زيارة الرئيس الإيراني لمسقط .. وضمانات تنفيذ نتائجها
كانت متابعتي لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لسلطنة عمان قبلها وبعدها، وذلك لمعرفة دوافع توقيتها رغم أنها كانت دعوة من لدن عاهل البلاد - حفظه الله - سلّمها وزير الخارجية العماني في 23 فبراير 2022، ومهما يكن، فقد كانت هناك سياقات تدفع بمسقط لتوجيه هذه الدعوة في هذا التوقيت، وفي المقابل سياقات إيرانية تجعلها تقبل الدعوة في التوقيت نفسه، ولو تأملنا في السياقات نجدها مختلفة من حيث أولوياتها لكلا البلدين، ولا أتفق مع التحليلات التي تحصر نتائجها بالجانب الاقتصادي فقط، صحيح ما أعلن من نتائج تعطي ذلك الحكم، لكنها ذات شمولية، وتتعدى العلاقات الثنائية.
لأنها لا يمكن أن تقفز فوق ما يجري داخل منطقة دول مجلس التعاون الخليجي من إعادة تحالفاتها من منظور جديد لمفهوم الصديق والعدو، وبالذات على صعيد مشروع التحالف الاستراتيجي بين الرياض وأنقرة الذي تراقبه طهران بدقة، وكذلك الاختراق الصهيوني داخل المنطقة الخليجية، ومدى تقاطعه مع التحالفات الجديدة، وبدا أمس أنه مسألة وقت وقصير، وربما في نهاية يونيو المقبل أثناء جولة الرئيس بايدين للمنطقة، وقد تشمل الرياض وفق ما تكشف الكثير من المصادر.
وأرى أنها -أي التحالفات الجديدة- كانت من بين أهم الدوافع التي تقف وراء زيارة الرئيس الإيراني لبلادنا، وما خرجت به زيارته لمسقط، وإن غلب عليها العامل الاقتصادي، إلا أن السياسة وراءها كهاجس سياقي، فهل تطبيقها سيكون مرتبطا بالهاجس؟ من هنا تشغلني قضية التطبيق أكثر من النتائج، فلدينا تجربة سلبية في هذا الجانب مع إيران، ومع المتغير الدولي، وتأثيره على تنفيذ الاتفاقيات الثنائية، وهو ما ينبغي أن يكون الشغل الشاغل للسياسة الخارجية العمانية الآن، حتى لا يتكرر تجميد المشروعات، وحتى لا يترسخ الاعتقاد بأن انفتاح طهران اقتصاديا على مسقط يكون كردة فعل جيوستراتيجية.. ولما تنتهي أو تمتص يجمد ما اتفق عليه.
فكم من مشروعات ضخمة قد اتفق عليها البلدان سابقا، ولم ترَ النور حتى الآن، كالجسر الذي يربط البرين العماني والإيراني من جهة محافظة مسندم، ومشروع مد خط أنابيب الغاز في البحر بين البلدين، والاتفاق على التطوير المشترك لحقل هنغام النفطي.. وما حدث لهذا الأخير من تداعيات وصلت إلى الاستفراد الإيراني بالتطوير من جانب واحد، يجعلني فعلًا، أرفع من مستوى هاجس التطبيق عاليا.
هنا ينبغي أولًا أن نذكر بنموذج للمنافع والمصالح العمانية غير الاعتيادية والضرورية للنهضة العمانية المتجددة، ومدى إمكانية الجار الإيراني في المساهمة في تحقيقها، وكنت قد أشرت إليها في مقال كتبته عشية الزيارة تساءلت فيه: «ماذا تريد مسقط من طهران؟» وضربت نموذجًا واحدًا ومهمًا، وهو الاستفادة من القدرات العلمية والتكنولوجية الإيرانية.. فهي دولة جارة وصديقة، ولنا معها تاريخ تضامني متعدد الأوجه.. لن ينسى، فلماذا لا تستفيد مسقط وفق خطة ممنهجة من هذه القدرات الإيرانية، خاصة أن «رؤية عمان 2040» تهيئ البلاد لاقتصاد المعرفة، كأحد أهم مصادر تنويع الاقتصاد العماني؟.
وتظهر طهران الآن -كما أوضحت في المقال- كدولة إقليمية متقدمة في تلكم المجالات، وذكرت فيه أن الخبراء يرون أن تلك المجالات ستكون سلاح التفوق الإيراني المستقبلي على دول المنطقة أكثر من الخيار النووي على اعتبار أنه -أي الخيار النووي- قد أصبح متاحًا لكل دول المنطقة بعد أن كسرت طهران الحاجز حتى لو بمسميات مدنية، والهامش يضيق إذا أريد الانتقال للعسكري.
فهل المحادثات العمانية مع إيران تناولت هذا الملف المهم جدا، والمستعجل جدا؟ رصدت فيما نشر رسميًا أثناء زيارة الرئيس الإيراني، إشارة عامة تحمل كل الاحتمالات رغم غموضها، فقد تم الكشف عن توقيع ثماني مذكرات تفاهم، وأربعة برامج تعاون في عدة مجالات من بينها التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وهذا ما يشبع طموحي، لكنه جاء عاما دون تفاصيل، مما يظل التوجه هنا غامضا من حيث المسارات وماهيتها، كتلك التي أشرت إليها.
