مضيق هرمز عقدة الحرب والسلام

12 أبريل 2026
12 أبريل 2026

بأي وسيلة قياس ممكنة أثبت مضيق هرمز نفسه بصفته العامل الديناميكي الرئيسي في النزاع الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل حربا أو مفاوضات. وإذا كان من تفسير رئيسي لإخفاق جولة مباحثات إسلام أباد بين الوفدين الأمريكي والإيراني فهو الخلاف حول مستقبل الترتيب الأمني لمضيق هرمز.

في الحرب غير المتكافئة التي استمرت ٤٠ يوما ثبت أن السلاح الأهم لدى إيران والذي يتقدم حتى على القدرات النووية والصواريخ الباليستية هو قدرتها على التحكم في المضيق وإيلام الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي والمستهلك الأمريكي مع ارتفاع أسعار البنزين والمحروقات في الداخل الأمريكي، وبالتالي تدهور فرص فوز ترامب وحزبه في انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر القادم.

تجاهل الرئيس الأمريكي مناشدات دول المنطقة بعدم قصف منشآت ومحطات الطاقة الإيرانية حتى لا تتعرض منشآتها للانتقام الإيراني وحتى عندما تلقت دول الخليج الهجمات الإيرانية المتوقعة على منشآت الطاقة وهي العصب الرئيسي للاقتصاد الخليجي لم يبد ترامب أي استعداد للتفاوض وواصل الحرب. فقط وافق على هدنة لمدة أسبوعين ودخل مفاوضات إسلام آباد عندما ارتفعت أسعار النفط والغاز وارتفع صراخ حلفائه الآسيويين والأوروبيين وهم أهم مستوردي الطاقة من الخليج.

بالنسبة للإيرانيين أثبتت الحرب أن مضيق هرمز قبل النووي والصواريخ والمسيرات هو سيفها ودرعها وبالنسبة للأمريكيين ثبت لهم أن الإنجازات العسكرية التي حققتها والإسرائيليون لا قيمة لها وكانت أقل من أن تصبح انتصارا بسبب تحكم إيران في مضيق هرمز. بسبب سيطرة إيران على كعب أخيل المعروف باسم مضيق هرمز وبتعبير مائة خبير عسكري غربي فإن واشنطن وتل أبيب ربحتا المعركة ولكنهما خسرتا الحرب، أو انتصرتا عسكريا وهزمتا استراتيجيا أمام إيران التي أحسنت السيطرة على «كعب أخيل» المتمثل في المضيق.

ما أثبتته الحرب كان ردا على مناخ أمني مضلل وخطير سيطر قبلها على المنطقة جادلت فيه دول حديثة بأنه لا الوضع الديمغرافي ولا الجغرافي ولا الموقع الجيوسياسي المهم للدول وتراكم الخبرة التاريخية يمثل قيمة استراتيجية أمام الفوائض المالية وأدوار وظيفية إقليمية تمنحها لها أمريكا وإسرائيل في ظل بنية أمنية جديدة تتنكر لكل من الأمن العربي والخليجي معا.

أعادت الحرب ومركزية المضيق كممر ملاحي عالمي الاعتبار إلى الجغرافيا السياسية كأصل استراتيجي للدول التي تمتلك هبة التشاطؤ والتحكم في ممرات ملاحية أو نقاط اختناق بحري أو شواطئ بعيدة تقع على عدة بحار وخلجان حيوية. استعاد الجيوبوليتيك في هذه الحرب وزنه الحاكم في فهم الصراعات وإدارتها والتأثير عليها وتبددت أوهام الثروة وسلاح المساعدات كعنصر وحيد لبناء نفوذ أو ممارسة دور لا تسنده مقومات الجغرافيا والتاريخ خاصة وهو يتجاهل استقرار المنطقة ومصالح الجيران.

