صراع سرديات: الحرب القائمة نموذجا

28 مارس 2026
28 مارس 2026

في مقالات عديدة عبر هذه المساحة، ومنذ عام 2020 أكدنا على محورية فكرة «السرد الاستراتيجي» في واقع سؤال الدولة في الحاضر والمستقبل، نذكر من هذه المقالات: السرد الاستراتيجي والقبول المجتمعي (مايو 2022)، ومقالة الاتصال الاستراتيجي ومسار تحقيق رؤية عُمان (مارس 2023)، ومقالة دور السرديات في التحول الوطني (أغسطس 2025)، وإن كان من استنتاج نصل إليه بعد كل هذا الاشتغال بالموضوع فهو أن السرد الاستراتيجي أصبح اليوم أحد عناصر قوة الدولة، وأن كل الصراعات التي تجري في عالمنا اليوم وبين أقطابه المختلفة، بما في ذلك الصراعات الجيوسياسية إن لم تكن صراع سرديات فهي توظف تلك السرديات الاستراتيجية ضمن أدوات الصراع التي تستخدمها.

إن السرد الاستراتيجي هو بإيجاز كيف تعبر الدولة عن نفسها؛ تاريخها، طموحها، موضعها في العالم، في الاقتصاد، والسياسة، ومسارات التنمية؟ وكيف ترى إنسانها؟ وكيف تقدم نفسها لمحيطها الإقليمي وللعالم؟ إذن هناك ثلاثة محددات أساسية -حسب تقديرنا- لاكتمال سردية الدولة. أولها: أن السرد ليس محصورا بتواصل الدولة أو الحكومة، بل هو أبعد من ذلك إلى مرحلة تمكين تصور عام عالمي حول الدولة (تموضعا، وطموحا، وإنسانا). ثانيها: أن الاشتغال على صياغة السرد الاستراتيجي ليست مسؤولية الجهاز الاتصالي في الدولة أو الحكومة، بل في مرحلة ما نستطيع اكتشاف سردية الدولة في الخطاب الشعبي، فيما يقوله أفرادها والقاطنون بها، وما تقوله مؤسساتها المدنية والأهلية وقطاعها الخاص.

ثالثها: أنه بقدر قوة السردية الاستراتيجية وتناغمها تستطيع الدولة اليوم تطوير منظومة القوة الناعمة والتأثير العالمي، وبدون تلك السردية الاستراتيجية يبقى جهد المؤسسات والاستراتيجيات والمبادرات التي تصب في هذا الاتجاه جهدا مشتتا يصعب توجيهه وتبين أثره.

لنأخذ الصراع الدائر في الشرق الأوسط حاليا نموذجا، فما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من فتح لجبهات متعددة ـ رغم أبعاده المعقده سياسيا واقتصاديا وعقديا ـ فإن جزءا من دوافعه إنما ينطلق من سردية الحزب الحاكم، التي اختصرت في «Make America Great Again».

ولو أخذنا على سبيل المثال الفرضية التي بدأت مؤخرا بربط نمط وتسلسل تصريحات الإدارة الأمريكية باستراتيجية التحكم في الأسواق – والتي بدأ التنبه لها مع الحرب الحالية، وتطوير مؤشرات دقيقة لتتبعها – فقد قمنا بتتبع هذه العلاقة منذ مايو 2025، وخلصنا إلى بعض الاستنتاجات المهمة: فعلى سبيل المثال استطاعت تغريدة واحدة نُشرت في 23 مارس 2026 أن تُحرّك تريليونات الدولارات من قيمة مؤشر الأسهم (S&P 500) خلال 56 دقيقة فقط، كما جرى تداول عقود نفط آجلة بقيمة ملايين الدولارات من قِبل متعاملين خلال دقيقة واحدة، وذلك قبل 15 دقيقة فقط من نشر تصريح مفاجئ بالتهدئة، وكشف التقصي عن ارتباط مباشر بين نبرة الخطاب وحركة المؤشرات، حيث شكّلت التصريحات التصعيدية 60% من إجمالي الخطاب، وأدت إلى ارتفاع فوري في كافة المؤشرات الاقتصادية تزامنا.

مثل هذا النوع من التقصيات تحتاج بالتأكيد إلى مراقبة زمنية مستمرة، وربما لسنوات للجزم بـ «نظرية» واضحة حولها، غير أنها تشكل وجها لصراع السرديات، والأشد أنها تتجاوز ذلك لصراع من يتحكم بالسردية، ويوجهها، تلك السردية القادرة على تقليب كافة المعطيات العالمية.

الاهتمام بفكرة «السرد الاستراتيجي» ضمن منظومة الاتصال السياسي أخذت حيزا واسعا في رؤى المفكرين السياسيين خلال السنوات الأخيرة، ومن ذلك أطروحات لورنس فريدمان، ورونالد آر كرابس؛ ولعل أطروحة «الاتصالات الاستراتيجية» لكل من بقلم أليستر ميسكيمون، ووبن أولوفلين، ولورا روزيل إحدى أهم الأطروحات في هذا السياق.

تقول الأطروحة إن «السردية الاستراتيجية هي وسيلة تحاول من خلالها الأطراف السياسية الفاعلة بناء معنى مشترك للماضي والحاضر والمستقبل، بهدف تشكيل سلوك الفاعلين المحليين والدوليين» وقد قاموا بتقسيمها إلى ثلاثة مستويات:

سرديات النظام (System Narratives) وتجيب على سؤال كيف يعمل العالم؟

سرديات الهوية (Identity Narratives) وتجيب على سؤال من نحن كأمة (مثل: الصين الصاعدة).

سرديات السياسة (Policy Narratives) وتجيب على سؤال لماذا يعد إجراء معين ضروريا (مثل: الحرب على الإرهاب).

إن خلق السردية الاستراتيجية وبناءها يتطلب اتساقا تنظيميا، يتعدى الاتصال التقليدي، وهنا نرى بضرورة وضع استراتيجية وطنية للسرد الاستراتيجي، وتطوير منظومة تواصل الدولة الحالية لتكون منظومة سرد استراتيجي أوسع، تعنى بخمس مهام رئيسة: صنع السردية والتوافق عليها، وإيجاد الوسائل المبتكرة لتمكينها والوعي بها، وخلق منظومة شراكة متعددة الأطراف لترويج تلك السردية وتعميقها، وعكس تلك السردية في أنماط الاتصال الداخلي والخارجي، وتتبع ما يؤثر عليها في سياقها المحلي والإقليمي والدولي. وعلى الجانب الآخر من المهم كذلك وجود فريق/ كيان متخصص لمراقبة ومتابعة السرديات الناشئة، كيف تنشأ وتتطور، سواء في سياق الأحداث المتفاعلة، أو في سياق الوضع الطبيعي. بمعنى كيف يطور الآخرون سردياتهم الوطنية، وما الذي يستوجب أن يتم الانتباه له في متابعة ومراقبة تلك السرديات.

تقول النظرية السياسية المعاصرة بأن «السرديات الاستراتيجية ليست مجرد اتصالات؛ بل هي الوسيلة الأساسية التي تحاول الدول من خلالها إدارة مكانتها وغايتها في بيئة عالمية متغيرة»

والحقيقة أنه لو تتبعنا كل أشكال الصراع القائمة حاليا سنجد أن محاولات ضمنية للانتصار لسرديات معينة، ومع اشتداد الصراع تتفاوت المواقف، فتخفت سرديات، وتبرز أخرى، كما أن هناك من الفاعلين من غير أطراف الصراع يستثمر في الموقف ذاته ليجد مسارا لسرديته، ويتحين الوقت الأمثل لضمها ضمن سرديات الصراع، مهما كبر حجم ذلك الفاعل أو صغر.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان