رغم تسليح بوتين للطعام سيفشل في حشد الحلفاء المكرهين

05 أغسطس 2023
05 أغسطس 2023

ترجمة: أحمد شافعي

في السابع عشر من يوليو، بعد مرور ما يقرب من عام على توقيع الاتفاقية في اسطنبول، قررت روسيا عدم تجديد مبادرة البحر الأسود للحبوب (BSGI) التي تسمح لأوكرانيا بمواصلة تصدير السلع الزراعية إلى الأسواق العالمية خلال الحرب. وكما أكد أنطونيو جوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، فإن هذه المبادرة كانت "منارة أمل لعالم في أمس الحاجة إليها".

قبل الحرب الروسية، كانت أوكرانيا موردا عالميا بالغ الأهمية للأغذية: فخمس شعير العالم كان يأتي من أوكرانيا، بالإضافة إلى سدس الذرة وثمن القمح. وبعد غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير من العام الماضي، ومهاجمة حقول الحبوب والصوامع وإغلاق الموانئ الأوكرانية، قفزت أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات قياسية وعرّضت للخطر إمدادات غذائية تشتد حاجة بلاد مستوردة عديدة إليها. وتهدف مبادرة البحر الأسود للحبوب إلى إعادة تأسيس طريق حيوي للصادرات الزراعية من أوكرانيا وخفض أسعار المواد الغذائية العالمية.

وبرغم تحديات كثيرة، حققت المبادرة هدفه الرئيسي. فمنذ أغسطس من عام 2022، لعب تصدير ما يقرب من ثلاثة وثلاثين مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا إلى خمس وأربعين دولة دورا أساسيا في خفض أسعار المواد الغذائية العالمية بنسبة 25٪ منذ الوصول إلى الرقم القياسي في أعقاب هجوم روسيا. ويتبين من بيانات التجارة العامة أن أكثر من نصف الحبوب، ومن ضمنه ثلثا القمح، قد ذهب إلى البلاد النامية.

فضلا عن ذلك، ضمنت مبادرة البحر الأسود للحبوب حصول برنامج الغذاء العالمي (WFP) على الحبوب بشكل مستمر. ففي عام 2023، قدمت أوكرانيا 80٪ من القمح المشترى لدعم العمليات الإنسانية في أكثر البلاد التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي مثل أفغانستان وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال والسودان واليمن. ولولا طريق البحر الأسود، لتعين على برنامج الأغذية العالمي الحصول على الحبوب من مكان آخر بأسعار أعلى وفي زمن أطول، وذلك في وقت يواجه فيه العالم أزمة غذائية غير مسبوقة.

تم اتخاذ قرار روسيا برغم مقترحات متكررة من الأمين العام للأمم المتحدة للعمل على معالجة مخاوف روسيا. ومن أجل إلقاء اللوم على آخرين، تدعي روسيا أنه لم يتم تسهيل صادراتها الزراعية بالقدر الكافي. وهذا ما لم يثبت من خلال البيانات التجارية المتاحة للجمهور، التي تبين أن الصادرات الزراعية الروسية تزدهر. وقد جنت روسيا فوائد كبيرة من مذكرة التفاهم مع الأمم المتحدة بشأن صادرات الأسمدة، التي تم التفاوض عليها بالتوازي مع مبادرة البحر الأسود للحبوب. وقد عملت الأمم المتحدة بلا كلل لتوضيح الأطر التنظيمية والمشاركة مع القطاع الخاص لإيجاد حلول مخصصة عبر قطاعي البنوك والتأمين. وقد بذلت هذه الجهود عبر تعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي وشركائه.

خلافا للأكاذيب التي تنشرها روسيا، حرص الاتحاد الأوروبي في حقيقة الأمر على ألا يكون لعقوباتنا تأثير على الأمن الغذائي العالمي. فما من عقوبات على صادرات روسيا من الغذاء والأسمدة إلى بلاد ثالثة، وقد قدم الاتحاد الأوروبي إرشادات مكثفة للمشغلين الاقتصاديين، موضحا أن عمليات النقل هذه إلى بلاد ثالثة مسموح بها. كما عملنا مع الأمم المتحدة للسماح بالمدفوعات ذات الصلة.

وبرغم هذه الحقائق المعروفة القابلة للتحقق، قررت روسيا الانسحاب من مبادرة البحر الأسود للحبوب في يوليو، مستعملة الغذاء سلاحا ومعرضة الإمدادات الغذائية العالمية للخطر. وبعد ساعات من الانسحاب، بدأت روسيا تدمير مرافق تخزين الحبوب في أوكرانيا والبنية الأساسية للموانئ بهجمات مستهدفة يومية لم تقتصر على البحر الأسود نفسه فقط ولكنها امتدت أيضا إلى نهر الدانوب. وفي رد فعل فوري، شهدت أسعار الجملة الخاصة بالقمح والذرة أكبر زيادة لها منذ بداية الحرب الروسية. ومن المرجح أن يستمر تقلب أسعار الغذاء المتزايد ما دامت روسيا تعرض الإمدادات الغذائية العالمية لضغط متعمد، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة تكلفة المعيشة في العالم ـ وبشكل أشد حدة بالنسبة لمن يعانون انعدام الأمن الغذائي في البلاد المعتمدة على الاستيراد. وهذا أمر غير مقبول ولا بد من إدانته بحزم.

في الوقت الذي يتعامل فيه العالم مع الإمدادات المعطلة وارتفاع الأسعار، تقترب روسيا الآن من البلاد الضعيفة، وبخاصة في إفريقيا، بعروض ثنائية لشحنات محدودة من الحبوب، متظاهرة بأنها تحل بذلك المشكلة التي تسببت فيها هي نفسها. وهذه سياسة ملتوية تتعمد استعمال الطعام سلاحا.

ردا على تصرفات روسيا غير المسؤولة، ينشط الاتحاد الأوروبي في ثلاثة مسارات رئيسية. أولا، سوف نواصل دعم جهود الأمم المتحدة وتركيا الدؤوبة لاستئناف مبادرة البحر الأسود للحبوب. ثانيا، سنواصل تعزيز "مسارات التضامن" الخاصة بنا لتكون طرقا بديلة للصادرات الزراعية الأوكرانية للوصول إلى الأسواق العالمية من خلال الاتحاد الأوروبي. وقد سمحت هذه الطرق بتصدير أكثر من وأحد وأربعين مليون طن من السلع الزراعية الأوكرانية حتى الآن، ونعمل على زيادة ذلك قدر الإمكان للتخفيف من عواقب إنهاء روسيا لاتفاقية مبادرة البحر الأسود للحبوب. ثالثا، قمنا بزيادة دعمنا المالي للبلاد والشعوب الأكثر احتياجا، حيث وفرنا ثمانية عشر مليار يورو لمعالجة الأمن الغذائي حتى عام 2024.

وإننا ندعو المجتمع الدولي وجميع البلاد إلى زيادة مساعدتها لدعم الأمن الغذائي العالمي. ونطلب من جميع شركائنا حث روسيا على العودة إلى المفاوضات كما فعل الاتحاد الأفريقي بالفعل، وكذلك على الامتناع عن استهداف بنية أوكرانيا الأساسية الزراعية. وبصوت واضح وموحد، يمكننا حمل روسيا على استئناف مشاركتها في مبادرة البحر الأسود للحبوب. ذلك أن للعالم مصلحة مشتركة في الإدارة المسؤولة للأمن الغذائي العالمي. وهذا دين في رقابنا لمن هم في أمس الاحتياج.

* جوزيب بوري الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية

** عن ذي جارديان البريطانية