سيناريوهات المواجهة الأمريكية الإيرانية كلها شريرة
25 يناير 2026
25 يناير 2026
بغض النظر عما ستنتهي إليه تهديدات ترامب وتحركات أساطيله وطائراته الشبحية وقنابله الخارقة للتحصينات حتى آلاف الأمتار في عمق الأرض، فإن شعوب العالم والأجيال الحالية والقادمة لن تنسى هذه اللحظة التي شعر فيها الجميع -بمن فيهم الحلفاء الانجلو- ساكسون- بالذل وإهانة كرامتهم، ينتظرون أن يحدد مصير حياتهم شخص مهووس بالإرباك والغموض. يقول الشيء وعكسه في الجملة نفسها.
فعندما يتسبب شخص واحد في إثارة الرعب في العالم بأسره من جرينلاند في القطب الشمالي إلى أمريكا اللاتينية وصولا إلى نقطة الانفجار الكبير في الخليج. وعندما ينشر الشخص نفسه الذي يقود دولة تتحكم في العالم كله حالة مخيفة من الفزع وعدم اليقين وتسارع دقات القلب لدى شعوب الأرض مهددًا ما أنجزته وما تخطط له بدمار أو فوضى لسنوات لا يعلم بها إلا الله، فإن كل السيناريوهات المتوقعة ستكون سيناريوهات شريرة.
يقدر خبراء حرب أنه مع نشر هذا المقال ستكون الحشود الأمريكية نحو المحيط الهندي والخليج وعموم المنطقة قد وصلت لحالة الجاهزية العملياتية لتنفيذ عمل عسكري ضد إيران في حال حسم الرئيس ترامب أمره وأصدر أوامره.
كل شيء في تنمر ترامب الراهن بإيران شرير ومخيف. فإن كان يناور ويتلاعب لصرف النظر عن جبهة أخرى أو يمارس التهديد والإكراه للحصول على مكاسب استراتيجية من إيران في ملفي الصواريخ الباليستية والملف النووي والتخلي عن السياسة الاستقلالية المعادية للغرب وإسرائيل فهو يرفع من احتمالات انتقال طهران إلى الخيار شمشون {عليّ وعلى أعدائي} بكل عواقبه.
وإذا كان يهدد بالحرب لانتزاع مكاسب استراتيجية ودفع المتراجعين عن التطبيع الإبراهيمي للتوقيع أو إجبارهم على مزيد من التنازلات في ملف غزة أو لمزيد من استحلاب مكاسب مالية من دول المنطقة ستكون عواقبه شريرة على كامل العالم العربي. وإذا كان سيضرب إيران عسكريًّا كما يرجح كثيرون فهو كارثة محققة ستعيد شعوب هذه المنطقة المستباحة خاصة في الخليج والبحر الأحمر والعراق والشام عقودا إلى الوراء.
سنركز هنا على مناقشة احتمال أنها الحرب وليس الابتزاز والإكراه عبر التهديد بها. وهنا تتعدد سيناريوهات الضربة العسكرية حسب الهدف الإستراتيجي الذي يتوخاه ترامب ونتنياهو: هل هو ما يُعرف بمخطط قطع الرؤوس واستهداف القيادة الإيرانية وإسقاط النظام، أم تدمير مخزون إيران من المسيّرات والصواريخ الباليستية وما تمكنت من إعادة بنائه من قدرات الدفاع الجوي في الشهور السبعة الماضية منذ حرب الـ١٢ يوما.
سيناريو الحرب المحدودة: يفترض هذا السيناريو تشابه نموذج حرب يونيو الماضي وثبات جوهر المعادلة العسكرية لكل من أمريكا وإسرائيل في جهة وإيران في جهة والذي يقوم على قاعدتين؛ الأولى هي أن قدرة إيران على الرد بصواريخ موجعة ستستمر وتقتصر على قواعد وأهداف أمريكية وعلى ضرب العمق الإسرائيلي، والثانية أن حلفاء إيران في العراق ولبنان واليمن سيظلون بعيدين عن المعركة.
الأثر السلبي سيمتد لدول الخليج في استهداف قواعد واشنطن المنتشرة في أراضيها وربما يصل إلى العراق والأردن وسوريا حيث توجد قواعد أمريكية أخرى.
