الهوية الوطنية العمانية.. وتحدياتها المعاصرة

19 يناير 2022
19 يناير 2022

جاء خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في الذكرى الثانية لتولي جلالته الحكم، حاسمًا لقضية الهوية الوطنية، وحاكمًا لديمومتها واستدامتها في عالم جديد يستهدف الهويات الوطنية بصورة غير مسبوقة، وبقسريات وإكراهات دولية، ستتصاعد تباعا وبصورة دراماتيكية.

وأدخلت منظمة الأمم المتحدة كطرف قسري لزعزعة الثوابت الوطنية، وكذلك برزت للسطح دول فاعلة توظف سفاراتها داخل منطقتنا الخليجية لتحقيق أجندات الزعزعة، وقلب الثوابت، كما أنشئت مؤسسات أجنبية داخل المنطقة الخليجية للغرض نفسه، ويعتقد أصحاب الأجندات أنهم الآن في وضع موات لتحقيقها، وهنا تكمن أهمية الخطاب السامي الذي وضع النقاط فوق الكثير من الحروف كرسائل زمنية ومكانية، وفي توقيت سياسي مناسب جدا.

لقد بدأ المشهد الدولي الآن، وكأن الهويات الوطنية ذات الأيديولوجيا الأصيلة، سببًا في الحروب والنزاعات وللتخلف الاقتصادي والسياسي، ونشهد الآن مؤشرات متقدمة لإحداث انقلاب دراماتيكي في المنظومة القيمية والأخلاقية، من هنا ينبغي أن أطرح هذه القضية من الإشكالية الثنائية التي يطرحها عنوان المقال أعلاه، فبلادنا بمجتمعها تصنف من ضمن المجتمعات التي "أوكسجينها" قيم وأخلاق، لا تتبدل ولا تتغير، لكنها تتعايش بمفهوم كوني مع المتعارضات دون فقدان هويتها.

ولم تشكل هويتنا الوطنية قديما ولا حديثا أي مشاكل في تفاعلاتها الداخلية، والخارجية، بمعنى أنها لم تعرقل التطورات، ولم تقف ضد الحداثة والانفتاح، ومجتمعنا الثيولوجي الوحيد إقليميا الذي لم يكن له صراعات سياسية أو اجتماعية قد تضرب حاضره أو مستقبله، صحيح حدثت بعض المفاصل، لكن تم إدارتها وحلها بوسائل ناعمة، وهي لا تذكر مقارنة بدول إقليمية، لذلك ينبغي أن نظل أوفياء للمسار الوطني الذي لم يصنع عداوات تاريخية مع الداخل أو الخارج.

وهنا ينبغي ألا نصنع في حاضرنا أعداء من الداخل إرضاء لتوجهات دولية مجنونة -سيأتي ذكرها لاحقا- أو وفق حسابات تفتقر لفهم العمق الاجتماعي العماني وثوابته المقدسة، وقد لامس خطاب الذكرى الثانية لتولي عاهل البلاد -حفظه الله- الحكم في البلاد هذا الفهم بالمكون الاجتماعي ومركزيته الثيولوجية المتعايشة مع ذاته الفكرية المتعددة، ومع غيره المتعارضة، ورسم الطريق للبلاد للسير الآمن والمطمئن في مرحلة الانقلاب الدولي على القيم والأخلاق.

ويظل التحدي الآن، يكمن في تطبيق الخطاب السامي، وهذا المقال قد يسهم في رفع الوعي السياسي بالخطاب السامي، والكشف بصوت عال عن تحديات الهوية الوطنية المعاصرة التي نراقبها على حدود بلادنا، سأتناول باختصار أربعة محاور التالية عناوينها، أولا: المحددات السياسية المعاصرة للحفاظ على الهوية الوطنية العمانية في عالم متغير، وثانيا: أهم تحديات هويتنا الوطنية المعاصرة، وثالثا: تساؤلات عقلانية من رحم السياقات، ورابعا: مجلس الدولة.. عقل الدولة للثابت المقدس، والمتغير القسري.

أولا: المحددات السياسية للحفاظ على الهوية الوطنية العمانية

في الفقرة التالية من الخطاب أبرز جلالته هذه المحددات، حيث يقول: "نهيب بأبنائنا وبناتنا التمسك بالمبادئ والقيم التي كانت وستظل ركائز تاريخنا المجيد، ولنعتز بهويتنا وجوهر شخصيتنا، وننفتح على العالم في توازن ووضوح، ونتفاعل معه بإيجابية لا تفقدنا أصالتنا، ولا تنسينا هويتنا".