ولأن هناك من يرفض إقرار الدروس السابقة الحقيقية للحرب بل يستخلص دروسا تقلب هذه الحقائق ويستبدل بها مخططات معادية لثوابت الجغرافيا وخبرة التاريخ بين الجيران فإن أهمية الترتيبات والآليات المستقبليّة للملاحة في المضيق تصبح مصيرية في تحديد مآلات الحرب، بل شكل الخليج والشرق الأوسط في المستقبل. يمنح الموقع الحاكم للمضيق لكل من سلطنة عُمان وإيران الدولتين المتشاطئتين نفوذا جيوسياسيا وازنا في العلاقات الدولية والإقليمية لا يقل عن الموارد الاقتصادية إن لم يزد. ويمنحها القانون الدولي واتفاقيات البحار ميزات الإشراف على العبور البري والتأكد من أنه لا يتضمن تهديدا لأمن كل منهما على حدة. يمكن القول إن الصراع حول هرمز يدور بين فريقين في المنطقة والعالم. فريق يريد التصعيد الإقليمي الداعي لإسقاط النظام الإيراني وتدمير قوة إيران وهذا الفريق يسعى لفرض ترتيبات قسرية تنزع من دولتي المضيق ما منحهما له موقعهما الجغرافي في مياههما الإقليمية والقانون الدولي من صلاحيات إشراف ورقابة عبر استدعاء للأجنبي ولقوى من خارج المنطقة. الفريق الآخر الذي يسعى لخفض التصعيد بل إنهاء الحرب والتوصل إلى ترتيبات أمن وسلام إقليمي بين ضفتي الخليج الفارسية والعربية وبين العرب وإيران وعدم القبول بقوة دولية تنزع السيادة على الممر وتقوم بعسكرة المضيق أي المزيد من عسكرة الخليج وبالتالي إبقاء كل مصادر انفجار المنطقة نارا متأججة تحت الرماد. وبين من يريد تحويل المضيق لبحيرة غربية وإسرائيلية ومن يريد الإبقاء على الخليج لأهله على الضفتين بحيرة سلام وتعاون عبر تفاهمات وآليات عادلة متوازنة وطويلة الأمد. لهذا فإن السعي لفرض هيمنة على المضيق بإجراءات أحادية عبر دخول مدمرات وكاسحات ألغام أجنبية لتطهير المضيق بدون اتفاق مع مسقط وطهران وبناء مسارات بحرية بديلة أو تكوين قوة تحالف دولية غربية بالأساس تتولى السيطرة على الملاحة في هرمز هي وصفة مؤكدة للعودة للحرب وتفجير وإشعال منطقة الخليج مرات ومرات.

الصراع على هرمز يختصر الصراع على من فهم الحرب على حقيقتها وأنها لا تتعلق فقط بإضعاف إيران بل بجر الخليج والعرب لحرب عربية إيرانية وسنية/شيعية. تتعلق بعمل خلل فادح في توازن القوى يسمح بإعادة صياغة المنطقة وتجهيزها للحقبة الإسرائيلية وصعود المجموعة الإبراهيمية. لهذا لم يكن غريبا أن الأطراف الإقليمية التي تسعي لتدويل أمن المضيق هي نفسها التي تتباهى بأن المستقبل بعد الحرب سيكون تعميق علاقاتها العسكرية والاستخبارية مع إسرائيل وازدياد الدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية، وأن التحالف المعادي ضد إيران سيتوسع ويزداد شراسة.

ترتيبات أمن هرمز لا بد أن تأخذ في الاعتبار إخفاق الترتيبات الأمنية التي اعتمدت على القوى الأجنبية أو المظلة الإسرائيلية في حماية دول الخليج. لا بد أن تأخذ فقدان الثقة وإحباط المواطن الخليجي في هذه الترتيبات وأن تأخذ في الاعتبار الحاجة إلى ترتيبات أمن إقليمي خليجي وعربي وإسلامي بما في ذلك إيران وتركيا وباكستان وليس المزيد من الاعتماد على الخارج والمزيد من صفقات السلاح.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري