مسقط في محيط خليجي متغير
هل هناك من يرصد ويحلل المتغيرات الكبرى التي تحدث داخل المنطقة الخليجية، ومن ثم الخروج بخارطة متكاملة بالتحديات والحلول؟ فالمتغيرات في الخليج استثنائية، ودراماتيكية، ولم تستقر عند ملامح محددة، وتحمل كبرى المفاجآت، وتلقي بظلالها على اتفاق استكمال الوحدة الاقتصادية بين الدول الست المقرر أن يكون عام 2025، وربما حتى على الاتفاقيات الثنائية الجديدة وتأثير المحيط على بلادنا حتميا بسبب الجغرافيات المتداخلة، والديموغرافيات الواحدة، ولحاكمية المنظومة الخليجية على الدول الست من خلال الاتفاقيات المشتركة، من هنا ينتابني القلق المرتفع من انعكاس متغيرات المحيط على بلادنا.
سأقدم قراءة مختصرة للمتغيرات، وسيغلب عليها طابع العموميات، لكني عندما أربطها بالسياقات التحليلية، ستنطق بعضها من تلقاء ذاتها، وعندها لا يعني مصادرة الفعل السيادي لأطراف المحيط، وإنما كنت أتأمل أن تتم المتغيرات برؤية خليجية مشتركة، أو على الأقل عبر التنسيق الخليجي الخليجي، ومستوعبة لنتائج قمتي العلا والرياض الأخيرتين، بدلا من الاستفراد الذي سيجعل من القوى الكبرى والإقليمية المتضررة من المتغيرات تعمل شق وحدة الصف الخليجي الذي أنتجته قمتا العلا والرياض، والأخطر كذلك، أن هذه المتغيرات قد تقلق البعض على أمنها مجددا.
أولا: تحديات متغيرات الحلفاء.
أهم ما يستوقفني في متغيرات محيطنا الإقليمي إعادة تشكيل خارطة الحلفاء الجدد بين الأعداء والأصدقاء على ثلاث خلفيات دولية طارئة، الأولى، حيرة واشنطن/ بايدن بين انقاذ أوكرانيا أو مصالحها العالمية، والثاني، ما أفرزته الانتخابات المحلية البريطانية من نتائج تهدد الوحدة البريطانية، وتعيد النقاش حول مستقبل إيرلندا الشمالية، وذلك بعد فوز حزب شين بين في شمال إيرلندا بأغلبية المقاعد، وتعزيز حزب العمال من هيمنته على العاصمة لندن وويلز عل حساب حزب المحافظين، والثالث، تنامى العداء بين الروس والكيان والصهيوني المحتل، وتعكس الخلفيات الثلاث، آخر تطور حالة الضعف المتعاظمة لأبزر قوتين غربيتين مع بروز الصين وروسيا كقوتين تفتحان الخيال السياسي للعالم كله بما فيه الغرب، ودول المنظومة الخليجية على وجه الخصوص، وتمنحها هوامش سياسية غير مسبوقة للفعل، وتستغلها الرياض الآن ببرجماتية تثير قلق واشنطن التي ترسل كبار مسؤوليها للسعودية من أجل إرضائها في سابقة تاريخية.
والمسألة الجوهرية التي تهمني في متغير الحلفاء، هو الأثر المترتب عليه، ومدى تأثيره على التوازنات والمصالح في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، إذ أن التغيير ليس لمجرد التغيير، وإنما لتغطي فراغات أمنية آنية، وبناء المستقبل بحجم تحديات البرنامج النووي الإيراني، والغايتان تسيران على نسق واحد، وبإرادة سياسية لا تبدو عليها التراجع، لأنها تنطلق من مسوغات مخاطر الوجود السياسي ومن قناعة حتميات تأمينه عاجلا.
