الاقتصادية

ارتفاع أسعار الوقود العالمية يهدد المعايش والاستقرار الاجتماعي

08 يوليو 2022
08 يوليو 2022

«نو يِسْ سُوفِيسيانْته» باللغة الإسبانية وترجمتها «هذا لا يكفي».

تلك هي الرسالة التي أوصلها قادة الاحتجاجات في الأكوادور لرئيس بلدهم بعدما قال: إنه سيخفض سعر البنزين والديزل بحوالي 10 سنتات استجابة لمظاهرات صاخبة ضد ارتفاع أسعار الوقود والغذاء.

انفجار الغضب والخوف حول أسعار الطاقة في الأكوادور يتكرر حول العالم. ففي الولايات المتحدة تشكل أسعار البنزين التي قفزت في المتوسط إلى 5 دولارات للجالون عبئا على المستهلكين وتفرض حسابات سياسية مؤلمة على الرئيس بايدن قبل انتخابات نصف الفترة البرلمانية هذا الخريف.

لكن في بلدان عديدة كانت القفزة في أسعار الوقود أكثر إثارة والتعاسة التي أعقبتها أشد وطأة. فالعائلات قلقة بشأن كيفية سداد فاتورة الكهرباء وتعبئة سياراتها بالوقود وتدفئة بيوتها وطهي طعامها. والشركات تواجه التكاليف المتصاعدة للنقل العابر والتشغيل ومطالب عامليها بزيادات في الأجور.

في نيجيريا يستخدم الحلاقون أضواء هواتفهم لقص الشعر لأنهم لا يستطيعون شراء وقود لمولدات الكهرباء التي تدار بالديزل.

في بريطانيا يكلف ملء خزان سيارة عائلية متوسطة الحجم 150 دولارا.

وتمنع المجر سائقي السيارات من شراء أكثر من 50 لترا من البنزين في اليوم في معظم محطات الوقود.

ويوم الثلاثاء الماضي أطلقت الشرطة في غانا الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على محتجين تظاهروا ضد الضائقة الاقتصادية التي تسببت فيها الزيادة في أسعار البنزين والتضخم وضريبة جديدة على المدفوعات الإلكترونية.

يمكن للزيادة المذهلة في أسعار الوقود إعادة نسج العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حول العالم. فأسعار الطاقة المرتفعة لها أثر تعاقبي يغذي التضخم ويجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة ويقلص النمو الاقتصادي ويعرقل جهود محاربة التغير المناخي المدمر.

غزو أوكرانيا بواسطة روسيا أكبر مصدِّر للنفط والغاز إلى الأسواق العالمية والعقوبات الانتقامية التي أعقبته كانا وراء صعود أسعار الطاقة بسرعة بالغة. تأتي هذه المحنة بعد عامين من الاضطرابات التي تسببت فيها جائحة كوفيد -19 والإغلاقات التي تختفي ثم تعود وأعطال سلاسل التوريد.

القفزة في أسعار الطاقة كانت سببا رئيسيا لمراجعة البنك الدولي لتوقعاته حول أداء الاقتصاد الشهر الماضي. فحسب تقديراته سيتباطأ النمو العالمي حتى بأكثر من المتوقع إلى 2.9% في العام الحالي. هذا تقريبا نصف معدل النمو في عام 2021. وحذر رئيس البنك ديفيد مالباس بقوله: «بالنسبة لبلدان عديدة سيكون تجنب الانكماش صعبا» .

في أوروبا جعل الاعتماد المفرط على الواردات الروسية من النفط والغاز الطبيعي القارة عرضة للتأثر بالأسعار المرتفعة ولنقص الإمدادات. وفي الأسابيع الأخيرة قلصت روسيا كميات الغاز التي تضخها إلى عدة بلدان أوروبية.

حول القارة تعد البلدان خطط تقنينٍ طارئة تشمل وضع سقوفات على المبيعات وتقليص حدود السرعة وخفض أجهزة تنظيم الحرارة.

كما هي الحال المعتادة في الأزمات سيشعر من هم أفقر وأضعف بالآثار الأشد قسوة. فقد حذرت الوكالة الدولية للطاقة في الشهر الماضي من أن أسعار الطاقة المرتفعة تعني حرمان 90 مليون شخص إضافي في آسيا وإفريقيا من الكهرباء.