ومهما يكن، فإنني أشدد عليها مجددا، فلا يمكن لمسقط أن تتجاهل الاستفادة من الخبرة الإيرانية العلمية والتكنولوجية في ظل الثقة التي تأسست بين البلدين من رحم أحداث مصيرية لطهران، ومن تاريخ مشترك في الستينيات على وجه الخصوص، يستدعيه الجانبين رغم أنه من حقبة الشاه.
وتظهر طهران من بين دول أساسية صديقة لمسقط يمكن أن تساعد على تحقيق اقتصاد المعرفة الذي يعد من بين أهم أهداف «رؤية عمان 2040»، فطهران وموسكو وبكين -كما تقول المصادر- قد أصبحت من اللاعبين الجدد في مجالات النانو والتطور السيبراني وتخصيب اليورانيوم والذكاء الاصطناعي.. الخ، وهي بذلك تكسر احتكارات الغرب، وتجعل للدول الأخرى فرصة الاستفادة منها، من هنا، لا يمكن أن تكون محادثتنا مع الجار الإيراني تقليدية أو اعتيادية في موضوعاتها، وإنما استراتيجية ومن العمق لتحقيق «رؤية عمان 2040»، ويفترض أن يكون التعاون العماني الإيراني الجديد في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار قد ارتقى إلى هذه المستويات العاجلة.
إذا كان كذلك، فهذا يعني أننا قد أصبحت لدينا الآن رؤية جديدة، بإرادة حديدية، تعرف ماذا تريد؟ وتراهن على تنفيذها مهما كانت من تحديات خارجية ضاغطة،، أم إذا كان العكس، فإننا سنكون لا نزال في المربع الأول الذي يتأثر بالدوافع الأمنية الجيوسياسية الإقليمية والضغوطات الغربية، وبالتالي سيكون مصيرها كغيرها من المشروعات المجمدة، فهل هناك من ضمانات قد خرجت بها زيارة الرئيس الإيراني لمسقط؟
رصدت منهجا عملاتيا ربما يكون جديدا، واعتباره من حيث المبدأ، ينم عن وعي بالتطبيق وتحدياته، ويتمثل هذا النهج في التوقيع على برامج التعاون التنفيذية في عدة مجالات بصورة متزامنة مع توقيع مذكرات تفاهم في مجالات مختلفة، وليس اتفاقيات، وهو ما اصطبغت عليه نتائج زيارة الرئيس الإيراني لمسقط، فهذا الجديد الذي يستوقفني كمتابع، ويبدو أن هذا النهج سيكون مستداما، وهو ما كشفه معالي وزير الخارجية العماني عن وجود حزمة أخرى من مذكرات التفاهم وبرامج العمل التنفيذية ستوقع لاحقا مع إيران، ونتمنى أن تشمل البرامج التنفيذية المقبلة مجال التعاون العلمي والتكنولوجي، وصناعة شراكة علمية وتكنولوجية استراتيجية بين الجارين تعمّق العلاقات بينهما، وتحصينها من التقلبات والتدخلات.
والتوقيع على مذكرات التفاهم لا تعني اتفاقيات، والفارق بينهم كبير، فمذكرة التفاهم وثيقة شرفية تفتقد الإلزام، لكنها مهمة في استجلاء النوايا وغايتها، وإعداد الاتفاقيات أو تنفيذها، ويبدو أن اللجوء إلى هذا النهج أما لتعزيز تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، أو لتكون حاكمة للجديد منها، لذلك شملت مذكرات التعاون مجالات النفط والغاز والنقل والدراسات الدبلوماسية والتدريب والإذاعة والتلفزيون والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية.. ولم يأت على ذكر تنفيذ المشروعات التي وقعها البلدين، سوى تسريبات إيرانية عن الحقل النفطي المشترك.
ومهما كانت قوة الآليات والأدوات التنفيذية الثنائية الجديدة للاتفاقيات بين مسقط وإيران، تظل قوة الإرادة السياسية، هي المعوّل عليها، ومن المؤكد أنه إذا كان التقارب العماني الإيراني الجديد غير متناغم مع التحالفات الإقليمية والدولية، قديمها وجديدها، فسيواجه تحديدات كبرى، كما كان في السباق، وينبغي الآن مقاومة تأثيراتها لدواعي تحقيق البراجماتية العمانية التي تؤسس نهضتها المتجددة في مرحلة إقليمية ودولية تتأسس على خارطة حلفاء جدد لخمسين سنة مقبلة، وبالتالي، فإن الصوت الوحيد المسموع ينبغي أن يكون للمصلحة العمانية المستقبلية مهما كانت التحديات والضغوطات.
لكن، وفق مبدأ التوازن الاستراتيجي في علاقات بلادنا الإقليمية والدولية، بالمحددات التي أوضحتها في مقال سابق بعنوان «زيارة لافروف لمسقط.. التاريخ والمستقبل» وفي هذا المبدأ أيضا من الضمانات السياسية لديمومة وتعزيز المصالح العمانية مع كل الفاعلين الإقليميين والعالميين لتصبح مسقط معها ملتقى التقاء لكل المصالح دون استثناء.
