معاداة الغرب للإسلام والمسلمين ستضر به أولا

23 مارس 2022
23 مارس 2022

هناك تداعيان سيترتبان على هذه المعاداة، التداعي الأول، عبّرت عنه سلطنة عمان بصراحة متناهية، وفي التوقيت المناسب، وذلك عندما قالت على لسان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة السفير محمد الحسان: إن معادة الإسلام والمسلمين تؤثر على حياة وحقوق العديد من البشر حول العالم، وبحسبة رقمية، يبلغون أكثر من ملياري مسلم، أي أكثر من ربع سكان العالم، وبحسبة جغرافية، التأثير سيكون في كل العالم، وذلك على اعتبار انتشارهم في كل القارات، حيث يبلغون أربعين مليون نسمة، فمثلًا في أمريكا ستة ملايين، وفي بريطانيا يتجاوزن أربعة ملايين نسمة، وفي فرنسا خمسة ملايين وسبعمائة ألف مسلم، وإيطاليا ثلاثة ملايين.. إلخ.

وبحسبة ثيولوجية/ دينية، تعد الديانة الإسلامية في أمريكا الثالثة بعد المسيحية واليهودية، وفي بريطانيا وفرنسا تحتل المرتبة الثانية، وكل من سيعادي الإسلام والمسلمين في القارة الأوروبية سيدخل الأمن فيها في أتون صراعات داخلية متعددة الأشكال والاتجاهات، وقد يتدخل معها عدة عوامل أخرى، كعامل الفقر، ففي أمريكا هناك 15% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفي بريطانيا، يتجاوزن 14 مليونا، وفي فرنسا 10 ملايين.. إلخ، فعلى أي أرضية يتصاعد العداء للإسلام وللمسلمين في أوروبا وهي بهذه الاختلالات البنيوية؟ ومن سيكون المتضرر الأكبر هنا؟

والمثير هنا أن المعاداة لم تعد محصورة في اليمين المتطرف الذي يسعى الآن بقوة إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية في أوروبا، وإنما قد أصبحت ضمن مساقات السياسة الداخلية الأوروبية كفرنسا وبريطانيا رغم أن هذه الأخيرة تحاول الحكومة فيها أن تنأى بنفسها عن هذه المعاداة، وتحملها بعض وزرائها ونوابها الذين يجاهرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالعداء وبصورة تستفز كل العواصم الإسلامية والعربية، أما فرنسا، فلربما تكون أكثر الدول الأوروبية تطرفا في المعاداة، فقد انضم الرئيس ماكرون إلى التناغم مع اليمين المتطرف المتنامي، ويعد قانونا فيه من المغالاة للمعاداة، وفي أكتوبر 2020 وافق مجلس الشيوخ الفرنسي على مقترح قانون يمنع الأمهات من ارتداء الحجاب أثناء مرافقة أبنائهن في الرحلات المدرسية، ويستفز رئيسها ماكرون كل مسلمي العالم بتصريحات مثيرة، كانتقاده أولياء الأمور الذين يرفضون السماح لبناتهم بالتوجه إلى المسابح.

أما في أمريكا، فإن المعاداة تتلون بلوني الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ففي عهد ترامب الجمهوري مثلًا، ظهر العداء للإسلام والمسلمين بصورة غير مسبوقة فقد جمع حوله من كبار أعداء الإسلام والمسلمين، أمثال سيباستيان جوركا وستيف بانون وستيف متلر، حتى ترامب نفسه لم يخف عداءه، فقد حظر على مواطني دول إسلامية من دخول بلاده في أول قرارات يتخذها منذ تسلمه الحكم، وما نسمعه هذه الأيام من تصريحات لحمل السلاح لقتل المسلمين، يعطينا نموذجا على فقدان الغرب لعقله السياسي، فمثل هذه التصريحات تشرعن للجماعات المسلحة لليمن المتطرف الأمريكي القتل، وتعطي للآخر الحق نفسه دفاعا عن النفس.

التداعي الثاني: مصالح الغرب داخل المنطقة العربية والخليجية.