التكلفة الباهظة للطاقة تنتج المعاناة. فهي تسهم في ارتفاع أسعار الغذاء وتخفض مستويات المعيشة وتعرض الملايين للجوع. ويرفع ازدياد تكاليف النقل أسعارَ كل سلعة تُنقل عن طريق الشاحنات أو السفن أو الطائرات سواء كانت تلك السلعة حذاء أو هاتفا ذكيا أو كرة قدم أو وصفة دوائية.

يقول إسوار براساد أستاذ الاقتصاد بجامعة كورنل الارتفاع المتزامن في أسعار الطاقة والغذاء «ضربة مزدوجة للفقراء عمليا في كل بلد. ويمكن أن تترتب عنه عواقب مدمرة في بعض أركان العالم إذا استمر لفترة طويلة». وفي بعض البلدان انقلبت الأوضاع المعيشية رأسا على عقب».

ديون دايولا (49 عاما) يقود اتحادا لحوالي مائة سائق يجوبون شوارع مانيلا لنقل الركاب في حافلات صغيرة «جيبني». تقلص عددهم الآن إلى 32 سائقا فقط. أما البقية فقد تركوا مهنتهم بحثا عن أعمال أخرى أو اتجهوا إلى التسول.

قبل أن تبدأ أسعار مضخة الوقود في الارتفاع يقول ديولا أنه كان يعود إلى البيت بحوالي 15 دولارا في اليوم. أما الآن فقد تقلصت الحصيلة اليومية إلى 4 دولارات. وتساءل «كيف تتوقع أن تعيش على هذا؟» ويقول إن زوجته ماريشو تبيع الطعام وأصنافا أخرى على الطرقات لتعزيز دخل الأسرة. وأحيانا يصحو ابناه عند الفجر ويقضيان 15 ساعة يوميا في قيادة حافلتيهما (من طراز جيبني) بأمل الحصول على أكثر مما ينفقان.

تشتري الفلبين نفطا قليلا جدا من روسيا. لكن الحقيقة هي ليس مهما من أية جهة تشتري النفط. فالسعر يتحدد في السوق العالمية. فيها كل واحد ينافس الآخر ولا يوجد بلد معزول (عن تأثيرات السوق) بما في ذلك الولايات المتحدة ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية.

استمرار ارتفاع تكلفة الطاقة يستثير سخطا سياسيا ليس فقط في بلدان تبدو الحرب في أوكرانيا بعيدة حدثا بعيدا أو لا علاقة لها به ولكن أيضا في البلدان التي تقود المعارضة لغزو روسيا.

ففي الشهر الماضي اقترح بايدن تعليق ضريبة فيدرالية ضئيلة على البنزين لخفض أثر ارتفاع سعره والذي بلغ 5 دولارات للجالون.

وناقش بايدن وقادة مجموعة السبع مؤخرا فرض حد أعلى (سقف) لسعر صادر نفط روسيا. وهي خطوة قصد منها تخفيف عبء التضخم على المستهلكين وتقليل إيرادات صادرات النفط التي تستخدم في تمويل الحرب.

الزيادات في أسعار المحروقات في كل مكان. ففي لاوس سعر الجالون الآن يزيد عن 7 دولارات، بحسب موقع «جلوبالبيترولبرايسيس دوت كوم». وفي نيوزيلندا تجاوز سعره 8 دولارات للجالون. وفي الدنمارك تعدى 9 دولارات. وفي هونج كونج فاق 10 دولارات.

هذا وقد دعا قادة ثلاث شركات طاقة فرنسية إلى بذل مجهود «فوري وجماعي وكبير» لخفض استهلاك الطاقة في فرنسا مشيرين إلى أن شح الوقود وارتفاع أسعاره يمكن أن يهددا « التماسك الاجتماعي» في الشتاء القادم.

في البلدان الفقيرة التهديد أكثر إثارة للقلق. فالحكومات حائرة بين تقديم عون إضافي يفرض عليها أعباء ديون ومواجهة اضطرابات خطرة.

استحدثت الأكوادور الدعم الحكومي للبنزين في سبعينات القرن الماضي. وكل مرة حاول فيها المسؤولون إنهاءه تواجه بِرَدِّ فعل عنيف. وتنفق الحكومة حوالي 3 بلايين دولار تقريبا في العام لتجميد سعر البنزين العادي عند 2.55 دولار للجالون والديزل 1.9 دولار للجالون.

