مهرجان صحراء الربع الخالي.. يفتح أبواب السياحة الصحراوية
في الصحراء مصدر دخل للدولة وللمواطنين غير مستغل حتى الآن، ولو استغل فسيخلق نشاطًا اقتصاديًا سنويًا، وفرص عمل دائمة تتعاظم في فترة مهرجان صحراء الربع الخالي
تمنيت لو كانت النسخة الأولى من مهرجان صحراء الربع الخالي في قوة المسمى، وفي قوة المتخيل للمكان، وفي قوة إغراءاته السياحية، كونه في قلب الصحراء "وتحديدا في منطقة الخذف التابعة لنيابة شصر بولاية ثمريت، وكفى بمسماه حافزا يشد إليه الرحال للاستمتاع بالأجواء الصحراوية سواء كانت لياليها قمرية، أو عندما تضيء النجوم سماها في أوقات احتجاب القمر، وأجمل أوقاتها، وقت الشتاء كهذه الأيام، فلماذا جاءت النسخة الأولى متواضعة جدا؟ ويبدو أن المهرجان سيغرق في التدرج رغم أن الزمن وفلسفة التطور في بلادنا، يفترض أنها قد تجاوزته إذا ما أردنا للتطورات أن تكون في مستويات الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية وتحدياتها الإقليمية.
من هنا يمكن القول إن فكرة مهرجان الربع الخالي رائعة، لكن، كان ينبغي أن يكون تطبيقها مبهرًا منذ انطلاقتها الأولى، بحيث تنتج الآمال والتفاؤل للساكنة الصحراوية بوجود منفعة مستدامة ومتعاظمة لهم، كما أن الفكرة "مكانا وزمنا" تفتح قضية السياحة الصحراوية المستدامة كمصدر للدخل، وإنتاج فرص عمل للباحثين، ومثل هذه الأفكار هي التي تستوجبها مرحلتنا الوطنية، ليس لمنافعها الاقتصادية لخزينة الدولة فحسب، وإنما لتوفير مختلف السبل للمواطنين لكي يحسنوا من مستوى دخولهم المالية في مرحلة الضرائب والرسوم هذه.. إلخ.
سأنطلق في تبيان ما أشرت إليه في المقدمة من خلال منهجية تحليلية متدرجة من حيث الأهمية، وطبيعة الرهانات على السياحة الصحراوية المهمشة حتى الآن، وفق المحاور الآتية:
أولا: التدرج وعدم صلاحيته السياسية
لم يعد أسلوب التدرج صالحًا لمرحلتنا الوطنية الجديدة، فكل مبرراته ـ إن وجدت ـ قد ولّت، فلا للتنافس الإقليمي، ولا وضعنا الاقتصادي والمالي، ولا الضغوطات الاجتماعية القوية تجعل من الاستمرارية في التدرج في تطبيق الأفكار والمشاريع صالحة الآن، وقد كان تطبيق فكرة المهرجان متواضعًا جدًا، وأظهرت زيارتي للمهرجان أنه مجرد البداية، وقد غرق فيها كثيرا، ولا يعكس عددية وثقل المؤسسات الداعمة له، ويشير الوضع الميداني، كأن الفكرة قد سقطت من عالم الأفكار، ورأت النور في اليوم التالي.
فهناك طريق ترابي طوله أكثر من "22" كيلومترا ينبغي أن يسفلت أولا، كما أقيم المهرجان على منطقة ترابية غير صلبة رغم ما قيل لي أثناء زيارتي للصحراء، أن هناك مكانًا قريبًا صلبًا، ويصلح كمقر للمهرجان، كما أن طبيعة الفعاليات يستوجب أن تكون أكثر جاذبية للمهرجان، ومغرية للأسر في ولايات ظفار حتى تقطع أكثر من 200 كيلومتر من صلالة لهذه المنطقة، وهي تترقب عودتها مجددا، ولما نويت بصحبة أصدقاء قضاء ليلة صحراوية في أحد المخيمات، غادرناه بعد دقائق بسبب الأتربة التي تتناقلها كل سيارة تدخل للمخيم أو تمر من جانبه.
وقد يحاججني قول إن المهرجان قابل للتطور، وهنا أرجعه للمبدأ الذي أوضحته سابقًا، وأضيف عليه التساؤل التالي: لماذا لا تكون انطلاقة مهرجان صحراء الربع الخالي قوية منذ البداية، بلادنا في سباق تاريخي غير مسبوق مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظل توجهاتها الجديدة التي تسعى في إطار زمني محدد للانعتاق من قبضة النفط وتحدياته، وصناعة اقتصاد وطني مستدام، يأتي قطاع السياحة ضمن خمسة المصادر الأولى التي تعول عليها البلاد في مستقبلها الجديد، وهذا يدلل على عدم صلاحية التدرج من المنظور السياسي، وسنرى لاحقا، حجم المنافع الاقتصادية والاجتماعية في السياحة الصحراوية، والتي تستوجب النقلة النوعية والكمية وليس التدرج.
