من السجل الوطني إلى هيئة للأصول الحكومية

01 يوليو 2026
01 يوليو 2026

يأتي قرار مجلس الوزراء المتضمن إنشاء هيئة الأصول الحكومية ثمرة لمخرجات مشروع السجل الوطني للأصول الحكومية الذي كان إحدى مبادرات خطة التوازن المالي. يهدف المشروع إلى تحديد وحصر جميع الأصول الحكومية الثابتة ومنها، على سبيل المثال، المباني والأراضي والمرافق العامة والبنى الأساسية، وأيضا الأصول الحكومية المنقولة. 

عليه فإن الهيئة سوف تكون بمثابة الجهة الحكومية المختصة بالإشراف على تلك الأصول والعمل على حسن استغلالها بطريقة تؤدي إلى رفع كفاءة العائد من الإنفاق عليها، وبطريقة تعمل على استدامتها لفترات زمنية. 

كما أن قرار إنشاء هيئة الأصول الحكومية يعتبر منسجما مع المعمول به في بعض الدول، ومنها على سبيل المثال، الهيئة العامة لعقارات الدولة في المملكة العربية السعودية. كما أن هناك النموذج السويسري، والذي أغلبه يعمل على الشراكة مع القطاع الخاص بتأسيس شركات تدير المرافق والمباني والعقارات الحكومية بطريقة استثمارية، ولكن مع بقاء الحصة الأعلى للحكومة السويسرية. 

كما أن هناك نماذج مشابهة أيضا في كندا بحيث تتولى المؤسسات المملوكة للدولة إدارة الأصول والمشاريع الحكومية لتسييل ورفع العائد على الإنفاق على تلك الأصول والمرافق العامة. 

إنشاء هيئة الأصول الحكومية يأتي متوافقا مع جملة من الإصلاحات الاقتصادية التي أفرزتها المرحلة الحالية التي تستدعي التحول من الفكرة التقليدية السائدة لدى الجهات الحكومية بالتحكم في أصول الدولة التي تحت إشرافها والتعامل معها كأنها ملكية حكومية خاصة، إلى إطار تنظيمي يهدف إلى الاهتمام بتلك الأصول بنظرة أكثر شمولية. وبالتالي تكون الهيئة هي السلطة التي تحدد شكل استخدام أو استثمار الأصول الحكومية والرقابة والإشراف عليها بهدف استغلالها اقتصاديا ليس من أجل تحقيق إيرادات مستدامة فقط، ولكن من الحاجة إلى تعظيم العائد على الإنفاق على الأصول والمرافق الحكومية لرفع الكفاءة التشغيلية عن كل ريال يصرف أو يخصص لبقاء هذه الأصول صالحة للاستخدام بطريقة اقتصادية. 

كما أن هناك أصولا حكومية أصبحت الدولة تنفق عليها أو تخصص لها اعتمادات مالية كبيرة بشكل سنوي. زيادة الإنفاق ليس من منطلق أن هناك استخداما أمثل لها، ولكن بسبب أن هناك مساحات كبيرة لبعض الأصول الحكومية دون أن يكون هناك استغلال أمثل لها. 

تلك المساحات الكبيرة تقابلها زيادة في المصروفات التشغيلية، على سبيل المثال، ما يتعلق بمناقصات الصيانة والتنظيف والتشجير والبستنة والري، وبالتالي، يكون الأصل الحكومي قد صُرف عليه مرتين. 

الأولى عند بناء أو إنشاء المباني أو المرافق الحكومية التي تصرف من الميزانية الإنمائية حتى يتم اكتمالها، والمرة الثانية ما تتطلبه تلك الأصول من مخصصات سنوية لتشغيلها، والتي تصرف من الميزانية الجارية المعتمدة للمؤسسات الحكومية. 

نعم تلك المصروفات التشغيلية أساسية لبقاء الأصل صالحا للاستخدام، ولكن يجب أن يتوافق ذلك مع الاستغلال الأمثل وحجم ومساحة الأصل الحكومي. 

أيضا، من الأهداف الاستراتيجية لإنشاء هيئة حكومية للأصول هو إعادة هيكلة النظام التقليدي المعمول به في طريقة إدارة أصول الدولة طبقا للمعايير والأسس التي تحددها كل وحدة حكومية، إلى نظام موحد يضع جميع الأصول الحكومية تحت تصرف هيئة مستقلة لديها قاعدة بيانات تتمكن من خلالها من تصنيف وتبويب الأصول حسب أنواعها وعمرها الافتراضي، ومعرفة الأصول التي تستخدم بكفاءة عالية، والتي أصبحت متهالكة وتكلف الدولة مبالغ أكثر من قيمتها الدفترية. 

وجود هيئة حكومية للأصول من شأنه سحب نزعة الملكية الحكومية الخاصة التي أخذت تمارسها بعض المؤسسات الحكومية في آليات التعامل مع الأصول التي تحت إشرافها، وخاصة الأراضي والمباني، وبأنها أملاك تابعة لها، إلى منح الوحدات الحكومية حق استغلال تلك الأراضي أو المباني لتوسعة خدماتها أو فتح فروع لها في المحافظات لتتمكن من تقديم خدماتها للمواطنين بيسر وسهولة. 

بحكم أن تلك المرافق أو المباني قريبة من الخدمات الأساسية التي تحتاجها بدلا عن تخصيص أراضٍ جديدة تكون بعيدة، وتحتاج إلى تهيئة البينة الأساسية للبناء عليها. 

أيضا، هناك من مسؤولي الوحدات الحكومية المدنية وغير المدنية من يعمل على تضخيم المباني وزخرفتها وتوسيع المساحات المحيطة بها، بشكل لا يتوافق مع الأهداف السامية من إنشاء تلك الوحدات الحكومية الأمر الذي يدعو لإعادة النظر في وضع معايير صارمة عند تصميم المباني الحكومية بحيث يكون التصميم يؤدي الغرض من إنشاء المباني الحكومية، وليس تصميمها بحيث تستنزف مبالغ طائلة سببه الصرف على مساحات كبيرة غير مستغلة، وترهق الميزانية باعتمادات مالية كان من الأولى الاستفادة منها في جوانب أخرى تعمل على تسريع بناء المرافق العامة الأكثر احتياجا. 

وإن كان التساؤل حذرًا حول مدى الحاجة لاستحداث وحدة حكومية مستقلة تشرف على الأصول الحكومية المتناثرة بين الجهات الحكومية وأيضا بالمحافظات، وما قد ينتج من قرار إنشاء الهيئة من الحاجة إلى اعتمادات مالية إضافية لممارسة أعمالها في ظل سياسة الضبط المالي التي تتبعها الحكومة، ولكن كون تلك الأصول تعتبر ذات قيم مالية عالية تصل لمليارات الريالات، والتي هي حاليا تحت إدارة الوحدات والشركات الحكومية ومنها مرتبط بمشاريع التخصيص أو الشراكة مع القطاع الخاص، ومنها مُنحت بطرق الانتفاع، ومنها الأصول التراثية، ولكن في النهاية وضع تلك الأصول بشتى أنواعها تحت إشراف هيئة مستقلة، فإن العوائد الاقتصادية والمالية تفوق بكثير حجم الإنفاق الذي يتطلبه إنشاء الهيئة، مع العلم أن الهيكل التنظيمي لوزارة المالية يتضمن مديرية عامة للأصول الحكومية، وتشكل تلك المديرية بداية الانطلاقة لعمل الهيئة. 

إنشاء هيئة حكومية من اختصاصاتها الإشراف العام على المرافق والبنى الأساسية قد يكون من أهدافه أيضا التوجه نحو استثمار بعض الطرق والمرافق العامة والبنية الأساسية بين الحكومة وشركات القطاع الخاص. 

مثل هذه التوجهات معمول بها في بعض دول العالم والهدف منها تخفيف الأعباء المالية عن الدولة وتقاسم التكاليف عن شركات استثمارية. 

حاليا هناك مشاريع لمناقصات مقترحة لتحويل المرافق العامة إلى مرافق استثمارية، ومنها مشروع نفق العامرات، وطريق ثميد المعبيلة الذي يهدف لتقليل دخول الشاحنات إلى محافظة مسقط وبقائها لساعات طويلة، وأيضا الطريق الالتفافي للشاحنات من ثمريت إلى صلالة. 

كما أن سياسة استثمار المرافق العامة، ومنها الطرق، ليست جديدة. 

قبل مدة من الزمن صُمم طريق قريات صور الساحلي ليكون مشروعا استثماريا، ولكن لم يُنفذ جانب الاستثمار، لعله لعدم إضافة أعباء مالية على مستخدمي الطريق. أيضا، قبل سنوات مضت، فُرضت رسوم عبور للمنافذ البرية بهدف إيجاد مورد مالي إضافي لتعزيز مشاريع الطرق العامة، ولكن بعد مدة من الزمن أُلغيت تلك الرسوم. عليه، فإن استثمارات المرافق العامة والطرق ينبغي ألا تُتخذ قراراتها طبقا لنتائج الجدوى الاقتصادية والحصول على عوائد مالية، وإنما أيضا أن تكون هناك مراعاة في عدم تأثر المواطنين بأسلوب الاستثمار المقترح. 

التوجيهات السامية بتحويل مبادرة السجل الوطني للأصول الحكومية إلى هيئة الأصول الحكومية تمثل نقلة نوعية في العمل المؤسسي سوف تؤسس للاستفادة المثلى من الأصول الحكومية من كونها جامدة في السجل الحكومي إلى أصول يتم التعامل معها بالمرونة والشفافية في حسن استغلالها وإدارة استثمارها بطريقة أكثر فاعلية، وسوف تُسهم في تطبيق أفضل الممارسات لكيفية تعامل الوحدات الحكومية مع الأصول الحكومية بطريقة محاسبية سليمة. 

 د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس