عمال المعرفة والتقدير المجتمعي
23 مايو 2026
23 مايو 2026
لعل مشهد الإنتاج الثقافي والمعرفي يحمل العديد من الجدليات التي لا تنتهي تاريخيا؛ ذلك أنها تتجدد بتجدد فعل الإنتاج نفسه داخل هذه الحقول، وبفعل تغيرات العلاقة بين الناتج الثقافي والمعرفي والمجتمع.
ولربما من أبرز تلك الجدليات التي صاحبت تاريخيا هذا المشهد هي جدلية التقدير المجتمعي، بمعنى كيف يمكن تقدير «عُمال المعرفة» ونتاجهم، وعامل المعرفة قد يكون فيلسوفا، أو مثقفا أو أديبا، وقد يكون عالما أو باحثا، أو مبدعا فنيا، إذن هم أولئك الذين يطوعون قدراتهم ومعارفهم لإنتاج (معرفة جديدة)، أيا كانت تلك المعرفة علمية أم جمالية، فكرية أم مادية.
عبر العصور وباختلاف المقاربات اختلفت أشكال النقاش حول التقدير الاجتماعي لهذه الفئة؛ فذهبت مجتمعات إلى فكرة الجوائز والاستحقاقات والمسابقات والأوسمة، وذهبت مجتمعات إلى تعزيز بنية المؤسسات الراعية والمتبنية، وذهبت نقاشات إلى القول بأن تقدير النتاج الثقافي والمعرفي إنما يكون في تبنيه بمقاربات الواقع، واستماع المؤسسات وقدرتها على الأخذ بتطبيقاته واتجاهاته، وذهبت مقاربات أخرى إلى التقدير بالتوثيق والنشر والانتشار، فيما بقيت مجتمعات أخرى تنتظر لحظة الفناء للتخليد برمزيات معينة، أو جلسات تأبين، ونشرات رثاء عابرة عبر هذه المنصة وتلك.
كما تذهب بعض المقاربات إلى إحياء ذاكرة المنتج والقائم بالإنتاج من خلال تخصيص حواضر مادية (مؤسسات، شارع ما، ركن ما، جائزة ما...) باسم عامل المعرفة إما في الأشواط الأخيرة من حياته، وإما بعد فنائه.
تعكس تلك المقاربات ثلاث دلالات مهمة؛ وهي مدى اعتراف الدولة بالفعل الثقافي والمعرفي ومركزيته ضمن عمليات الدولة نفسها، وفي استراتيجيتها العامة، ومدى اعتراف المجتمع بذلك الفعل وقدرته على تشربه وتقديره، ورؤيته له، ومدى اتكاء المجتمع في أساسه وتكوينه على فعل ثقافي ومعرفي راسخ يمكنه عبر دورة الأجيال من الحفاظ على التقدير المجتمعي للنتاج الثقافي والمعرفي.
أما الدلالة الأخرى فهي مدى قدرة ذلك الفعل حقا على التأثير في المجتمع (وتلك جدلية قائمة)، فهل ينتج فعل الثقافة والمعرفة ليغير المجتمع؟ أم ليناقش قضاياه ويجسده؟ أم ليكون مجرد مادة للترف الثقافي والمعرفي؟ وهذا يرتبط بسؤال أكبر وهو سؤال الدور الحضاري لعامل المعرفة سواء كانت فيلسوفا أو عالما أو مثقفا؟
في كل الأحوال في تقديرنا فإن سؤال التقدير المجتمعي بشكل متكامل، فالجوائز آنية، والتكريمات وقعها لحظي، والتأبين أثر عاطفي في لحظته، والتخليد بالمزارات والرموز المادية لا تضمن خلود ذاكرة الفعل الثقافي والمعرفي نفسه، والمؤسسات الراعية والمتبنية على أهميتها فهي تواجه بذاتها في بعض المجتمعات سؤال القبول والتفاعل والتأثير، ومحدودية الدور في اختراق الاهتمام الاجتماعي وحصد شبكة الوصول الواسعة إليه.
