قرصنة غذاء الخليج .. ورسائله السياسية

08 يونيو 2022
08 يونيو 2022

هل وصلت رسالة فهد الشريعان وزير التجارة الكويتي الأخيرة بشأن اعتراض سفن حربية لإحدى الدول الكبرى للسفن التي تحمل الغذاء للخليج، وتحويلها إلى أوروبا وقت الخوف من انقطاع إمدادات الغذاء بسبب الأزمة الروسية-الأوكرانية؟ نرجو أن تكون قد وصلت لصناع القرار في الخليج، وهذا السقوط الأخلاقي المتجدد للغرب، قد أصبح ينتج قناعات سياسية للخليج بعد تراكمية السقوط تاريخيًا واستمرارية تجدده حديثا، لن نعدد، ولن نضرب أمثلة، فمقالي السابق المعنون «الإسقاطات التاريخية للجوع العالمي المقبل.. واستشرافاته المعاصرة» ما يغني في حالة الرجوع إليه، والتعمق فيه، وهذا المقال يعد امتدادًا له من حيث السياقات والدوافع، والتحذيرات، ومتابعة تطوراته.

ومن بين أبرز هذه القناعات:

- عدم الثقة المطلقة في الأجنبي مهما كانت الاتفاقيات معه.

- التوازن الاستراتيجي للخليج العربي في علاقاته الدولية، وعدم الارتهان المطلق على الحماية الغربية كما كانت طوال الخمسين سنة الماضية.

- اعتماد الخليج أولًا على ذاته الفردية والجماعية بعقلية المستقبل لا الماضي.

- مخاوف دول الخليج العربية المعاصرة داخلية وإقليمية بالدرجة الأولى.

لأننا لو عملنا الفكر في سطوة الغذاء سنجد أن الدول الست أمام قرصنة يمارسها حارسها الأمني، مما سيظهر أمنها غير مؤمن أو غير مأمون، ولا يقل الأمن الغذائي أهمية عن الأمن السياسي والاقتصادي بل هو الأخطر، فعندما تجوع الشعوب تعم الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، والتاريخ يحدثنا عن تجزئة دول، وفقدان استقلال أخرى.. في مجاعات استغلتها دول كبرى، وعندما نستحضر الآن هذا التاريخ، ندرج سطوة السفن الحربية على الغذاء ضمن المخاوف الكبرى المتجددة، وكأن التاريخ ينسخ مضامينه بوسائل حديثة.

ولا يمكن التقليل من مخاوف اندلاع مجاعة مقبلة، وهو ما تخشاه الأمم المتحدة التي تحذر مما اسمته «بإعصار مجاعة» وكانت أوكرانيا لوحدها فقط قد أطعمت 400 مليون شخص العام الماضي، وموسكو وكييف، قوتان زراعيتان كبريان تمثلان معًا 30% من صادرات القمح العالمية، وأوكرانيا رابع أكبر مصدّر للذرة في العالم، وفي طريقها لتصبح ثالث أكبر مصدّر للقمح، وكانت تمثل وحدها 50% من التجارة العالمية في بذور وزيوت عباد الشمس قبل بدء النزاع، كما أن روسيا مصدّر رئيسي للأسمدة لكنها باتت تمنع تصديرها ردًا على العقوبات الغربية، ووفق الأمم المتحدة، يمكن أن يتأثر 1,4 مليار شخص في أنحاء العالم جراء نقص القمح والحبوب الأخرى.

وسواء أدت الأزمة الروسية-الأوكرانية إلى وقف الإمدادات الغذائية أم لا، أو ظلت قائمة أم انتهت، فإن قضية الأمن الغذائي تظل قائمة وبالمخاطر نفسها، لأسباب عديدة، منها أن عصر الغذاء الرخيص قد انتهى، وأن التوترات والمقاطعات والصراعات والحروب لن تنتهي، وأن التغييرات المناخية والصحية متجددة، وهذا كله يعني أن على الدول الخليجية الست من الآن، التفكير في كيفية توفير الحاجات الأساسية لديموغرافيتها سواء في الحروب أو حقبة انتهاء الغذاء الرخيص، ويكون في متناول قوتها الشرائية وبدعم ملموس من الحكومات.

لذلك، فملف الأمن الغذائي ينبغي أن يتصدر المشهد الخليجي في كل الأحوال، وينبغي النظر للأساطيل الحربية الغربية في المنطقة على أنها مصدر خطر للكل، وعلى دولها أن تفكر بذكاء في كيفية جعل أمنها الغذائي بعيدا عن قرصنة السفن الحربية الغربية وقت الأزمات، وأن يكون -أي أمنها- مترابطًا ومتضامنًا متلازمًا فيما بينها.. صحيح هناك خطة طوارئ خليجية لضمان تدفق المواد الغذائية فيما بينها، لكن، لا أمان في وسيلة البحر بعد الآن، فبروز قرصنة البحار الجدد، وهم حلفاء الأمن للخليج، ومن منتفعي المال والاقتصاد الخليجي الدائمين، يجعل من الدول الست أن تترسخ فيها قناعة تغيير الواقع، وإيجاد بدائل من الداخل.

وقد نجدها في الوحدة الاقتصادية المقرر استكمالها حتى عام 2025، فهذه الوحدة بمنافعها وقطارها الخليجي، تحصن ذاتها من أي أزمات مقبلة، لكن، يبدو أن هذه الأولوية الخليجية قد تراجعت على حساب إعادة خارطة تحالفاتها الإقليمية الجديدة، فمعظم الدول منشغلة بهذا الملف ولو على حساب مستقبله، رغم أنه ليس هناك ما يمنع من الثنائية المتزامنة، وإن كنت أرى، أن الأولوية أولًا للمسار الخليجي، وعليه ينبغي أن تبنى التحالفات الإقليمية وحتى الدولية، وليس العكس، وهذا سيكون من الأخطاء المتكررة، ولم أجد أسبابًا موضوعية في تراجع هذه الأولوية انشغالاتها في تشكيل التحالفات الإقليمية من منظور براجماتية انفرادية.

وأرجو أن لا تؤسس هذه الانشغالات بنيات تقطع الطرق المؤدية للوحدة في طموحها القصير 2025، والاتحاد في المدى المتوسط -سيكون لنا مقال حول هذا الموضوع- ومهما كان حجم هذا التراجع، فإن الأمن الغذائي الخليجي ينبغي أن لا يتأثر بمسار الانشغالات، لأن للجوع مخاطره على الأمن وعلى وحدة الدول الديموغرافية والجغرافية، وفي الشبع الاستقرار والتماسك الداخلي، وكل دولة تعاني داخليا بصورة متفاوته بسبب مجموعة سياسات مالية واقتصادية اتخذتها من قبيل الإصلاح، ولو اندلعت أي أزمة غذائية سواء بسبب انقطاع الإمدادات العالمية، أو ارتفاع أسعارها، واستمر الوضع الخليجي كما عليه، فلن يتمكن الكثير من المواطنين في تأمين لقمتهم، فكيف بحدوث مجاعة عابرة للحدود. وكيف بعد سطوة السفن الحربية على الغذاء، وحرمت مستحقيه منه، وحولته إلى دولها؟

هناك دولتان قادرتان إلى حد كبير على تأمين الأمن الغذائي الخليجي، هما سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، فكلاهما مع الفارق، قد أثبت أبناؤهما قدرتهم على تحويل صحراء الربع الخالي إلى واحات خضراء منتجة لأفضل أنواع الغذاء من أرضهما، فمثلًا الرياض فقد اكتفت محليا في حاجتها من القمح والحبوب والأعلاف وتنوع إنتاجها من الخضار والفواكه والألبان والدواجن واللحوم الحمراء وفاض الإنتاج فيها لدول مجلس التعاون الخليجي، وتجربة سلطنة عمان الآن في الصحراء والجبل الأخضر واعدة، وقد أصبح إنتاج القمح من الصحراء يتصاعد بصورة طموحة، وهنا تكون الصحراء سلة غذاء الخليج، ولو انفتحت الدول الست على اليمن الشقيق والجار، فستؤمن سلة غذائها بصورة كاملة ومستدامة، وبعيدا عن قرصنة البحار الجدد.

وتلكم قوة الخليج، وينبغي أن تستغل فورا، ولا تؤجل، عبر ضخ استثمارات ضخمة في القطاع الزراعي تشجيعًا للمزارعين والشركات الزراعية، كما تحتم الضرورة في معظم هذه الدول تغيير بنية اعتمادها على الوافدين الذين يحتكرون التجارة الداخلية والتوريد، وجعلها محلية، وفي التاريخ ما يبرر ذلك، ولعل تجربة الكويت مثلًا في الجمعيات التعاونية أفضل نموذج يمكن أن يعمم، وهو يتناغم مع مرحلتي انتهاء عصر الغذاء الرخيص، وتسييسه.. ومع توجهات دول المجلس الست نحو الضرائب.. الخ.

وفي كل الأحوال، تبرز أهمية القطار الخليجي حتميا لدواعي الربط بين ست الدول، سواء في أوقات الأزمات أو الأحوال الاعتيادية، وفي كل أزمة تبرز أهميته، وهو من ضمن الأجندات الخليجية، لكنه يؤجل بصورة مستمرة، والآن الظرفية المالية للخليج مواتية لتنفيذه، والصيرورات التي تمر بها المنطقة والعالم تحتمه لدواع اقتصادية وعسكرية وأمنية واجتماعية.. الخ وكذلك لدواعي ربط اليمن مسوق استهلاكي، وكداعم لوجستي مستدام للأمن الغذائي الخليجي، وهو خيار لا يسقط من مجمل الاعتبارات الاستراتيجية، ولا بد من تنفيذه الآن.