إرادة سياسية قوية تمضي قدما نحو التغيير دون الالتفاف لهواجس القلق التاريخية أو المعاصرة، ولاستجلاء الأسباب التي تستمد منها هذه الإرادة قوتها، سأطرح ثلاثة تساؤلات عقلانية هي:
• ماذا نتوقع من ردة فعل لخطوة واشنطن/ بايدن سحب أنظمتها المضادة للصواريخ في الشرق الأوسط، ومعظمها في منطقة الخليج؟
• هل سيترك الخليج عمقه الأمني مستباحا للطائرات المسيرة من قبل جماعة مسلحة؟
• ما فائدة القواعد العسكرية الغربية، وعلى وجه الخصوص الأمريكية، إذا لم تضمن أمن الدول التي فيها؟
والتساؤلات سالفة، وعلى وجه الخصوص الأخير، تصنع منطقة وعي سياسية تجعل الدول الخليجية تبحث في الدول الإقليمية والعالمية التي تأمن لها أمنها الداخلي، وينبغي أن تفتح ملف القواعد العسكرية الغربية على الأراضي الخليجية من منظور اقتصادي إذا لم يكن لها دور في الاستقرار الأمني فيها، فهذه القواعد يمكن أن تشكل إحدى مصادر الدخل الأساسية، كما يحدث في دول القرن الأفريقي، ففي جيبوتي مثلا، يشكل إيجار القواعد العسكرية على أراضيها أكثر من ثلث موازنتها السنوية، لذلك، فهي تحتضن قواعد عسكرية لكل الفرقاء في العالم.
الأهم هنا، أن تلكم المنطلقات تشكل بوابة التغيير الحتمية للحفاء في الخليج، لذلك تتغير مفاهيم الصداقة والعداوة، وقد رصدتها في تحول العلاقات السعودية التركية، فزيارة الرئيس اردوجان للرياض مؤخرا، تدخل ضمن سياق المتغيرات التي أجد وراءها مصلحة البلدين معا، وفي القضية التي أطرحها، أجد رغبة الرياض في الاستفادة من قدرات أنقرة العسكرية، وعلى وجه الخصوص طائراتها المسيرة العالية التقنية للتحرر من ابتزاز الغرب وعلى رأسهم واشنطن للخليج حيث تستخدم أنظمة الدفاع الجوية كورقة ضغط، وهذه نقطة ضعف خليجية، يبدو أن الرياض تتجه للتخلص منها عبر الشراكة الدفاعية مع أنقرة.
ومن خلال متابعاتي لنتائج زيارة أردوجان للرياض، وجدت مصادر صحفية تتحدث عن رغبة الرياض في شراء 60 طائرة مسيرة من تركيا عالية التقنية، 20 منها في القريب العاجل، والباقيات في الأجل الطويل، وذلك في إطار التعاون بين البلدين في مجال الصناعات الدفاعية، وهذا ما يجعلني أضع قضية الدفاعات الجوية وخطر الطائرات المسيرة في اختراقاتها للعمق الخليجي، ضمن قيادة المتغيرات في الخليج بعد أن غيرت مفهوم الامن في الخليج.
وعلى الصعيد الدولي، لن يجد الخليج غير الصين لتحقيق طموحاته الوجودية، وبعض دوله كالرياض قد قطعت أشواطا عميقة في التعاون الاستراتيجي مع بكين، ويتيح لها الآن التراجع الأمريكي عن الخليج، ودروس الحرب الروسية على أوكرانيا، ونتائجها التي انكشف بعض ملامحها أمس الأول في مقترح الرئيس الفرنسي ماركون وايده فيه نظيره الألماني، بتشكيل منظمة سياسية تكون فيها اكروانيا عضوا، ولا أستبعد أن تكون موسكو عضوا فيها، حيث تظهر أقرب للغرب من أمريكا من الناحيتين الجغرافية والأمنية، وتظل بكين مقبولة لكل الأطراف في هذه الرؤية لمرحلة ما بعد الحرب على أوكرانيا، وذلك لمشروعها الاقتصادي الضخم "طريق الحرير" وقد أبدت كبرى الدول الأوروبية استعدادها المشاركة فيه رغم بعض التحفظات، والمفارقة هنا، أن بكين قد استجابت لبعضها في خضم الحرب على أوكرانيا، كالاعتراف باتفاقيات حقوق العمال الدولية.
وتذهب الرياض في علاقتها مع بكين الآن الى الأعماق البنيوية، فمشاريعها النووية المدنية المعلنة منذ عام 2011، تظهر هنا أفضل النماذج للمتغيرات الجوهرية في الخليج، وفتحت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للرياض في مايو الماضي كل الاحتمالات المستقبلية خاصة في ظل ما تعانيه علاقاتها مع واشنطن/ بايدن من تراجع ملحوظ، أظهرت فيه الرياض استقلالية لصالح علاقاتها مع بكين، الشأن المماثل مع موسكو التي تنسق معها نفطيا بصورة تثير واشنطن/ بايدين.
