كيف يمكن لشي جين بينج تقوية الاقتصاد الصيني؟

11 أكتوبر 2022
11 أكتوبر 2022

إن شي جين بينج على وشك أن يصبح أول رئيس لثلاث فترات رئاسية في التاريخ الصيني وذلك عندما ينعقد المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني في هذا الشهر، وهذا يعدّ فرصة سانحة لتقييم سجل شي جين بينج المتعلق بالسياسة الاقتصادية خلال السنوات العشر الماضية واستكشاف بعض الخطوات الواضحة من أجل تحسين الأداء الاقتصادي للفترة الرئاسية القادمة.

عندما تولى شي جين بينج أعلى منصب سياسي في الصين سنة 2012 كان الاقتصاد مزدهرًا ولكنه كان يعاني من العديد من المشاكل الخطيرة. لقد كان الناتج المحلي الإجمالي ينمو بمتوسط معدل سنوي يبلغ 10% لأكثر من عقد ولكن كان التباطؤ حتميًا وبالفعل انخفض النمو في الناتج المحلي الإجمالي في كل سنة تقريبًا منذ سنة 2008، وعلاوة على ذلك كان عدم المساواة في ارتفاع حيث ارتفع مؤشر جيني بنسبة 13% بين سنة 1990 وسنة 2000 وبحلول بداية هذا القرن تجاوز عدم المساواة في الصين مثيله في الولايات المتحدة لأول مرة في حقبة الإصلاح التي أعقبت عام 1978.

في غضون ذلك، كان التلوث يقتل الصين حرفيا وبحلول عام 2013 كان هواء بيجين يحتوي في المتوسط على 102 ميكروجرام من جزئيات بي م 2.5 لكل متر مكعب، في حين أن لوس أنجلوس- وهي مدينة معروفة تاريخيًا بتلوث الهواء فيها- كان لديها قراءة تبلغ بي م 2.5 لحوالي 15 فقط. لقد اشتكى سكان المدن الصينية بشكل متزايد من أمراض القلب والرئة والوفيات المبكرة المرتبطة بالتلوث كما اُبتليت الصين بتلوث المياه وذلك بسبب الجريان الكيميائي من مصانعها ومزارعها ومناجمها. أما في المناطق الريفية فلقد اضطرت قرى وبلدات بأكملها أحيانًا إلى الانتقال؛ لأن إمدادات المياه كانت ملوثة بشكل لا يمكن إصلاحه. كانت الصين تفقد قوتها العاملة تدريجيا، حيث بدأت معدلات الخصوبة المرتفعة تاريخيا التي كانت تبلغ ستة أطفال لكل امرأة في الانخفاض في سبعينيات القرن الماضي ووصلت إلى مستوياتها الحالية التي تقل عن طفلين لكل امرأة في عام 2000. لقد تقلصت مجموعة سن العمل في الصين من 80٪ من إجمالي السكان في عام 1970 إلى 37٪ فقط في 2012 كما تضاعفت نسبة الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، من 4٪ في عام 1970 إلى 8٪ في عام 2012. لقد تركت هذه الاتجاهات الحكومة عالقة بين خيارين أحلاهما مر، وعلى الرغم من أن صانعي السياسات كانوا بحاجة إلى الحفاظ على إجمالي عدد السكان بحيث لا يزيد بشكل كبير، إلا أنهم احتاجوا أيضًا إلى تدفق الشباب لسوق العمل من أجل دعم الأعداد المتزايدة للسكان المسنين.. لقد كان الاستياء الاجتماعي يتصاعد ووفقًا لأحد المؤشرات الشعبية تضاعف تصور العامة للفساد الحكومي بين عامي 1991 و2012. لقد تم توثيق حوالي 1300 إضراب عمالي في عام 2014 وبحلول عام 2016 تضاعف هذا الرقم ليصل إلى 2700. عندما تولى شي جين بينج سدة الحكم، بذل جهودًا كبيرة للتصدي لتلك التحديات تصديًا مباشرًا ولكن النتائج كانت متفاوتة، فمن الناحية الإيجابية تم تخفيض قراءات نسبة التلوث بي م 2.5 في المدن الرئيسية مثل بيجين وشنجهاي للنصف خلال السنوات العشر الماضية وتراجع معامل جيني الصيني اليوم إلى أقل من مثيله في الولايات المتحدة وأقل بنسبة 13٪ مقارنة بذروته عام 2010.

لكن المؤشرات الأخرى كانت أقل إيجابية فبين عام 2012 وبداية جائحة «كوفيد-19» ظل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي للصين ثابتًا أو متراجعًا، وعلى الرغم من أن الحكومة ألغت سياسة الطفل الواحد الصارمة، إلا أن معدلات الخصوبة ظلت منخفضة للغاية. وتبلغ نسبة الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر اليوم ما يقرب من 13٪ وهي نسبة غير مسبوقة في العصر الحديث، وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق شي حملة مكافحة الفساد التي حظيت بتغطية واسعة، أصبحت تصورات العامة للفساد أعلى من أي وقت مضى.

ومع ذلك، فإن من غير المعقول تحميل شي جين بينج كل إنجازات العقد الماضي وإخفاقاته. لقد ورث «شي» أكبر المشاكل التي واجهها وهي عبارة عن عواقب حتمية للنمو السريع الذي حصل سابقًا في الصين وتاريخها السياسي والاقتصادي، ولكن في الوقت نفسه ورث «شي» كذلك الحلول الرئيسية للسياسات المتعلقة بتلك المشاكل. وفي واقع الأمر بدأت الصين في مطالبة شبكات الطاقة المملوكة للدولة بالاستثمار في صناعات الطاقة المتجددة منذ عام 1994 كما ركّزت الحكومات السابقة أيضًا على السياسات التي تهدف لتحسين ظروف الفقراء. لقد تم إدخال التأمين الطبي الأساسي إلى المناطق الحضرية في عام 1998 وإلى المناطق الريفية في عام 2003، كما بدأ عدم المساواة الإجمالي في الانخفاض قبل عامين من تولي شي منصبه وكانت الحكومات السابقة تتبنى بانتظام حملات لمكافحة الفساد خاصة بها. مع احتفاظ شي بالعديد من مبادرات أسلافه المتعلقة بالسياسات، استمرت المؤشرات في التحسن، وظلت المشاكل التي كان من الصعب إصلاحها من دون حل. إن أكثر شيء تغير في عهد «شي» لم يكن أهداف السياسات الظاهرية ولكن طريقة التنفيذ. لقد كان صانعو السياسات في الصين بعد عام 1978 مع وجود استثناءات مثل سياسة الطفل الواحد يميلون إلى توخي الحذر والحصافة. إن التغييرات المهمة مثل إدخال الانتخابات الريفية كان يتم تجريبها عادةً بهدوء ويتم الإعلان عنها على أنها «سياسة وطنية» فقط عندما تشعر الحكومة المركزية بالثقة في أنها تفهم كيف ستعمل تلك السياسة. تمتاز طريقة التجربة والخطأ هذه بخلق مساحة سياسية للمناقشات بين أصحاب المصلحة المهمين مما أدى إلى نجاح المبادرات شديدة التعقيد مثل السياسة الصحية الوطنية للصين كما كانت تلك الطريقة تنطوي على المرونة بحيث تتم مراجعة السياسات لمراعاة الظروف المتغيرة أو الآثار الجانبية غير المتوقعة، ولأن هذه السياسات لم تكن مرتبطة بشخص واحد، كانت التكلفة السياسية للاعتراف بالأخطاء منخفضة. لقد استغنى «شي» عن مثل هذه الأساليب غير المباشرة حيث كان يعلن عن السياسات بشكل شخصي ومفاجئ ومن دون مناقشات تذكر. إن من الواضح أن طريقة العمل هذه ضارة اقتصاديًا، حتى عندما تكون الدوافع وراء السياسات حميدة أو حسنة النية. إن من الأمثلة على ذلك حظر الدروس الخصوصية لسنة 2021 الذي كان يهدف إلى الحد من الساعات الصعبة التي يقضيها الأطفال الصينيون في الدراسة وتقليل مزايا الطلاب الأكثر ثراءً مقارنة بأقرانهم. لكن إعلان هذا الحظر كان حادًا ومفاجئًا لدرجة أنه قلل من القيمة السوقية لشركات التعليم الصينية الكبرى بعشرات المليارات من الدولارات وأنشأ ببساطة سوقًا سوداء لنفس الخدمات كما تجاوزت التداعيات الاقتصادية مجال التعليم. إن احتمالية حدوث تغييرات مفاجئة وغير متوقعة في السياسات لا تشجع الاستثمارات المستقبلية في جميع القطاعات. إن سياسة «شي» المتعلقة بصفر حالات كوفيد هي مثال آخر في هذا الخصوص فعلى الرغم من النجاح الكبير لتلك السياسة في السيطرة على فيروس كورونا عندما لم تكن هناك لقاحات، إلا أن تلك السياسة أصابها الضعف في ظل الظروف المتغيرة، وفي حين أن جميع البلدان الأخرى تعود إلى العمل كالمعتاد -أو قد فعلت ذلك بالفعل- يبدو أن الصين عالقة في لعبة «واك أمول» لا نهاية لها. إن التداعيات على الاقتصاد الصيني واضحة: يجب على السلطات أن تستمر في المسار نفسه فيما يتعلق بأهداف السياسات الاقتصادية، ولكن يجب أن تغير أساليب صنع السياسات الخاصة بها. إن التحرك ببطء وحذر خدم الصين جيدًا لأكثر من 40 عامًا مما يعني أن مثل هذه السياسة يمكن أن تعمل بشكل جيد لفترة أطول بكثير.

نانسي تشيان أستاذة الاقتصاد الإداري وعلوم القرار في كلية كيلوج للإدارة بجامعة نورث وسترن.

خدمة بروجيكت سنديكيت