مجلس التعاون وضبط بوصلة الرؤية الخليجية

05 يناير 2026
05 يناير 2026

هل أصبح مجلس التعاون لدول الخليج العربية حاله كحال جامعة الدول العربية؟ هذا ليس سؤالاً استفزازياً ولا اعتباطياً، وإنَّما هو سؤال الخيبة العربية وسؤال الألم الخليجي.

جامعة الدول العربية التي كان مِن المفترض أنْ تشكّل كتلة تأريخية في مواجهة القوى الاستعمارية المتصارعة على المنطقة؛ لم يعد لها دور يُذكر في هذا الجانب، ولا في جوانب أخرى كالسياسة والاقتصاد والثقافة، بل ولا في تحقيق «الوحدة الشعورية» بين شعوبها، وإنْ كان ثَّمة وحَدة باقية في الضمير العربي فالفضل فيها يرجع إلى الإسلام. فرغم ما عصف بالمسلمين مِن فتنة مذهبية عمياء وتحزب سياسي أرعن، سال على وجه الأرض أنهاراً من الدماء والدموع، بقي الإسلام مرجعاً قويماً لشعوبنا ورحمةً لإنسانيتنا، ولا زال لسانه العربي عروة تأبى الانفصام.

الجامعة العربية.. التي يُراد مِنها أنْ تحقق وحدة بين الدول العربية وشعوبها، لم تستطع أنْ تحافظ على الخارطة الجيوسياسية، فالاثنتان والعشرون دولة التي خطها الاستعمار؛ أبينا إلا أنْ نزيدها، فانفصل جنوب السودان عن السودان، وانفصلت أرض الصومال عن الصومال، واليمن على الجرّار، وليتها زادت عدداً فحسب، وإنَّما انفصل المنفصل لينزاح إلى إسرائيل الخصم اللدود. وليت الجامعة حافظت على الضمير الشعبي برفض الكيان الصهيوني على أقل تقدير.. بل انخرط عقد عزتها بالانخراط في اتفاقيات السلام والتطبيع معه. إنَّ الجامعة بلغ هوانها مداه؛ فلم تستطع أنْ تواجه إسرائيل في إبادتها الأخيرة للشعب الفلسطيني الأعزل، والمحاصر منذ عشرات السنين، ولو باللغة السياسية.

واليوم عندما ننظر إلى مجلسنا الخليجي، نراه قد اتّبع الجامعة العربية؛ حذو النعل بالنعل، وما يقع الآن بين دوله هو إحدى الثمرات المرة لمجلس فقد بوصلته السياسية والاقتصادية، وقبل ذلك فقد رؤيته القيمية الموحدة؛ والتي يمكن أنْ تكون نموذجاً للروابط العالمية بين الدول. إنَّ ما يحصل الآن من نزاع خليجي في اليمن هو ضريبة التحول مِن الإيديولوجيا إلى الاقتصاد، الذي تحدثت عنه في مقال «المنطقة.. والتحول مِن الإيديولوجيا إلى الاقتصاد»؛ المنشور في جريدة «عمان» بتاريخ: 30/ 12/ 2025م.

لقد أُنشئ مجلس التعاون عام 1981م طريقاً وسطاً بين طوباوية «النظرية الشمولية» كالقومية والشيوعية، التي أوجدت العنف والمراهقة السياسية، وبين تشرذم «الدولة الوطنية»، مع ملاحظة أنَّ «النظرية الشمولية» كانت تسعى للوحدة؛ وإنَّما مقتلها في استعمال العنف والاستبداد لتحقيقها. أما «الدولة الوطنية» ـ وهي الآن في بداية ترسخها ـ فقد وقعت في شراك التمزق بين دول المنطقة، وجلبت إلى مجلس التعاون الصراع بين بلدانه.

كان جيل الحكام المؤسِّس للمجلس على وعي باللحظة التي يمر بها العالم حينذاك، وبمدى انعكاسها على دولهم، والأهم؛ إنَّ المشكلات المنعكسة على بلدانهم وشعوبهم مِن التحولات العالمية؛ كانوا يعالجونها بالحكمة والاتزان، فالفتنة المذهبية التي وقعت في ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم؛ تمكن الحكماء مِن تجاوزها بأقل الخسائر كما يقال.

نعم؛ إنَّ الصراعات أحياناً تستعصي على الحكمة، وهذا ما دفع دول الخليج أنْ تتخذ موقفاً ليس في المسار الصحيح، كما حصل في انحيازها للنظام العراقي في حربه مع إيران، ومع إدراك عمق التحول الذي أحدثته الثورة الإيرانية، وانعكاسه المقلق على دول الخليج، بيد أنَّه كان مِن الحكمة لو سعت دول الخليج إلى إيقاف تلك الحرب الهوجاء. وخاتمة المطاف؛ انقلب صدام حسين(ت:2006م) على دول الخليج، واحتل الكويت عام 1990م عقب وقوف الحرب بينه وبين جارته إيران عام 1988م. وأصبح مُهدِّداً حقيقياً؛ ليس للخارطة السياسية لدول المجلس فحسب، وإنَّما بضرب الخارطة الجيوسياسية للخليج بأسره؛ بجعله الكويت محافظة عراقية. وما يحسب لحكام دول الخليج أنَّهم حافظوا على وحدتهم الداخلية، ولم ينفرط عقد أخوتهم، وظل المجلس يقوم بدور محوري وفاعل في تحقيق مصالح دوله ورعاية مواطنيه.

برحيل السلف المؤسِّس.. فمِن المفترض أنَّ الخلف قد ازداد خبرةً في التعامل مع المتغيرات الكبرى، وامتلأ حكمة في تدبير أمور المجلس ومصالح شعبه؛ التوّاق للاستقرار والازدهار، ولكن ما حصل هو العكس. لم نستفد مِن أحداث الربيع العربي ببناء علاقة متينة وشفافة بين الشعب وحكوماته، وما جرى هو فرض نمط جديد مِن «القوة الناعمة»؛ التي ترتكز على الإغراء، لا أقصد إغراء الأفراد، وإنَّما إغراء الشعب بالتصدّر في الريادة الاقتصادية عالمياً، لقد مضينا في وهاد هذا الدرب؛ قبل أنْ تحل مشكلاتنا الجذرية بين الشعب والحكومة.

لم توضع حتى الآن «نظرية سياسية» تحدد العلاقة بشفافية بين الشعب وحكومته، تقوم على المشاركة في اتخاذ القرار في إدارة مؤسسات الدولة. ولم توضع كذلك «نظرية معرفية» ينطلق مِنها الفكر الديني وتسير عليها الثقافة الاجتماعية. ورغم المناداة بتوطين الوظائف منذ عقد التسعينيات؛ غير أنَّ مشكلة العمالة الوافدة في تفاقم مستمر. ولا يزال التوجس السياسي قائماً؛ فالخليجي قلق من مآل التغيرات التي تحدث في المنطقة عموماً، بما في ذلك من تطور العلاقات بين بلدانه ذاتها، وما يحدث الآن بين الأشقاء في اليمن يؤكد هذا التوجس والقلق.

لقد كانت الأزمات -بما فيها الحروب- تحف بدول الخليج العربية، بيد أنَّ حكامها كانوا قادرين على احتوائها، ووضع سد حال دون ولوجها إلى حماهم، وأوهن من تأثر شعوبهم بها. وكان الفرد الخليجي يتنقل بين دول العالم بحرية، مع التقدير الذي اكتسبه بسبب سياسات دوله، واستطاعت السياسة الخليجية أنْ تقول للعالم إنَّنا نحن سكان الخليج لسنا بئر بترول أو مكمن غاز؛ يُصدِّر للعالم طاقة بقائه، وإنَّما نحن جزء مِن المشهد الحضاري الذي انفطرت به المنطقة منذ الأزل، ويكفي أنَّ الدين الخاتم بعث به نبيه الأكرم مِن أرض الجزيرة العربية. كل هذا آخذ في التبدل، فأصبح الخليجي يلقى الجفاء في بعض دول المنطقة نفسها، وغدا بعض دولنا يشار إليها بأنَّها تصنع الأزمات وتذكي الحروب في الدول العربية.

إنَّ الشرخ العميق الذي نرى تداعياته اليوم في اليمن؛ والمؤذن -لا قدر الله- بحرب أهلية بين الإخوة الأشقاء؛ الذين يربطهم الدم واللغة والدين والمصير المشترك؛ يعود إلى غياب الرؤية الكلية لدول الخليج، أو عدم ضبطها وتفعيلها إنْ وجدت. فالسياسات الخليجية لم تعد تنطلق مِن رؤية موحدة، ولا أقصد السياسات الداخلية، فمِن الطبيعي أنْ يكون لكل دولة سياستها الخاصة؛ تدير بها أمورها ومؤسساتها وشعبها، وإنَّما أقصد السياسات الخارجية؛ والتي نشأ لأجلها مجلس التعاون الخليجي.

ولعل مِن أخطر الأمور التي وقعت؛ في ظل محاولة الانسجام مع «النظام العالمي الجديد» الذي فرضته أمريكا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م سياسة التعبير عن الرؤية الخليجية اتجاه الأحداث العالمية. فنشأت قنوات عابرة للفضاء في الخليج لأول مرة، لم تنطلق من رؤية متوحِّدة، وإنَّما أخذت تمارس سياساتها الإعلامية وتبث الأخبار وتحللها مِن وحي رؤيتها الخاصة، دون أنْ يتمكن المجلس مِن توحيدها. لقد انفتحنا في سياساتنا الإعلامية على الخارج، وفتحنا للصراعات الدولية منبراً قد لا تجده في بلادها؛ بما فيها الكيان الصهيوني. وفي الوقت نفسه.. ضاق بهذه السياسة التنسيق مع دول الخليج، فضلاً أنْ تمكِّن الرؤى الخليجية الوطنية مِن التعبير عن نفسها، ما أقوله لا ينحصر في دولة خليجية بعينها، وإنَّما مارسته كل دولة بطريقتها الخاصة.

لا يوجد «مركز استراتيجي خليجي» فاعل وحقيقي، يبني رؤية موحَّدة وموحِّدة، باستقلال وموضوعية، ويقيّم الأوضاع كذلك باستقلال وموضوعية، يقوم عليه أبناء الخليج. إنَّ ما نريده -بأضعف الإيمان- أنْ تُحيا الرؤية الخليجية الموحدة؛ لتعمل بروح التكامل المثمر، لا بنوازع التنافس المشرذم، ليس فيما بيننا فقط، وإنَّما مع دول المنطقة كذلك؛ وفي مقدمتها اليمن.