعلى سبيل المثال، أسفرت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الهند في وقت سابق من هذا الشهر عن توقيع عدة اتفاقات شملت مجالات من التعاون الصناعي الدفاعي إلى أشباه الموصلات والمعادن الحيوية. كما تعد فرنسا شريكا استراتيجيا طويل الأمد للهند، ومن المقرر أن يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهند في فبراير، وكانت فرنسا الدولة الأكثر تكرارا في كون قادتها ضيوف الشرف في عرض يوم الجمهورية الهندي.
ويرى باجبايي أن ذلك لن يكون إشكاليا لو كانت هذه العلاقات الثنائية منسجمة مع جدول أعمال الاتحاد الأوروبي والهند الأوسع. إلا أن الأمر ليس كذلك دائما. فعلى سبيل المثال، انتقد وزير الشؤون الخارجية الهندي إس. جايشانكار بولندا بعد إصدار وزيري خارجية بولندا وباكستان بيانا مشتركا أشار إلى كشمير.