لكن ما ترجحه معظم التقديرات لهذا السيناريو من انتهاء الضربة إلى فشل في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، والضغوط التي ستمثّلها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في استنفاد مخزون كبير من صواريخ القبة الحديدية على معنويات المجتمع الإسرائيلي الذي سيقيم في الملاجئ وقتها.. يقول إننا سنكون أمام حرب قصيرة وانفجار خطير ولكن قابل للاحتواء.
سيناريو يوم القيامة: يفترض هذا اتساع نطاق الحرب بحيث يشمل إما عبر هجوم منسق إسرائيلي على حزب الله في لبنان وأمريكي على الحوثيين في اليمن وفصائل شيعية في العراق واستخدام واسع قسري أو طوعي من قبل واشنطن قواعدها في الخليج والعالم العربي أو عبر استنفار إيراني لهؤلاء الحلفاء لاستباق الحرب عليها باستنزاف مبكر ونسبي لقدرات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية الموجودة بالمنطقة. هنا يتسع نطاق الحرب ليشمل محاولات لإغلاق مضيق هرمز وضرب منشآت نفطية في ضفتي الخليج وبالتالي وقف تدفق النفط وارتفاع أسعاره وركود الاقتصاد العالمي بشكل مخيف.يلخص عسكريا هذا السيناريو بأنه في غضون 12 ساعة ستتحول المنطقة إلى «كتلة لهب» ممتدة من البحر المتوسط إلى بحر العرب.
سيناريو الفوضى والروح الانتحارية والأرض المحروقة:
يفترض هذا السيناريو أن كلا من إسرائيل وأمريكا أفلحتا في تكسيح وسائل الدفاع الجوي وتدمير مخزون إيران من الصواريخ والمسيّرات والقضاء على قدرتها على الرد على العمق الإسرائيلي والأهداف العسكرية الأمريكية وبالتالي إلى إسقاط النظام الإيراني وانتشار الفوضى في هذا البلد المحوري في جيواستراتيجية المنطقة والعالم. هنا سينشأ خيار شمشون لدى طهران وهو ما يمكن وصفه بالسياسة الانتحارية وسياسة الأرض المحروقة على طريقة «إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر».
هنا قد يتم استهداف محطات تحلية المياه وتهديد أهل الخليج بالعطش وقد تستخدم الزوارق الانتحارية الإيرانية لتدمير الملاحة كليا في بحر العرب والخليج والبحر الأحمر وقد تتحرك مجموعات معادية للإمبريالية الأمريكية والصهيونية ومتعاطفة مع إيران بشكل طوعي أو بتنسيق معها لشن هجمات في المنطقة.
الفوضى في بلد مركزي مثل إيران ستمتد وتنشر حالة مخيفة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط تبدأ من أفغانستان وباكستان وتركيا وكامل العالم العربي وصولا للقرن الإفريقي.
ستتشجع في حالة انهيار الاستقرار الإقليمي الحركات الانفصالية والمليشياوية وقد تنجح عمليا في تفتيت العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا لدويلات أمازيغية وكردية وعلوية ودرزية.. الخ.
أزمة لاجئين كبرى سيحدثه سقوط دولة يزيد سكانها على ٩٠ مليون نسمة مثل إيران وتهديدات مخيفة للوحدة الوطنية والسلم الأهلي والتماسك المجتمعي بين مكونات الشعوب في الخليج وشبه الجزيرة التي تضم مذاهب دينية مختلفة.
لا أعرف ماذا فعلت دول المنطقة -التي جارى بعضها ترامب في كارثة الانضمام لمجلس السلام- لمنع هذه السيناريوهات الشريرة.
ولا أعرف ما مقدار ما يعيره ترامب لاحتجاجها على خطر إشعال الحرب. ولكن أعرف أنهم إن لم يستغلوا كل ما لديهم من أوراق ضغط على أمريكا الآن وبشكل منسق فإنهم قد يعودون جميعا لعصر ما قبل الصناعة، بعد أن كانوا يخططون ليكونوا روادًا في عصر الثورة الصناعية الثالثة وعصر الذكاء الاصطناعي وإدامة الوفرة والرفاهية.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري
