حرب بوتين والنموذج الاقتصادي الألماني

15 يونيو 2022
15 يونيو 2022

هل يمكن للنموذج الاقتصادي الألماني أن ينجو من حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا؟ وكما أشرت في الحديث الذي أجريته مؤخرا بجامعة هارفارد؛ فإن الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعادة النظر في التاريخ الاقتصادي الحديث.

لقد حصل تحول في الاقتصاد الألماني بعد سقوط الشيوعية سنة 1989. إن تحرير التجارة مع الدول المجاورة لألمانيا شرقًا كان له ثلاثة آثار عميقة ضمن ألمانيا. أولا: أدى ذلك إلى مساومة لا مركزية تتعلق بالأجور. ثانيًا: أصبحت الإدارة التراتبية في الشركات الألمانية متساوية بشكل أكبر. ثالثًا: توسعت شبكات الإنتاج الألمانية إلى وسط وشرق أوروبا.

بالنسبة للنقطة الأولى أدى انفتاح أوروبا الشيوعية السابقة -حيث كانت تكاليف العمالة أقل - إلى تغيير توازن القوة بين النقابات العمالية في ألمانيا واتحاد أصحاب العمل، ومع فقدان القوة التفاوضية النقابية، انتقلت مفاوضات الأجور من المستوى الوطني إلى مستوى الشركة. بسبب هذا التقييد الهيكلي الجديد للأجور (أو ما يعرف بالألمانية بلوهنتسوركهولتنغ) انخفضت تكاليف وحدة العمل في ألمانيا بنسبة 30٪ بين عامي 1995 و2012. لقد كانت ألمانيا الدولة الوحيدة في أوروبا التي شهدت مثل هذا الانخفاض، وفي حين أنه عادة ما يتم إلقاء اللوم على إصلاحات هارتز لسوق العمل في 2002-2005 فيما يتعلق بخفض الأجور الألمانية، إلا أن البيانات تشير إلى أنها لم تلعب أي دور في هذا التطور.

إن انفتاح الدول أدى كذلك إلى إدارة غير مركزية، وبينما أصبحت التجارة أكثر عالمية وتنافسية، أصبح الابتكار وإيجاد أفكار جديدة أكثر أهمية، ومن أجل تشجيع المزيد من الإنتاجية بين العمال؛ قامت الشركات الألمانية بتفويض سلطة اتخاذ القرارات إلى مستويات أقل من الإدارة. لقد أثبت ذلك النهج فعاليته الكبيرة حيث قامت الثقافة التجارية الألمانية بشكل متزايد بدعم الجودة وتمكين الشركات بقيادة مستويات أقل من الإدارة من إدخال منتجات جديدة تكون موضع تقدير الزبائن علمًا أن الشركة الألمانية (المتوسطة) النموذجية التي تبنت الإدارة اللامركزية تمكنت من زيادة حصتها في سوق التصدير بمقدار ثلاثة أضعاف بينما لم تحقق الشركات التي تمسكت بالإدارة المركزية بشكل عام مثل تلك المكاسب.

أخيرًا، فإن انفتاح أوروبا أدى إلى شبكات إنتاج موسعة حيث نتج عن ذلك تخفيض في النفقات كما ساعد ألمانيا على التعامل مع النقص الشديد في المهارات. لقد قدّمت البلدان المجاورة لألمانيا شرقًا مجموعة متنوعة من العمالة الماهرة وخاصة المهندسين وفي سنة 1998 كانت نسبة من يحملون الشهادات الجامعية في تلك البلدان تصل إلى 16% مقارنة بنسبة 15% من الألمان.

علاوة على ذلك، تباطأ نمو رأس المال البشري في ألمانيا (بناءً على مقاييس تشمل خمس فئات من التحصيل العلمي) ليصل إلى معدل سنوي بمقدار 0.18٪ في التسعينيات، مقارنة بـ 0.75٪ في الثمانينيات. وهكذا، عندما استثمرت الشركات الألمانية في وسط وشرق أوروبا، تمكنت من زيادة توظيفها للأشخاص الحاصلين على درجات أكاديمية بمقدار ثلاثة أضعاف بالإضافة إلى زيادة موظفي الأبحاث بنسبة 11٪ في الشركات التابعة لها مقارنة بالشركات الأم في ألمانيا.

بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدت سلاسل التوريد نتيجة لذلك إلى خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية في الشركات الألمانية متعددة الجنسيات بأكثر من 20٪ حيث انتقلت ألمانيا من كونها رجل أوروبا المريض في التسعينيات إلى القوة الاقتصادية التي هي عليها اليوم. هل ستنجو هذه الترتيبات الاقتصادية من الغزو الروسي لأوكرانيا؟ للإجابة على ذلك، من المفيد العودة إلى الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وفي حين أن سلاسل التوريد عبر الدول كانت محركًا رئيسيًا للعولمة بعد سقوط الشيوعية، وخاصة بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، فقد توقفت عن التوسع بعد عام 2008. لقد أدت زيادة عدم اليقين العالمي إلى اتجاه متسارع لإعادة الإنتاج والتصنيع للبلدان ذات الدخل المرتفع، بما في ذلك ألمانيا. لقد أدى خطر عدم تسليم المدخلات الرئيسية في الإنتاج إلى قيام الشركات في البلدان المرتفعة الدخل بإعادة تقييم شبكات إنتاجها. بينما أنهت الأزمة المالية العالمية العولمة المفرطة، يبدو أن جائحة كوفيد-19 قد أدت إلى إزالة العولمة ففيروس كورونا قد أدى إلى درجة غير مسبوقة من عدم اليقين العالمي مما ضاعف من إرث تأثيرات صدمة سنة 2008. طبقا لتقديراتي وتقديرات كمال كيليتش من جامعة ل م يو ميونخ فلقد أدت جائحة كوفيد-19 إلى تخفيض سلاسل التوريد العالمية بنسبة 35% حيث تم قياس ذلك على أساس مدخلات الإنتاج المستوردة من الدول النامية كنسبة من إجمالي مدخلات الإنتاج. أما الآن فإن حرب بوتين تسرّع من إزالة العولمة وهي العملية التي بدأت مع كوفيد-19. لقد أدت الحرب إلى حصول صدمة في الاقتصاد العالمي برمته وزادت من حالة عدم اليقين العالمية. والأسوأ من ذلك، أن حرب روسيا على أوكرانيا يبدو وكأنه أحد المظاهر العنيفة. إن عالم تسود فيه الأنظمة العدائية بشكل متزايد لا يتوافق مع التجارة وسلاسل التوريد العالمية والاستثمار الأجنبي المباشر. إن تحركات الصين الأخيرة مقلقة بشكل خاص. لقد فرضت الصين عقوبات على الواردات من ليتوانيا كما فرضت تعريفات جمركية على واردات من أستراليا بعد أن انتقد المسؤولون الأستراليون المماطلة الصينية في التحقيق بأصل الجائحة. للأسف، أصبح استخدام التجارة كسلاح أمرًا شائعًا للغاية علما أن ذلك -إلى جانب الصدمة من حرب بوتين واستمرار حالة عدم اليقين من الجائحة- سيطيل من تعطيل سلاسل التوريد. وكلما طال أمد هذا التعطيل؛ زاد احتمال قيام الشركات بإعادة تنظيم سلاسل التوريد الخاصة بها تمامًا. لقد اقترحت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين أنه يجب إضافة «دعم الأصدقاء إنتاجيًا» إلى قائمة الخيارات الاستراتيجية إلى جانب إعادة توطين الإنتاج في البلد الأصلي أو إعادة التوطين ضمن أماكن أخرى في البلد نفسه. إن دعم الأصدقاء إنتاجيًا يحصل بالفعل في ألمانيا فطبقا لمسح أجراه معهد أي ف أو فإن 50% من الشركات الألمانية التي لديها سلاسل توريد في الصين تعيد التفكير الآن في عملياتها.

إن النموذج الاقتصادي الألماني لم يمت بعد، لكن اعتماده المرتفع على التجارة الدولية يعني أن البيئة الاقتصادية والجيوسياسية المتغيرة اليوم ستؤدي إلى تحديات أكبر لألمانيا مقارنة بمعظم البلدان المتقدمة الأخرى. إن أفضل طريقة تستطيع ألمانيا من خلالها استدامة نموذجها الاقتصادي بعد الحرب الباردة هي تنويع علاقاتها التجارية بحيث لا تكون معرضة بشكل مفرط لعدم الاستقرار في بلد أو منطقة معينة.

داليا مارين أستاذة الاقتصاد الدولي في كلية الإدارة في جامعة ميونيخ التقنية.

خدمة بروجيكت سنديكيت