نجاح الشركات الحكومية في التواقيت والاستحقاقات الوطنية

20 أبريل 2022
20 أبريل 2022

كل من تابع تصريحات معالي عبدالسلام المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العماني مؤخرا، سيخرج بثلاث نتائج أساسية هي: أنه يمكن الرهان الآن على الشركات الحكومية كمصدر للدخل، وأنها تعزز حالة الاطمئنان المالي لبلادنا، وأن بقاءها ضرورة وطنية، ينبغي أن تحصن من الخصخصة، وهذا يعني أن المطالب الاجتماعية بوقف استنزاف هذه الشركات للسيولة المالية، بدأت تتحقق في فترة زمنية سريعة، ويظل التساؤل الملح، متى ستنعكس حالة الاطمئنان المالي للبلاد على المجتمع بصورة مباشرة وملموسة؟

فما كشفته تصريحات المرشدي يقلب المفاهيم السلبية عن الشركات الحكومية، ويحول أوضاعها إلى الإيجابية، فقد تحولت شركات في فترة زمنية قصيرة إلى أن تكون مصدر تمويل لخزينة الدولة، وممولا لأجندات مهمة للنهضة المتجددة - كما سيأتي لاحقا - فهل ودعت هذه الشركات مرحلة استنزافها المالي لخزينة الدولة؟ سأتوقف في البداية عند أهم هذه الانكشافات المهمة والتي جعلتني أبني عليها مقدمة المقال، وأجملها في النقاط التالية:

- جهاز الاستثمار يرفد موازنة الدولة أكثر من مليار ريال كأرباح، وليس بيع جزء من الأصول.

- إحدى الشركات الحكومية قلبت الخسائر من 4 مليارات دولار عام 2020 إلى أرباح تجاوز1.5 مليار ريال عام 2021.

- الشركات الحكومية التي يمكن أن ينطبق عليها وصف استنزاف لا تتجاوز الآن 3 -5 شركات، ورغم ذلك نتساءل، لماذا تظل تستنزف حتى الآن؟

- النتائج المالية للشركات بصورة عامة جيدة.

- وأثناء الكشف عن موازنة 2022، كشف المرشدي عن تمويل جهاز الاستثمار 2.94 مليار ريال في 110مشروعات استثمارية.. إلخ.

ومؤشرات التحول للشركات الحكومية لا يكمن في الجانب المالي وحده، وإنما في الرؤية الوطنية الجديدة التي أصحبت الآن محكومة لتحقيقها، فهي ستكون معنية الآن بشأنها الوطني في تطلعاته المستقبلية لتحقيق أجندات النهضة الاستراتيجية، فالأولوية لها سيكون موطنها، وهنا معياران حاكمان لها، وهما، إما عودتها للوطن من 35 دولة في العالم لتحقيق أهداف النهضة المتجددة، أو فتح فروع لها داخل الوطن، كما أن مجالاتها الاستثمارية أصبحت مقيدة بالاستحقاقات الوطنية لصناعة مستقبل النهضة المتجددة، كنقل التكنولوجيا ومواكبة الحداثة التي تنتجها التقنية في مناحي الحياة.

وهي الآن في بداية مرحلة تحولها، ورغم ذلك يتعالى هاجسها الوطني، ومعها تصبح ثروة وطنية لا يمكن التفريط بها، من هنا أقف متحفظا على إطلاق المقولة التالية «يجب على الحكومة أن تسلم الاقتصاد للقطاع الخاص، وأن تكتفي بأدوار التنظيم ووضع السياسات» هذا تأطير ليبرالي لا يصلح تطبيقه في نموذج تنميتنا الاقتصادية على علته كما هو في بيئته، فشروط التطبيق غير كاملة، وغير ناضجة من كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع اختلاف البيئتين، لذلك يظل المبدأ هو ترك المجال الاقتصادي للقطاع الخاص، مع احتفاظ الحكومة بدور اقتصادي معتبر، فالمجال مفتوح للقطاع الخاص ليسهم بدوره في رؤية عمان 2040، فالرؤية تعتمد على الاستثمارات الخاصة سواء المحلية أو الأجنبية بنسبة 80%.

والدور المعتبر هنا تمليه مجموعة اعتبارات، أبرزها:

- طبيعة أجندات النهضة المتجددة التي قد يعزف عنها القطاع الخاص سواء المحلي أو الأجنبي، لأنها أجندات تحضر بلادنا لمرحلة ما بعد النفط ومرحلة التقنية الذكية.

- الآفاق المستقبلية المتوقعة من الحرب الروسية على أوكرانيا، واحتمالات استلام اليمين المتطرف في أوروبا السلطة سواء في بلدانه أو في المؤسسات الأوروبية المشتركة عن طريق الانتخابات، وهذان الحدثان سيحددان مستقبل العالم الجديد، كما أن الضغوطات الدولية قد خفت إلى حد كبير على الدول في مجال الخصخصة كما كان إبان مرحلة مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة.

- عدم الاعتماد على وعود الشركاء الجدد والقدامى في الاستثمار في بلادنا، وبشيء من الشفافية، يمكن القول إن بلادنا ينبغي أن تعتمد على ذاتها الاستثمارية أولا قبل الآخرين ومن بينهم الخليجيون، فسيولتهم المالية واستثمارات تنميتهم المستقبلية أولى بها، وتواجه هذه الدول الآن مشاكل عديدة في جذب استثمارات أجنبية، كما أن طموحات الأشقاء بعيدة المدى، واستراتيجية من عيار الوزن الثقيل، كالطموح النووي والفضائي، وهنا على بلادنا أن تراهن على استثمارات من دول إقليمية كبرى تجاوزت البحث عن ذاتها الاقتصادية، وتتطلع للعالمية المستحقة، كتركيا والصين والهند ونمور آسيا.. إلخ، وهذه الواقعية التي ينبغي أن تشكل أولوية سياسية عمانية، وذلك حتى لا تتبخر آمالنا في الاستثمارات الخليجية.

والتساؤل هنا، كيف حدث هذا التحول للشركات الحكومية؟ من البديهيات أن يكون وراءه البعد السياسي أولا، وثانيا، إصلاحات بنيوية عميقة في القيادات والأطر والكوادر والتشريعات، فالأولى، تمثلت في خطاب عاهل البلاد، حفظه الله ورعاه، في 23 فبراير 2020، ونقتطف منه الفقرة التالية «أن المرحلة المقبلة، سوف تشهد مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءاتها، وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية».

ويشكل هذا الخطاب مرجعية سياسية حاكمة لنجاح الشركات، وكذلك استمرارها لكي تساهم بفعالية في المنظومة الاقتصادية للبلاد، ويلتقي هذا الخطاب مع المطلب الاجتماعي بإصلاح هذه الشركات، ووقف نزيفها المالي السنوي عبر البذخ في المكافآت السنوية لكبار المسؤولين فيها أو عبر ما تستنزفه من دعم مالي سنوي مباشر من خزينة الدولة، ويتجلى البعد الثاني للنجاح في إقامة جهاز للاستثمار بمرسوم سلطاني رقم 61 /2020 بعد دمج صندوق الاحتياطي العام والصندوق العماني للاستثمار.

ونجاح الانطلاقة الأولى للشركات الحكومية في ظل مسيرة إصلاحية مستمرة، يعزز حالة الاطمئنان المالي للبلاد في ضوء استمرار ارتفاع النفط بمتوسط سعري 100 دولار للبرميل منذ شهرين حتى الآن، وكذلك تنامي مداخيل قطاعات أخرى كالغاز.

التي أصبحت مساهمته تنافس الإيرادات النفطية إن لم تتفوق عليها - وفق مصادر متداولة مؤخرا - وهي تحتم علينا توديع حالة التشاؤم التي تصطبغ على مرحلتنا الراهنة منذ سنتين، فطبيعة مرحلتنا المالية الآن مختلفة شكلا ومضمونا عن طبيعة المرحلة المالية التي بدأت في مارس 2020 عندما انهارت أسعار النفط إلى 32 دولارا من نحو 67.7 دولار، والقلق الذي صنعه خبراء صندوق النقد الدولي من وصول السعر إلى 10 دولارات للبرميل.

وبالتالي، فإن الانعكاس الإيجابي لحالة الاطمئنان ينبغي أن تظهر نتائجها كذلك على المجتمع بصورة مباشرة، عوضا عن الاستمرار وكأننا لم نغادر مرحلة القلق من تداعيات انهيار أسعار النفط، صحيح أنه قلق مشروع في مرحلة الانهيار وصناعة القلق، أما الآن فكل شيء متغير نحو الإيجابية، وسائرون نحو تعزيزها، فلا بدّ أن ينتقل معها المجتمع إلى التفاؤل، والتمسك به، وهذا مسار ينبغي التفكير فيه عاجلا، وأن يتمخض عنه برامج وخطابات حكومية ترجع التفاؤل الاجتماعي، فقد أرهقنا التشاؤم كثيرا، ولم تعد مبرراته قائمة بالصور السوداوية السابقة، فالتحديات الجيوسياسية المتعاظمة تحتم من جهتها نقل المجتمع إلى التفاؤل سريعا.

عبدالله باحجاج كاتب عماني مهتم بالشأن الخليجي والتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ عليه