ثلاثة أخطار قد تهدد سوق الغاز المسال قبل الشتاء

12 يوليو 2026
12 يوليو 2026

الإيكونومست / ترجمة: قاسم مكي

في يوم 28 يونيو أبحرت الناقلة العملاقة «حليتان» وهي محملة بالغاز الطبيعي المسال إلى فرنسا من ميناء فريبورت في ولاية تكساس الأمريكية، لكنها غيرت مسارها على الفور تقريبا. فالشركة المستأجِرة «توتال انيرجيز» تلقت عرضا أفضل من آسيا. وحسب شركة البيانات «كيبلر» من المقرر أن تصل حليتان إلى مقصدها الجديد يوم 1 أغسطس.

مثل هذه الأخبار أصبحت معتادة؛ فالمشترون في آسيا والتي رفع فيها صيفٌ حارق الطلبَ بشدة يتفوقون على الأوروبيين في عروض شراء شحنات الغاز الأمريكية باستمرار، وتغيِّر الناقلات وجهاتِها بأعداد قياسية.

في أوروبا «المهمّشة» يبلغ معدل مخزون الغاز الذي استنزفه الشتاء البارد 47% فقط. وهو الأقل خلال 15 عاما في هذه الفترة من الصيف.

السبب وراء ذلك انعدام الإمدادات من قطر والتي هي في العادة المورِّد الرئيسي للغاز إلى آسيا. فمنذ اتفاق أمريكا وإيران في منتصف يونيو على إعادة فتح مضيق هرمز عبرت 11 ناقلة غاز هذا الممر، وكان ذلك أفضل من عدمه، لكنه لا يزيد عن ثلاثة أيام فقط من الملاحة العادية.

وفي يوم 7 يوليو قصفت أمريكا إيران ردا على ضربات إيرانية لناقلات بما في ذلك ناقلة غاز طبيعي مسال في اليوم السابق لذلك.

كما ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضا إعفاء سمح لإيران ببيع نفطها، وأعلن «انتهاء» وقف إطلاق النار مع إيران.

ظلت أسعار الغاز أعلى بحوالي 48% في أوروبا و62% في آسيا عن أسعاره في فبراير، بعكس أسعار النفط التي هي الآن أدنى كثيرا عن مستوياتها المرتفعة أثناء الحرب رغم ارتفاعها وسط المواجهات الأخيرة.

ويتوقع المحللون عودة تدفقات الغاز القطري إلى مستواها العادي في سبتمبر، وفي الوقت المناسب تماما لأوروبا قبل الشتاء. لكن من الممكن أن نشهد سيناريو أسوأ.

أفقدت الحربُ العالمَ حوالي 20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال. كما دمرت 17% من الطاقة التصديرية لقطر والتي تحتاج إلى سنوات لاستعادتها.

كما يحتاج استئناف تشغيل المنشآت التي نجت من القصف إلى وقت. وعلى الرغم من الإمدادات الإضافية من أفريقيا وأستراليا وانخفاض الطلب بسبب تدابير تقليل استهلاك الطاقة التي لجأت إليها البلدان الآسيوية وتأجيل المستخدمين الصناعيين لمشترياتهم واستئناف العمل في محطات توليد الكهرباء بالفحم الحجري سيواجه العالم بنهاية 2026 نقصا بحوالي 40 مليون طن «تراكميا» من الغاز الطبيعي المسال القطري، وهو ما يساوي 10% تقريبا من إمدادات العام الماضي.

ولم يبدأ المستوردون الآسيويون والأوروبيون حتى الآن تجديد المخزونات الشتوية. فمعظمهم يفضل الانتظار لأطول فترة ممكنة. أحد أسباب ذلك استمرار ارتفاع الأسعار.

سبب آخر وهو أن أسعار شحنات الصيف ليست أعلى من أسعار اليوم. وإذا عادت الإمدادات القطرية في سبتمبر يلزم أن يتراخى الطلب الآسيوي على الشحنات الأمريكية وتهبط الأسعار الفورية ويجدد المشترون الأوروبيون المخزونات.