كلنا نعلم حجم المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية الكبرى للغرب في المنطقة العربية، ونخص بالذكر الخليجية، ولا يمكن للغرب أن يستغني عنها، لأن البديل جاهز الآن رغم انشغالاته بالحرب على أوكرانيا، ومحاصرة واشنطن بكين حتى لا تتمدد اقتصاديا داخل مناطق نفوذها في المنطقة، وهنا نطرح مجموعة تساؤلات حتى نضع معادة الغرب في السياق المتخيل لخسائرها المتوقعة، أبرزها:

- هل يعتقد الغرب أن معاداته للإسلام والمسلمين داخل أوروبا لن تكون لها تداعيات خارج أوروبا؟

- هل لديه من الضمانات باستمرارية التبعية التاريخية للأنظمة العربية والإسلامية الموالية له إذا ما انفجرت ضغوطات الشعوب الغاضبة ضدها نتيجة هذه المعادة؟

- كيف لو تجمعت معاداة الصهاينة والهندوس... للإسلام والمسلمين في السيكولوجية المسلمة، واستنهضت المرجعيات المؤطرة لها التي توحد الشعور بالأخوة الإسلامية العالمية، هل ستظل المصالح والوجود الغربي، وكل ما يمت له بصلة في المنطقة في منأى عن العداوة المقابلة كردة فعل؟ وهنا ينبغي أن نضيف عاملًا آخر مهما، وهو دور عاملي الفقر والبطالة داخل المنطقة في تأزم هذه السيكولوجيات، فكل شيء سيتدخل في السياسة، وسيوظف في زمن استدعائها، وهو لن يكون بعيدا إذا ما أستمر الغرب في جنونه السياسي.

يشد انتباه السيكولوجيات المسلمة حتى الآن التعارض السافر بين ما يحدث في الغرب، وأوروبا خصوصا، مقارنة بنظيرتها في الخليج، وهو تعارض يحمل في طياته بوادر صراع غير مسبوق، وخطير جدا، وهو التسامح الخليجي غير المشروط تجاه المعتقدات الدينية للأقليات، كالهندوسية واليهودية مثلًا، مقابل التراجع عنه ـ أي التسامح ـ في أوروبا، فكيف يتوقع قبول المعادلة: في أوروبا تغلق مساجد وجوامع، وهنا تفتح كنائس ومعابد، هناك يحارب الحجاب وكل أشكال الهوية الإسلامية، وهنا يسمح لهويات الوافدين بما فيهم الغربيين بالحرية الكاملة، وينبغي أن يدرك الغرب الآن أنهم يصنعون عداوات أيديولوجية لخمسين سنة مقبلة، سيكونون هم الأكثر تضررا بها، فهل فيهم من يحكم عقله السياسي، ويسارع إلى وقف العبث بأمن أوروبا، وبمصالحها الوجودية فيما وراء البحار؟

وأخيرا، لا بد أن نشيد بالدبلوماسية العمانية، فهي بموقفها الدولي عن الإسلام والمسلمين الذي أوردته في المقدمة، تكون معبرة عن ديموغرافيتها، فهي هنا لسان ناطق، وكم جميل أن تكون سياسة أو دبلوماسية أي دولة انعكاس لشعوبها، عندئذ ستضمن تجنب أو التقليل من التأثيرات العابرة للحدود، أو تجعلها في إطار التفاعل المجرد عن الاحتقان الداخلي، وديموغرافيتنا المسلمة -نخبة وعامة- قد أصبحت الآن أكثر الديموغرافيات المسلمة تفاعلًا ودفاعا عن قضايا الإسلام والمسلمين، ووراء ذلك وعي رفيع وأصيل يجسد واقع الإيمان بالأخوة الإسلامية العالمية، وهي في الوقت نفسه منفتحة بالقدر نفسه مع أي تفاعل إنساني عالمي، من منطلق الأخوة الإنسانية.

___________

• عبدالله باحجاج مهتم برصد التغيرات التي يشهدها المجتمع الخليجي