ثانيا: الصحراء وساكنتها الاجتماعية
الصحراء لم تعد كما كانت تروي عنها الحكايات والقصص، والمقولة الشهيرة التالية عن الصحراء "الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود" قد أصبحت من الماضي، فهي الآن تعج بالحياة، ومأهولة بالسكان، وبالمزارع المثمرة والمنتجة، فهناك الآن أربع ولايات صحراوية نجدية تابعة لمحافظة ظفار هي: ثمريت، مقشن، شليم، المزيونة، وبحمولات ديموجرافية مستقرة نتيجة فلسفة التنمية التي اعتمدت خلال الخمسين عامًا الماضية على تسكين الساكنات الاجتماعية داخل جهوياتها، عبر إقامة مختلف الخدمات فيها، كالمساكن الاجتماعية/ الشعبية المجانية، والمراكز الإدارية، والخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والماء والكهرباء.. إلخ.
والمثير في البيئة الصحراوية، كما عشتها وتعايشت فيها منذ عدة زيارات، إنني أراها مستقبل غذائنا، ومستقبل وجودنا الإنساني، فكل من تتعبه المدنية، ويريد أن يهرب بروحه من ضغوطاتها وتحولاتها المصيرية، سيجد غايته في الصحراء، فالمدينة قد أصبحت طاردة، ومستقبلها سيكون للبشرية التي تعيش فيها بأجسادها لا بأرواحها، بينما ستكون الصحراء جاذبة للباحثين عن عوالمهم الداخلية "الروحية والإنسانية" سترى لهم حقيقة أنفسهم التي بدواخلهم، وسيتكشفون من خلالها سر الوجود بقلوبهم وبعقولهم، وحتى لو رجعوا للمدينة، فسيعيشون فيها حقيقة الاكتشاف الصحراوي، مهما كانت الإغراءات المدنية، وسألوني فلديّ تجربة صنعها أخوة أعزاء من بيت كثير، تجعلني أفكر بالهروب إلى الصحراء.
ثالثا: المنافع الاقتصادية للسياحة الصحراوية
الإقبال الكبير للزوار من ولايات محافظة ظفار لمهرجان الربع الخالي، قبل أن يكتشفوا طريقه الترابي وإمكانياته المتواضعة، يفتح الآفاق للاهتمام بالسياحة الصحراوية، فهي لم تعد مطلبا أوروبيا شتويا، وإنما عمانيا، وسيكون خليجيا دون شك، من هنا، ينبغي أن يذهب التفكير الحكومي من الآن إلى إقامة سياحة صحراوية على مدار العام، ويكون المهرجان تتويجًا للسياحة الشتوية، مثل ما يكون مهرجان خريف ظفار تتويجًا للسياحة الخريفية، ففي الصحراء أعلى كثبان رملية في العالم على ارتفاع 455 مترا فوق سطح البحر، وطبيعة الصحراء كلها كثبان رملية ساحرة، يمكن أن تقام عليها الكثير من أنواع الرياضة والمسابقات والأنشطة الترفيه، وبها تاريخ في أعماقها، لم يكتشف حتى الآن رغم ما يظهر في بعض أجزائها من أسرار فوق السطح.
لذلك ينبغي أن تحتضن الصحراء مشاريع سياحية ضخمة، وصناعة مجموعة أنشطة سياحية ثابتة، وكان المؤسس -طيب الله ثراه- قد وجه بإقامة فندق من فئة الخمس نجوم في هذه المنطقة بعد الإقبال السياحي من أوروبا على الصحراء، فقد كانوا يحرصون قبل زيارتهم للبلاد، إدراج زيارة الصحراء ضمن استهدافهم السياحي، وهذا يدل على مدى مستقبل السياحة الصحراوية، ويدل على تعاظم زيارتها من الداخل والخارج، لو توفرت الجاذبية السياحية الداعمة للجاذبية الصحراوية.
ولم ير هذا الفندق النور حتى الآن، وقد كان المهرجان في نسخته الأولى في أمسّ الحاجة إليه، مثل ما هو كذلك للسياح الأوروبيين، فبعد يوم من الاستمتاع بالصحراء وكثبانها الرملية وتلالها وقممها، يعود الزائر للفندق ليجدد نشاطه ليوم صحراوي جديد، كل هذا يكشف أن في الصحراء مصدر دخل للدولة وللمواطنين غير مستغل حتى الآن، ولو استغل فسيخلق نشاطًا اقتصاديًا سنويًا، وفرص عمل دائمة في الصحراء، وتتعاظم في فترة مهرجان صحراء الربع الخالي، مما سينعكس إيجابًا على تمسك الساكنة الصحراوية بموطن آبائها وأجدادها، وانفتاح الديموجرافيا العمانية على الصحراء، لأن الصحراء ستكون في هذه الحالة قد أصبحت تنتج منافع اقتصادية ومالية في عصر الضرائب والرسوم، وليس هناك عذرا من أن تكون النسخة الثانية للمهرجان مختلفة تمامًا عن النسخة الأولى، وأن تدفع بالسياحة الصحراوية إلى الاستدامة.
• د. عبدالله باحجاج كاتب عماني مهتم بالشأن الخليجي