بحلول نوفمبر سيصل تخزين الغاز في بلدان الاتحاد الأوروبي إلى 75%. وهذا معدل منخفض. لكنه كاف لشتاء عادي. وينبغي أن تظل الأسعار تحت السيطرة.

لكن الإمدادات في سوق الغاز غير كافية لمقابلة الطلب، ومن الممكن أن تعجِّل سلسلة من الصدمات الصغيرة بضائقة، وتبرز هنا ثلاثة أخطار.

الخطر الأول احتمال عدم عودة الإمدادات الخليجية في الوقت المناسب. فبعد ساعات من ضرب ناقلة غاز قطرية بالقرب من مدخل المضيق يوم 6 يوليو عادت أدراجها ناقلة أخرى كانت متجهة إلى هرمز. وتنتظر أكثر من عشرة ناقلة فارغة بالقرب من راس لفان لتحميل الغاز. لكن المناوشات المتكررة (دعوا عنكم انهيار وقف إطلاق النار) يمكن أن تخيف المشترين وتدفع آسيا إلى عرض أسعار أعلى لشراء الشحنات الأمريكية.

الخطر الثاني يتمثل في الطقس المتطرف. في يونيو تعرضت أوروبا إلى ارتفاعات قياسية في درجات الحرارة رفعت الطلب للتبريد وبالتالي على الطاقة. والنينو في آسيا، وهي ظاهرة مناخية ينتج عنها تشكل طقس حار وجاف في المنطقة، ترفع أيضا درجات الحرارة إلى مستوى غير عادي.

هذا بدوره يضطر بلدانا من بينها بنجلاديش وباكستان إلى العودة للشراء من السوق الفورية. فاشتداد الحر في أيِّ من القارتين سيعني شراء المزيد من الغاز.

كما يضيف شراء الصين الذي لا يمكن التنبؤ به المزيد من عدم اليقين.

إنها أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم وتشتري الغاز بموجب عقود طويلة الأجل، وهي لا تخزنه كما تفعل مع النفط. فما لا تريده تعيد بيعه كما فعلت في مارس وأبريل.

لكن عندما اشتدت الحرارة في مايو ويونيو استأنفت استيراد كميات كبيرة. وعندما هطلت الأمطار في أواخر يونيو تراجعت عن ذلك. وقد تدفعها الحرارة الحارقة مرة أخرى إلى المسارعة لشراء الغاز.

الخطر الثالث فشل البنية التحتية؛ ففترات الجفاف الطويلة تستنزف خزانات الطاقة المائية، وأسعار الطاقة في سويسرا قفزت مع استيرادها للكهرباء من البلدان المجاورة التي تستخدم الوقود الأحفوري، حسبما ذكرت جيليان بوكارا بشركة الأبحاث كيبلر.

وإذا كانت الأنهار دافئة على نحو غير طبيعي قد تقلل المحطات النووية من توليد الكهرباء لأن المفاعلات تحتاج إلى مياه باردة.

ثم هنالك أمور تحدث وليست في الحسبان؛ فقد تتعطل منشأة كبيرة للغاز الطبيعي المسال كما حدث لمنشأة «فريبورت» التي اندلع فيها حريق عام 2022 وكانت وقتها تغطي 4% من الإمداد العالمي. ويمكن أن تعطل إضرابات مثل تلك التي شهدتها استراليا عام 2023 العمل في منشآت الغاز لأسابيع.

أيضا روسيا التي زودت أوروبا بكميات قياسية في هذا الربيع قد توقف ضخ الغاز.

حدوث العديد من هذه الصدمات في نفس الوقت يمكن أن يحوِّل مشكلة قابلة للحل إلى كابوس.

تقول آن صوفي كوربو الباحثة بجامعة كولومبيا «عندما تتراكم الأخبار السيئة» يمكن أن يقود ذلك إلى انفلات في الأسعار، ولا يوجد مجال يذكر للتحول إلى أنواع أخرى من الوقود.

من المؤكد أن بلدان جنوب آسيا سيلزمها خفض مشترياتها من الغاز. الصين واليابان وكوريا الجنوبية بلدان غنية بما يكفي للاستمرار في الشراء، وأوروبا لن تتجمد في هذا الشتاء، لكنها قد تواجه «فاتورة» تدفئة باهظة التكلفة.