No Image
الاقتصادية

الإعلانات الرقمية وسؤال ال 700 بليون دولار

06 فبراير 2026
06 فبراير 2026

أكبر مصدر للقلق في وادي السيليكون (مركز شركات التقنية الكبرى والابتكار وريادة الأعمال بالولايات المتحدة) أن يتحوَّل ازدهار الذكاء الاصطناعي الى فقَّاعة. لكن تحت السطح يتبدّى خطر آخر. فالإعلان الرقمي الذي يشكل حصة كبيرة ومتزايدة من إيرادات شركات التقنية الكبرى أقل صمودا أمام الانكماش الاقتصادي. وبعدما تمكنت الإعلانات الرقمية من تجاوز التراجع الاقتصادي مرتين خلال تاريخها القصير في الفترة 2008- 2010 وفي عام 2020 ستتلقى في الغالب ضربة موجعة عندما يحل التراجع التالي.

في سنة عادية تنفق الشركات الأمريكية ما بين 1% الى2% من الناتج المحلي الإجمالي على الإعلان. لقد استطاعت شركات التقنية الكبرى بسط سيطرتها على هذه السوق وعلى الأسواق المماثلة في الخارج أيضا بعدما انتزعت "دولارات الإعلانات" من الصحف والتلفزيون والإذاعة. وتشكل القنوات الرقمية الآن حوالي 60% من الإنفاق الإعلاني على نطاق العالم (باستثناء الصين) وذلك ارتفاعا من 30% في عام 2017.

لدى كبرى شركات التقنية الأمريكية حصة سوقية بحوالي 80% من هذه الكيكة التي تبلغ قيمتها 700 بليون دولار. ويُرجَّح أن تنمو بنسبة إضافية تصل الى 10% أو نحو ذلك في هذا العام.

تشكل الإعلانات كل إيرادات شركة ميتا تقريبا (بلغت 200 بليون دولار) في العام الماضي ومعظم إيرادات شركة ألفابت (يتوقع أن تصل الى 400 بليون دولار) وحصة متزايدة من إيرادات أمازون (يقدر المحللون أنها باعت إعلانات بقيمة 70 بليون دولار في عام 2025 أو ما يقارب ضعف الرقم الذي سجلته قبل ثلاث سنوات من ذلك.)

حتى مايكروسوفت وآبل لديهما إيرادات إضافية من الإعلانات بعدَّة بلايين من الدولارات. وحوالي 30% من إجمالي مبيعات وأرباح هذه الشركات الخمس تأتي من بيع الإعلانات.

قبل عصر التقنية الرقمية كانت تجارة الإعلان دورية (ترتبط بالدورة الاقتصادية.) فالإنفاق على الإعلانات يزدهر عندما يكون الاقتصاد قويا وينهار عندما يكون ضعيفا.

لقد درست ورقة نُشرت في عام 2008 بواسطة الباحثة باربرا ديليرسنيدر وزملائها بجامعة تيلبورغ سوقَ الإعلان في بلدان عديدة. جاء في الورقة أن الدورات في الانفاق على الإعلانات كانت أكثر تطرفا بنسبة تزيد بحوالي 40% عنها في الاقتصاد ككل. وفي عام 2012 وجد روبرت هول أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد أن الشركات أثناء التراجعات الاقتصادية تقلص الانفاق على الإعلانات بوتيرة أسرع من هبوط مبيعاتها.

هذا التقلب في الإنفاق صعودا وهبوطا مع الدورة الاقتصادية كان معقولا. فالإعلان تقديري (يمكن الاستغناء عنه) وليس ضروريا. وفوائده لم تكن مؤكدة. وفي أوقات تراجع الاقتصاد فضَّلت إدارات الشركات الحفاظ على الأموال النقدية على تكوين طلب مستقبلي (على منتجاتها بالترويج لها عن طريق الإعلانات).

الى ذلك تنتقل "عدوى" خفض التكلفة من شركة الى أخرى. فعندما تقلص قلة من الشركات الكبيرة مخصصات التسويق في ميزانياتها كثيرا ما تتبعها منافساتها في ذلك. وإذا لم تفعل ستبدو مستهترة في نظر مجالس إداراتها ومستثمريها.

يعتقد رؤساء شركات التقنية الكبرى أن الإعلان الرقمي مختلف. ففي العام الماضي وصف مارك زوكربيرج رئيس "ميتا" شركته بأنها "في وضع جيد" يمكنها من التعامل مع انعدام اليقين في الاقتصاد الكلي. وفي النصف الثاني من عام 2025 رغم تعزيز الحرب التجارية للتوقعات بحدوث انكماش اقتصادي ارتفعت إيرادات "جوجل" من الإعلانات بنسبة 10%على أساس سنوي. ويجادل مستثمرون عديدون في شركات التقنية الكبيرة بأن عرضها الإعلاني يمكن أن يستفيد من الانكماش. فالشركات الكبيرة منها والصغيرة تسعى بشدة في هذا الوضع الى جذب الزبائن (بالحملات الإعلانية).

من المؤكد أن اقتصاديات الإعلان الرقمي فريدة. ففي الأيام الخوالي كانت الشركات التي تشتري الإعلان تسدد قيمته مقدما وتأمل في أن يلقي الزبائن نظرة عليه في صفحات جريدة أو عند جلوسهم على أريكة أثناء فاصل الإعلانات. لكن هذه الأيام ربما يدفع المعلِن فقط عندما يضغط أحدُهم فعليا على رابط الإعلان.

