مفهوم الدولة الضامن للاستقرار في الخليج
وقفت على مفهوم الدولة الجديد الذي يتم تأسيسه في منطقة الخليج العربية، لكي يقود مستقبل تنميتها، ويعيد تشكيل مجتمعاتها، وهو مفهوم يختلف شكلا وجوهرا عن المفهوم الذي أسس المجتمعات والتنمية في الخليج طوال الخمسين عاما الماضية، يعود ذلك لوجود قادة جدد في ظروف مالية استثنائية، ضخمت وجوديا منذ سنتين من قبل البنك وصندوق النقد الدوليين، ولا تزال، ولا يبدو أن هناك تراجعا عن الخطط التي وضعت بالتعاون مع هاتين مؤسستين، رغم انقشاع ضبابيتها - أي الاستثنائية - وانتفاء مسوغاتها الوجودية المطلقة، وبروز التداعي الاجتماعي المتصاعد من جراء هذه الخطط دون الالتفاف إليها حتى مع ارتفاع أسعار النفط.
وهذا ليس له سوى تفسير واحد فقط، وهو الرهانات السياسية على تطبيق المفهوم الجديد للدولة في الخليج، وما تلكم الظروف الاستثنائية سوى أنها توفر البيئة الداخلية للتطبيق، وتمكن الحكومات الخليجية من تمريره اجتماعيا، وقد نجحت بامتياز إبان اندلاع أزمتي النفط وكورونا، لكنها تقف الآن أمام ضغوطات اجتماعية بعد ارتفاع أسعار النفط، وعودة النشاط الاقتصادي فيها، وستجد الحكومات نفسها في حرج شديد أمام مجتمعاتها كلما ظلت الأسعار النفطية مرتفعة، واقتصار دفع ثمن المعالجات الطبقات الاجتماعية لوحدها.
وهو مفهوم منسوخ من المفهوم الغربي للدولة، تظهر في بعض الدول الخليجية في الجانب الاقتصادي والمالي أكثر، وأخرى في الجانب الاجتماعي والديني أكثر، لكنها ستلتقي في مرحلة ما عند شمولية الاستهداف سواء في إطار الدولة الواحدة، أو على المستوى الخليجي، فهل تتشابه بيئاتها السياسية، وبنياتها الاجتماعية؟ هنا التساؤل الكبير الذي ينبغي أن يطرح بصوت عال، فاستيراد المفهوم الآن «شكلا ومضمونا» ينبغي أن يتم من الإجابة عن التساؤل التالي: لماذا لم تتبنَّ الحكومات الخليجية السابقة آليات عمل الدولة في الغرب منذ عام 1996؟ ولماذا هذا التاريخ؟ لأنه عام فرض مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية نظام الخصخصة في المنطقة، والاندماج الرأسمالي الخليجي مع الليبيرالية الغربية، وبالذات البريطانية والأمريكية من أوسع الأبواب.
ورغم ذلك، فقد حافظت الحكومات بصورة ملموسة على دورها الاجتماعي، فاستوعبت حجم المصالح المادية للغرب، وتدوير ثرواتها على طبقة محددة فيها، دون تفريط بمجتمعاتها، والآن يراد له « أي دورها الاجتماعي الواسع » أن يقتصر على الفئات الأكثر تضررا فقط، أسوة بالمفهوم الغربي، لكن في بيئته الغربية أدوات تفتقر إليها البيئة الخليجية، مثل التنافس السياسي المتعدد الألوان السياسية للوصول للحكم، وتشكيل الحكومات، وهذا هامش كبير يعزز من الحقوق الاجتماعية رغم أن آليات عمل الدولة فيها تخدم طبقة الأغنياء.
وأضرب هنا مثالا للرئيس الفرنسي ماكرون المتصدر في انتخابات الجولة الأولى، عندما افتخر في حملته الانتخابية للرئاسة، بانه أوجد للفرنسيين في عهده نظاما للتأمين الصحي الشامل، يشمل حتى سماعات الأذن، والأسنان الاصطناعية، وكذلك اليمينية لوبان التي جاءت في المرتبة الثانية في هذه الجولة، فقد ركزت في حملتها على المقدرة الشرائية للفرنسيين، وهذا يحدث في الغرب كله، لدواعي الفوز في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، مما تتيح هامشا كبيرا للسياسيين للتخفيف من سطوة طبقات محددة على ثروات هذه البلدان.
وهنا أتساءل، أين سنجد هذا الهامش في دول الخليج العربي إذا ما تبنت المفهوم الغربي للدولة؟ لن نجده سياسيا ولا اجتماعيا، فقط نجده الآن يتأسس على البعد الاقتصادي بعد تبني نظام الضرائب والرسوم.. وتقليص حجم الدعم الاجتماعي المباشر.. إلخ وهذه الهندسة السياسية لن تحافظ على ديمومة السلم الاجتماعي، وهذه نتيجة طبيعية للاختلالات التي تحمل في طياتها ما ذكرته سابقا، وستجد الأنظمة في الخليج نفسها أمام مطالبة شعبية بحقوق سياسية على غرار ما هو سائد في الغرب، كتداول السلطة، ووجود برلمانات أو مجالس منتخبة بصلاحيات تشاركية مع الحكومات في الرقابة والتشريع، وسن الضرائب.
قدر الدولة في الخليج، خاصة الدول المركزية والتاريخية فيها أن يظل دورها الاجتماعي مقدسا، مهما كانت تحولاتها وتحدياتها، وإكراهاتها المالية، فشمولية دورها على كل مكونها الاجتماعي، هي قضية وجود، لا ينبغي أن تترك للسياسات المالية تعبث بها دون أعمال الفكر في المآلات، ويستوجب قبل اتخاذ أي سياسات مالية أو قبل تنفيذها دراسة الدور الاجتماعي للحقبة السياسية الماضية، وكيف تمكن من صناعة الاستقرار الاجتماعي؟
صحيح لم يكن هذا الدور الاجتماعي مثاليا، لكنه استوعب البعد الاجتماعي في زمنه وظروفه، ومعه تمكنت الحكومات من استمرار علاقتها المعقدة مع الغرب القديمة/ الجديدة في صمت اجتماعي ببناه الفوقية والتحتية، بينما طبيعة المرحلة الآن مختلفة تماما، فهذه العلاقة لم تعد غامضة بل مكشوفة، وتطبيق المفهوم الغربي للدولة في الخليج، ستسحب من المجتمعات كل المكاسب التي تحققت خلال تلك الحقبة، وستظهر عجزها لمواجهة استحقاقاتها المعيشية؛ لذا لا مجال هنا للمقارنة بين البيئات الغربية والخليجية حتى يتم تبني المفهوم الغربي للدولة خليجيا، فليس هناك أدوات سياسية تصنع الهامش الذي يعوض استحواذ الأقلية على الثروات كما في الغرب.
وتفيدنا تجارب غربية وعربية كثيرة، أنه عندما تجوع الشعوب تتدخل في السياسة، وعندما تؤمن حقوقها الأساسية، يكون تدخلها في السياسة نخبويا « إن وجد » أي ليس شعبيا، وهذه المعادلة، قد عبر عنها زملاء ينتمون لدولة خليجية على هامش حضورنا لفعالية إعلامية في تونس، وذلك عندما اجمعوا متسائلين «وماذا نريد بالسياسة ما دمت حقوقنا الاقتصادية مؤمنة» هذا منطق قد يتفق معه، وقد يختلف، لكنه لا يعكس المآلات النخبوية وإنما الاجتماعية.
وهذا المنطق ليس ببعيد حتى في الغرب، بل هو نتاج هندستهم السياسية، بهدف إدارة لعبة الثروات لصالح الأقلية دون تهميش الأغلبية، فترجيح الأحزاب والشخصيات السياسية في صناديق الانتخابات تتم غالبا على البرامج الاجتماعية والاقتصادية، ونادرا ما تحسمها السياسة الخارجية للدول الغربية، ما عدا الحرب الروسية على أوكرانيا التي كان لها تأثير على الجولة الأولى للانتخابات الفرنسية، وحتى في هذه الحالة، فإن البعد الداخلي غالبا عليها، لأن هذه الحرب تقع بالقرب منها، والشعوب الأوروبية متأثرة بها في حياتها المعيشية.
إن الطريق الآمن في الخليج يكمن في الدور الاجتماعي للدولة حتى في ظل النظام الاقتصادي الرأسمالي/ الليبيرالي؛ لأن الثقل الأكبر فيها اجتماعيا، والجماعات كانت أسبق من نشأة الدول، وارتباطها بالأرض اسما وهوية، وقد أنشأت الدولة حديثا - كمفهوم سياسي - في ظروف سياسية ودينية، وقد سارعت الدولة على الفور إلى استيعاب الجماعات في السلطة واحتواء رموزها، مما قد يعتبر تبني المفهوم الغربي للدولة خروجا عن العقد السياسي الأول الذي أسس علاقة الدولة الخليجية مع شعوبها، وعندما يسحب دعم الحكومات الخليجية لمجتمعاتها، ويقتصر دعمها على الفئات الأكثر تضررا، فماذا نتوقع من سيناريوهات محتملة؟
والتساؤل يلفت الاهتمامات إلى المآلات السياسية وليس الاجتماعية لوحدها، وهي واضحة الآن إذا ما واصل الخليج عملية تبنيه للمفهوم بتطبيقاته الراهنة ودون الإصغاء للصرخات الاجتماعية أو أحذ الحيطة والحذر من التساهل والتسامح مع المعتقدات والديانات الأخرى، في وقت يتراجع فيه هذا التسامح والتراجع في الغرب مع المسلمين تحديدا.
ويتيح الآن ارتفاع أسعار النفط، وتحسن المداخيل من مصادر غير نفطية ـ ونتائج الإصلاحات الهيكلية الجديدة، التفكير بهدوء وعقلانية في تأسيس مفهوم اجتماعي جديد للدولة في الخليج، لا شرقي غالب، ولا غربي جانح، وإنما نابع من ثقل ووزن المجتمع داخل الدولة من جهة، ودور المجتمع في صناعة الاستقرار السياسي من جهة ثانية، ودور المجتمع في الحفاظ على الحدود السياسية القائمة من جهة ثالثة، فملف الحدود لا يزال مفتوحا تاريخيا، شريطة أن يكون على قاعدة اقتصاد إنتاجي، مع ضرائب ورسوم ذكية.
ولو أصرت الدولة في الخليج على تبني المفهوم الغربي لآليات عملها، فستواجه مشاكل كبرى مقبلة، لأن المفهوم - كما يطبق - يزرع في بيئة غير بيئته، ولأن التوترات الجيوسياسية الإقليمية لا تزال قائمة، والعالم لم يحدد مستقبله الجديد، وكل يوم تنكشف قضايا متجددة، كقول موسكو إن حربها على كييف من أجل إنهاء الهيمنة الأمريكية على العالم، فكيف يفكك الخليج مفاعيل قوته الناعمة، ومن المؤكد أنه سيحتاج آجلا أم عاجلا؟ وكل من يريد الاقتراب من حجم هذه القضية، فعليك دراسة السياسة الاجتماعية في كل دولة، والسياسة الاجتماعية مصطلح يطلق على جميع الأنشطة والقوانين التي تخص الأمان الاجتماعي.
عبدالله باحجاج كاتب عماني مهتم بالشأن الخليجي والتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ عليه