ثانيا: تحديات المتغيرات الأيديولوجية والفكرية.
يستوقفني في المتغيرات كذلك، كثبان الرمل التي يبنى عليها الخليج مستقبله الجديد – مع التفاوت - فلأول مرة يحدث في الخليج تفكيك وحدة أفكار مجتمعاته عبر تمكين الأفكار والايديولوجيات عابرة للحدود، ومستهدفة للوجود، ولا يخفى على الكل أجنداتها المسيسة، ويسمح لها ببناء كليات ومدارس ومراكز ومؤسسات فكرية ودينية، وإقامة أحياء وشراء العقارات.. وسنشهد بصورة ممنهجة هجرات أيديولوجية وسياسية للخليج للاستيطان/ الإقامة فيها، فالأبواب مشرعة لها الآن دون ضوابط.
كل الأيديولوجيات السياسية والفكرية والدينية قد أصبحت تستهدف منطقة دول مجلس التعاون الخليجي دون استثناء، لكن مع التفاوت الآن، وقد بدأت ملامح المتغيرات تظهر فوق السطح بسرعة مذهلة، وما سيحدث في كل من الدول الست سيمتد للكل تباعا، وهنا لا أقلل من التشريعات الذكية، والسياسات المالية والاقتصادية ذات الابعاد الاجتماعية العميقة، وحصانة التأطير والتأسيس للذهنية الخليجية الجديدة، لكنني اراها غائبة عن إدارة مثل التحولات المخيفة رغم وضوح الأجندات الأجنبية، وكل من يتابع الشأن الصهيوني بدقة، سيرى أنهم واضحين في الكشف عن اطماعهم، فهل من غباء أم هو غرورهم بالقوة وشعورهم بأنهم قد سيطروا على المفاصل السياسية؟
فمراكزهم البحثية بدأت تنشر ما تسميه اعتراف بالخطأ في قراءة المفاهيم اليهودية، ومن بينها أن الأرض المقدسة لليهود ليست في فلسطين المحتلة، وإنما هي في مكان أخر من العالم، وهذا نموذج للاستدلال به على ماهية واحدة من كبرى الأيديولوجيات والاجندات التي تستهدف منطقة الخليج والتي ستقلب أوضاعه رأسا على عقب في ظل وجود بيئات داخلية جديدة تساعد على نجاحهم.
والتساؤل العقلاني هنا، يدور حول المسوغات الخليجية التي تجعلها تنفتح على أيديولوجيات أجنبية، وتمكنها من تحقيق نجاحاتها، وهي تعلم مسبقا باستهدافاتها، وتداعياتها على ثوابت اجتماعية اصيلة سيكون لها انعكاسات سياسية وامنية، سأركز سريعا على مسألتين مهمتين:
• المخاوف الأمنية الوجودية التي يسببها خفض واشنطن/ بايدين وجودها العسكري في الخليج لمواجهة الصين، فرأت بعض الدول في اتفاقيات إبراهيم القوة البديلة، لكن، يغيب عن فكرهم أن الكيان هو نفسه يتداعى من الداخل، وهو نفسه سيكون من المتغيرات الوجودية الأكثر احتمالا، كما أن تواجده البنيوي المؤسسي المتعدد، وبالذات الأمني والايديولوجي، يشكل أكبر التحديات للدول الست جميعا.
• جيل الشباب الذين يشكلون أغلبية كل مجتمع خليجي، ورهانات العهود السياسية الجديدة في الخليج عليهم، وهذا بعد نظري، لا يمكن تطبيقه كما هو متخيل في الذهنية السياسية، وطبيعة السياسات المالية في الخليج تسلم هذا الجيل لكل من يملك المال سواء كان افرادا أو مؤسسة أو مراكز.. كما لو تأملنا في مستقبل حقوق الوجود الأيديولوجي والديموغرافي الأجنبي القديم/الجديد في الخليج، فستطال الحقوق السياسية لا محالة.. ونترك هذا الأفق لخيال الفكر السياسي الخليجي.
