بناء منظومات مجتمعية للوعي بالقانون
21 فبراير 2026
21 فبراير 2026
في مسيرة تحديث المجتمعات يلعب الوعي بالقانون دورًا محوريًا في الحفاظ على أصل المجتمع وتماسكه، وفي تحقيق انتقال سليم ومتكيف نحو الحداثة المتوازنة.
وبتعقد العلاقات الاجتماعية، وظهور أنماط وصيغ جديدة من العلاقة بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين النظم والمؤسسات الاجتماعية، وبينهم وبين مؤسسات الدولة؛ يصبح القانون وسيادته والوعي به الضامن الأساسي لعدم اختلال هذه العلاقات والنظم. وتبرز مع حركة المجتمع الحديث مجموعة من العوامل التي تستوجب زيادة مستويات الوعي القانوني لدى الأفراد والمؤسسات، ومن أهمها ظهور ممارسات وأنماط الاقتصاد الحديث، وانغماس المجتمع في التواصل الافتراضي، وتحول عديد الخدمات المباشرة إلى المنصات الإلكترونية، وتضاؤل منطق المصدر والمرجعية الثقافية الواحدة إلى اندماج المجتمع في ثقافات متعددة، وتمايز تصورات وأفكار ومعتقدات الأجيال، وتغير توقعات الأفراد تجاه الأنظمة والمؤسسات الرسمية، عوضًا عن موجه التعرض للإعلام غير المركزي والعابر للحدود.
وسط كل هذه العوامل يأتي دور الوعي القانوني للأفراد والمؤسسات بوصفه ضامنًا لخمسة مكتسبات مهمة: وعي الأفراد الكلي بحقوقهم وواجباتهم، ومعرفة حدودهم في الاتصال والتفاعل مع مجتمعهم مؤسسات ونظم وأفراد، وإدراك ما قد يحيد بهم ـ بقصد أو دون قصد ـ ) نحو الخروج عن مسلمات النظام الاجتماعي الرسمي القائم، والتنبه إلى أشكال الجريمة الناشئة وأنماط التعدي على القانون، وصولًا إلى معرفة الآليات المقررة لمشاركتهم وإسهامهم الفاعل في نمو مجتمعهم وأوطانهم.
فمنظومة الوعي القانوني الناجزة لا تكتفي بمجرد تنبيه الناس إلى العقوبات والجزاءات، بل هي تلك المنظومة التي ترشدهم كذلك للمساهمة الواعية والمسؤولة والمنضبطة في مسيرة تطور الدولة والمجتمع.
ولبناء منظومة وعي قانوني ناجزة لا بد من وجود منطلق استراتيجي يوحد الجهود في عملية تعزيز الوعي القانون؛ هناك اليوم جهد يبذل من المؤسسات المعنية بتطبيق القانون، ومن المؤسسات التشريعية، وبعض المؤسسات الإعلامية، وبعض الجهود المنظورة كمبادرات مجتمع، لكن هذه الجهود لا زالت لا تنتظم وفق منطق استراتيجي واضح وموحد.
وبالتالي؛ فإن تلقي المجتمع لهذه الجهود يغدو تلقيُا موسميًا (حسب ما ينتشر ويتداول)، وحسب القضايا التي تبرز، ولا يبين بشكل واضح أثرًا مستديمًا لمنظومة توعية محددة المنطلقات والتوجهات تكون محور اهتمام وانتباه وتأثير لدى الفاعلين الاجتماعيين من الأفراد والمؤسسات.
الاعتبار الآخر الذي نجد من الضرورة الإشارة إليه أن الوعي القانوني لا يجزأ؛ صحيح أنه على كل مؤسسة أو نظام قائم في حدود اختصاصه أن يوعي المجتمع بالقوانين والنظم والموجهات القانونية الناظمة لأعماله، لكن لابد من وجود خط واصل بين كل هذه التوزيعات أو الاختصاصات؛ فوعي الأفراد بقوانين الجزاء مثالًا لا ينفصل عن ضرورة وعي بالقوانين الناظمة لتقنية المعلومات، أو القوانين المنظمة للمعاملات المالية؛ فكلما كان هناك نوع من المركزية في التعريف والتثقيف وبناء الوعي القانوني إلى جانب الجهود المؤسسية المتفرعة والمتخصصة أسهم ذلك في تمكين المراقب من قياس أثر تلك الجهود، ومعرفة مؤشرات اكتساب المجتمع لآليات ذلك الوعي، والأهم «تبنيه وتطبيقه» وانعكاس ذلك على مؤشرات عديدة لعل من أهمها مؤشرات القضايا والجرائم والوقائع التي ترصدها المؤسسات ذات العلاقة.
ومن متطلبات بناء منظومات الوعي القانوني للتركيز على تعديد أنماط الرسالة المتصلة بالتوعية القانونية وأساليبها، والأهم من ذلك وجود مساحة لتخصيص تلك الرسالة بناء على (الفئة المجتمعية ــ العمر ــ مجالات الاهتمام والنشاط ــ التوقيت المناسب ــ نمط اللغة المستخدمة..)؛ فكلما كانت رسالة التوعية القانونية تحمل لغة متنوعة، وتقترب في كل نمط منها من الفئة الاجتماعية المقصودة عبر مفرداتها وأنماطها وما تحمله من رمزيات أو صور أو سرديات، كانت قدرتها على التأثير في سلوك تلك الفئة واتجاهاتها أكبر.
كما أن إفراد جرعات نظامية من التوعية القانونية ضمن المقررات الإلزامية في مؤسسات التعليم بتدرجاتها المختلفة أصبح اليوم أمرًا ملحًا؛ فمعرفة الطلبة بالمتطلبات الأساسية من القوانين والتشريعات مهم للاندماج الواعي وتأهيلهم للحياة الاجتماعية قبل الحياة المدنية أو المهنية.
كما تبرز الحاجة إلى ممكنات أخرى من قبيل التركيز على تفعيل دور مكاتب المحاماة والاستشارات القانونية في تعزيز مساهماتها المنظمة في التوعية القانونية كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية إضافة إلى تعديد أساليب التوعية ذاتها ومنصاتها، ومحاولة توسيع نطاق المعرفة بموجهات عمل القانون نفسه؛ فمن المهم أن يعي الأفراد ما الذي يقف خلف منطق موجهات القانون (لماذا وضعت هذه المادة؟ وما أثرها؟ وما الذي تضمن تحقيقه في حال الالتزام بها؟ وماذا يترتب على حال مخالفتها ليس فقط قانونيًا وإنما ما يترتب اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا أو أمنيًا). فكلما استوعب الأفراد دوافع القانون كانوا أكثر أهبة للالتزام بموجهاته وأحكامه.
تضع «رؤية عُمان 2040» هدفًا أساسيًا ضمن أولوية «التشريع والقضاء والرقابة» يعنى بالوصول إلى «مجتمع واعٍ قانونيًا، ومشارك بفاعلية في التشريع والرقابة». والتسلسل الذي يحمله الهدف لافت في صياغته باقتضاء ضرورة الوعي القانوني لتحقيق الفعالية في المشاركة التشريعية والرقابية. وعليه نعتقد اليوم ضرورة وجود استراتيجية وطنية مركزية للوعي القانوني مهمتها في المستوى الكلي ثلاثة أدوار أساسية: توحيد الجهود وفق منطق استراتيجي واضح ومرحلي بالإضافة إلى إيجاد الآليات والوسائل والأنماط لمخاطبة المستهدفين برسالة التوعية القانونية، والأهم تتبع وقياس مستويات ذلك الوعي وتطوره بطريقة منهجية ومرحلية.
إن وجود مثل هذا الجهد الاستراتيجي من شأنه أن يكشف عن اعتبارات أخرى لعل أهمها علاقة مستويات الوعي بظهور بعض أنماط القضايا والجرائم، وكفاءة ومناسبة تخصيص رسالة الوعي وقدرتها على التأثير، وعلاقة الوعي بمستويات المشاركة المدنية والسياسية للمجتمع عوضًا عن أثر ذلك الوعي في الحد من الظواهر والسلوكيات والممارسات الناشئة وغير المرغوبة في التعاملات الاجتماعية والمدنية.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