وفي ذلك نرى أن التقدير المجتمعي الفعال للنتاج الثقافي والمعرفي، ولعمال المعرفة أنفسهم، هو أن تثير أعمالهم ونتاجهم النقاش في لحظتها، والنقاش هنا ليس مجرد استضافة في برامج إذاعية أو تلفزية، أو جلسة قراءة في أعمال أدبية أو جلسة نقد لأعمال فنية؛ النقاش هو أوسع من ذلك بأن يتحول ذلك النتاج إلى مادة فكر تأخذ حيزها في فضاء الحياة العامة، وتنتقل إلى إطار النقاش المجتمعي بعدة أساليب وأدوات، تقودها المؤسسات، ويعززها عمال المعرفة أنفسهم.
تحويل بعض الأعمال الأدبية إلى أعمال سينمائية أو درامية، وتحويل الأعمال الفنية إلى واجهات سياحية أو مكون رئيس لأماكن الضيافة الرسمية، وتحويل المقالات الفكرية الرصينة ونتاج الشعراء المحليين إلى مدخلات للمناهج الدراسية، وتحويل كتب المفكرين المحليين وأطروحاتهم إلى مادة تعلم أساسية في الكليات والجامعات، ومحورة نتاج الفنانين إلى محتوى علمي يمكن من قراءة وفهم المجتمع كلها نماذج لتحويل الفعل الثقافي والمعرفي من فعل نخبوي إلى فعل يحتك ويلامس شرائح واسعة من الطيف الاجتماعي.
فإذا سلمنا أنه ليس كل المجتمع بإمكانه التعاطي المباشر مع مادة أدبية محمولة في رواية أو كتاب يمتد لنحو 300 أو 400 صفحة فقد تكون فئات قادرة على فهم الرسالة من خلال المعطى البصري والمرئي، وقس على ذلك. الاعتبار الأهم كذلك أن يتحول هذا النتاج بمختلفة أشكاله وأنماطه إلى أدوات لفهم الواقع الاجتماعي وتدبيره.
فعلى سبيل المثال ما لا يمكن أن تقوله الدراسات الاجتماعية الأكاديمية، أو المقالات الصحافية عن مشكلات المجتمع الحقيقية والكامنة خلف السطح، يمكن أن يقوله العمل المسرحي، أو أشكال التعبير الفنية الأخرى غير المباشرة، وبالتالي متى ما وظف كل ذلك النتاج في فهم الواقع وتدبيره واعتبر مدخلا مهما في صنع السياسات، متى ما ارتقينا بفعل التقدير الاجتماعي الحقيقي للنتاج الثقافي والمعرفي.
ولكي يحظى هذا النتاج بهذا المستوى من التفاعل والتقدير عليه كذلك من جانبه وجانب عمال المعرفة أن يتقدموا خطوة أكبر باتجاه المجتمع، بالارتباط المباشر بقضاياه، وتجسيد هواجسه الحقيقية، ونبش طبقات العيش المختلفة فيها، واستلهام أنماط الذهنية الاجتماعية، والوعي الدقيق بتحولاته، وإدراك تباين مستويات (المعرفة، الاهتمام، الانتباه) لدى الفاعلين فيه.
كما أن المرحلة في تقديرنا أحوج ما تكون لما أسميه (شبكات الفعل الثقافي)، تلك الشبكات التي يعمل فيها الأدباء مع المسرحيين على إنتاج نصوص حية وتفاعلية وأعمال مقبولة، ويعمل فيها الباحثون الاجتماعيون مع الرسامين لفهم رؤية كل طرف إلى الواقع الاجتماعي وتحليله والذهاب إلى أعماقه، ويعمل فيها المنتجون المختصون بالسينما مع المفكرين والفلاسفة لتحويل المفاهيم والقضايا الكبرى إلى مشاهد مرئية ورسائل سينمائية واضحة ومجسدة.
كما أنه بالتكرار والتفاعل والتطبيق العملي داخل هذه الشبكات - وفيما بينها - يتحول النتاج الثقافي والمعرفي من معرفة نظرية ومادية معزولة إلى ثقافة مجتمعية حية تساهم في تشكيل الوعي العام وبناء القدرة النقدية للمجتمع والمؤسسات على حد سواء.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