في السابق لن تكون لدي المعلن فكرة عن تأثير إعلانه. واليوم يمكن للشركات تتبع الخيارات الإنفاقية لزبائنها في الوقت الحقيقي. فمع الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح كل من الاستهداف والتتبع أكثر كفاءة. (استهداف الزبون بالإعلان وتتبع قرار شرائه للسلعة أو الخدمة المعلن عنها- المترجم.) ويمكن أن تتراجع تكلفة إيجاد الإعلان الى ما يقرب من الصفر. وإذا بدأت الشركات في النظر الى الإعلان الرقمي كتكلفة لممارسة الأعمال وليس "بناء" علامة تجارية مبهمة أو غير حاسمة في تأثيرها قد تنحسر الضغوط التي تواجهها لخفض الإنفاق أثناء تراجعات الاقتصاد.

مع ذلك هنالك أسباب للتشكيك في النبرة المتفائلة لبائعي الإعلان الرقمي بقدرته على الصمود. أحد هذه الأسباب التجربة التاريخية. فلدى الخبراء سجل طويل في الادعاء بأن شكلا جديدا من الوسائط الإعلامية جعل الإنفاق على الإعلان محصّنا من تراجع الاقتصاد. لكن الانكماش الذي يأتي بعد ذلك يدحض مثل هذا الادعاء. ففي سنوات الخمسينيات ومع انتشار القنوات التلفزيونية المحلية في أرجاء الولايات المتحدة حاجج المحللون التجاريون بأن المعلنين بتكييف حملاتهم الإعلانية بما يتناسب مع وضع كل سوق محلية على حدة يمكنهم تخطى التراجعات الاقتصادية دون خفض كبير لميزانياتهم المخصصة لذلك الغرض.

وفي عام 2000 أصرَّ قطب الإعلام سومنر ريدستون على أن الإعلان "لم يعد متأثرا بالدورة الاقتصادية." وأشار الى الأداء القوي لمحطة بث مقاطع فيديو الموسيقى "ام تي في" أثناء الانكماش السابق.

لم تتحقق أي من هاتين النبوءتين. فانتشار محطات التلفزيون المحلية لم يكن حائلا دون شراء الشركات لعدد أقل من الإعلانات بعد التدهور الاقتصادي الحاد في الفترة 1973- 1975. وتكشف بيانات أكثر موثوقية أن ريدستون كان مخطئا أيضا. فالإنفاق الأمريكي على الإعلان تراجع بنسبة 28% في الفترة بين عام 2007 وأوائل العشرية الثانية (بعد حساب التضخم.)

الانكماش الاقتصادي بين عامي 2008 – 2010 وفي عام 2020 أيضا عَيِّنة غير مثالية للاستدلال منها على مستقبل الإعلانات الرقمية. صحيح في كلا هاتين الحالتين صمد الإعلان على الانترنت فيما شهدت أنواع الإعلان الأخرى تراجعا حادا. لكن في 2007-2009 كانت الإعلانات الرقمية تصعد من قاعدة ضئيلة جدا. لذلك "هجرة" الإعلان من الصحف الورقية والتلفزيون الى الإنترنت عوَّض عن الضعف المرتبط بالدورة الاقتصادية. والآن الإعلان الرقمي مهيمن بحيث لم يعد هنالك الكثير من أنواع الإعلان غير الرقمي التي يمكنه الاستحواذ عليها. إلى ذلك، في عام 2020 أجبرت إغلاقات الجائحة الناس على قضاء الكثير من الوقت "مؤقتا" في مشاهدة التلفزيون.

بدأ الإعلان الرقمي في إظهار بعض الأنماط القديمة. ففي ورقة من عام 2020 وجد يونغ كيم الأستاذ بجامعة كومونويلث بنسلفانيا فرع بلومسبرغ أدلة أولية على أن الإنفاق الكلِّي على إعلانات الإنترنت أكثر تأثرا بالدورة الاقتصادية (أكثر مسايرة لها هبوطا وصعودا) من الإنفاق على الإعلانات التقليدية. ووجد بحث نشر في نفس العام ومن إعداد آلفين سِلْك الأستاذ بجامعة هارفارد وارنست بيرندت الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن إجمالي الإنفاق على الإعلانات في الأعوام الأخيرة "أصبح أكثر حساسية تجاه الأداء العام للاقتصاد الوطني."

وفي العام الماضي قدّر بنك جولدمان ساكس أن الارتباط بين نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والإنفاق على الإعلانات الرقمية زاد منذ عام 2020.

أحد أسباب ذلك قد يكون الاعتماد الكبير لشركات الإعلان الرقمي على إعلانات الشركات الصغيرة والتي ربما تسارع الى خفض ميزانياتها عندما تتصور أن الأحوال سيئة. سبب آخر يتعلق بالكيفية التي تشترى بها الشركات مساحة الإعلان. فالإعلانات الرقمية في العادة تمنح مرونة تعاقدية أكبر من الإعلانات غير الرقمية مما يجعل من اليسير للشركات التراجع عن الإعلان.

بكلمات أخرى، عندما يعاني الاقتصاد الكلي في المرة القادمة على صُنَّاع الإعلان الرقمي إعداد العدة لتحمُّل أوضاع صعبة.