في 26 يونيو اقترح الرئيس الأكوادوري غييرمو لاسو خصم 10 سنتات من سعري البنزين والديزل. لكن اتحاد قوميات السكان الأصليين القوي والذي قاد احتجاجات على مدار أسبوعين رفض الخطة وطالب بخفض الأسعار بحوالي 40 إلى 50 سنتا. في يوم الخميس وافقت الحكومة على خفضها بـ 15 سنتا وانحسرت الاحتجاجات.

ماريا يانميتاكسي (40 عاما) سافرت من قرية بالقرب من بركان كوتوباكسي إلى العاصمة كيتو حيث يأوي مئات المحتجين في الجامعة المركزية. تقول ماريا: «نحن فقراء ولا يمكننا دفع رسوم الدراسة الجامعية. الجرارات تحتاج إلى الوقود والفلاحون إلى أجور».

مخصصات دعم البنزين والتي تصل إلى ما يقرب من 2% من الناتج المحلي الإجمالي تحرم قطاعات الاقتصاد الأخرى من التمويل، بحسب المحلل الاقتصادي آندريز آلبوجا. لقد تم خفض الإنفاق على الصحة والتعليم مؤخرا بحوالي 1.8 بليون دولار لتأمين سداد مدفوعات المديونية الكبيرة.

من جانبه يستخدم رئيس المكسيك آندريس مانويل لوبيز أوبرادور الأموال التي تحصل عليها بلاده من خام النفط المكسيكي لدعم أسعار البنزين المحلية.

لكن المحللين يحذرون من أن الإيرادات التي تحصل عليها الحكومة من النفط لا يمكنها أن تغني عن الأموال التي تخسرها بالإلغاء المؤقت للضرائب على البنزين وبتقديم دعم إضافي للشركات التي تتولى تشغيل محطات الوقود.

في نيجيريا التي تواجه فيها الخدمات التعليمية والصحية الحكومية وضعا سيئا ولا تستطيع الدولة أن تؤمن لمواطنيها الكهرباء أو السلامة الأساسية يشعر العديد من الناس أن دعم الوقود هو الشيء الوحيد الذي تقدمه الحكومة لهم.

كولا سلامي الذي يملك صالون فالنتينو لتصفيف الشعر (للرجال) والتجميل (للنساء) في ضواحي لاجوس يلزمه البحث عن وقود مدعوم لمولد الكهرباء الذي يحتاج له في عمله. يقول: « إذا أوقفوا دعم الوقود لا أعتقد أن بمقدورنا حتى... ثم تلاشى صوته».

في جنوب إفريقيا وهي إحدى البلدان الأكثر افتقارا إلى المساواة الاقتصادية في العالم أوجد ارتفاع أسعار الوقود المزيد من التفاوت.

ففيما يخوض الرئيس سيريل رامافوزا حملة لإعادة انتخابه في مؤتمر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في ديسمبر حتى الحلفاء التقليديين للحزب انتهزوا ارتفاع تكلفة الوقود للتدليل على فشل القيادة السياسية.

وفي يونيو بعدما تجاوز سعر الوقود 6 دولارات للجالون وهو سعر قياسي في ارتفاعه سيَّر مؤتمر نقابات جنوب إفريقيا موكبا في مدينة ديربان التي اجتاحتها أعمال العنف والنهب في العام الماضي والفيضانات هذا العام. يقول سيزوي باملا المتحدث باسم مؤتمر نقابات عمال جنوب إفريقيا أن أسعار الوقود المرتفعة بالغة الضرر.

حفزت دوامة الارتفاع السريع في أسعار الغاز والنفط على المزيد من الاستثمار في موارد الطاقة المتجددة كالرياح وأشعة الشمس والهيدروجين. لكن إذا كان الاستثمار في الطاقة النظيفة يتعزز فكذلك الاستثمار في الوقود الأحفوري.

في الشهر الماضي دعا رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانج إلى زيادة إنتاج الفحم الحجري لتجنب انقطاع التيار الكهربائي أثناء موجة حر شديد في الأجزاء الشمالية والوسطى من البلاد وارتفاع الطلب على تكييف الهواء.

في الأثناء في ألمانيا يعاد تشغيل محطات توليد الكهرباء بالفحم الحجري ويجري تخزين الغاز لفترة الشتاء.

ولا يبدو أن هنالك فرجا قريبا يذكر. يقول فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية: «سنشهد أسعارا مرتفعة ومتقلبة للطاقة في السنوات القادمة».

في هذه اللحظة السيناريو الوحيد الذي ستهبط فيه أسعار الوقود هو انكماش الاقتصاد على امتداد العالم، بحسب بيرول.