وكل مفردة من مفردات هذه الفقرة، تؤكد على ثوابت النهضة المتجددة التي ينبغي أن تحكم التطورات والتحولات الداخلية، وانفتاح البلاد على الخارج، وفي الفقرة السابقة موجهات ومحددات، الأول موجه للشباب مباشرة، والثاني حاكم للمؤسسات، وفي المجمل ينبغي أن يكون الانفتاح مشروطا وجوبا بالحفاظ على الهوية الوطنية العمانية، وكلنا نعلم دور الدين في هذه الهوية، بل وفي حياتنا العامة، وبالتالي أعول كثيرا على هذا المحدد السياسي في مواجهة التحديات الوجودية الداخلية والخارجية للهوية العمانية، وهنا دور المؤسسات الدستورية والقانونية والاجتماعية والفكرية، لصناعة البيئة التي تساعد الشباب العماني على التمسك بهويتهم الوطنية، ودون عمل هذه المؤسسات، فلن يقدر الشباب على مواجهة مختلف التحديات لوحدهم.

ثانيا: أهم تحديات هويتنا الوطنية المعاصرة

لن أركز هنا على التحديات التقليدية أو تلك الناجمة عن التقنية، فهي معلومة بذاتها، لكنني سأركز هنا على التحديات المعاصرة التي تحاول الدول الكبرى والمنظمة العالمية فرضها قهرا وإكراها على الحكومات، وسنشير إليها دون التعمق فيها، فالإشارة كافية المعنى والدلالات، وسأتناولها من حيث حداثتها الزمنية، وخطورتها المعاصرة، وهي متعددة ومتنوعة، وأخص بالذكر، التحديات التالية:

- ما يسمى "بالجندر" كأكبر تحدٍ للهويات الوطنية للدول ذات العمق الثيولوجي عامة، وكما يسميه البعض، فهو مصطلح مراوغ وفضفاض، فمن استهدافاته الخطرة محاولة تحرير الإنسان من جنسه، كنوع يميز الذكورة عن الأنوثة، ويعومها في سياق الحرية المطلقة، وسيحاولون فرضه على الدول عبر تدريسه للشباب والمراهقين، وتغيير القوانين، وستصبح المنظمة الدولية أداة لهم، والبحث في محرك جوجل ستظهر كل سلبياته، وطبيعة القوى العالمية التي وراءه.

- انتشار ظاهرة الإلحاد في المنطقة، وما القضايا التي تثار في بعض وسائل التواصل الاجتماعي حول الإلحاد، إلا مؤشر يعكس ماهية هذا التحدي وخطورته، وقد قمت بعملية استقصاء إلكتروني حول خلفيات هذه الإكراه، ووجدته عابر للحدود الخليجية، وتقف وراءه سفارات دول أوربية، ويمول من موازنة منظمة أوروبية.

- اتفاقية سيدوا التي معظم إن لم يكن كل بنودها تضرب كل أعماق وأشكال الهويات الوطنية.

- التقاطع الإقليمي لهوايات متعارضة مع هويتنا الوطنية، يراجع مقال منشور في جريدة عُمان بتاريخ 22 ديسمبر الماضي.

ثالثا: التساؤلات العقلانية

سأطرح هنا تساؤلين فقط من مجموعة تساؤلات عقلانية للزوم التحليل المجرد، وهي نتيجة طبيعية للسياقات سالفة الذكر.

- هل الأزمات النفطية والمالية والاقتصادية والوبائية هي صناعة من أجل تحقيق تلكم الأجندات أم أنها طبيعية وتستغل سياسيا لتحقيقها – أي الأجندات؟ فالقناعة تذهب هنا، إلى أن تلكم الأجندات الكبرى، لا يمكن تمريرها إلا عبر أحداث كبرى، والمنظور العقلاني يطرحه بقوة على اعتبار أن تحقيق الأجندات الكبرى، يحتم ظروف ومتغيرات في وزنها، أي تحويل الثابت إلى متغير، وتحريك المتعارف المؤطر، وتفكيك ميكانزماته ببدائل تكون البيئات الداخلية المستهدفة مهيأة.

- ما دور صندوق النقد والبنك الدوليين في تلكم الأزمات؟ فمن خلال السياسة المالية التي يوصى بها، وانصياع بعض الدول لها، يتم صناعة هذه البيئات بصورة راديكالية، وتجعل المكون الاجتماعي، وخاصة فئة الشباب وفئة النخب المثقفة والنخب الفكرية المنشغلة بلقمة عيشها أكثر من أيديولوجيتها.

- ما دور صناعة الرعب الأمني لدول المنطقة في عملية التهيئة المجتمعية لتحقيق الأجندات الأجنبية الجديدة داخل المنطقة الخليجية؟

رابعا: الرهانات على عقل الدولة

كنت قد شاركت في حلقة نقاشية في مجلس الدولة قبل أكثر من عام حول مستقبل الثنائية الديمقراطية في البلاد "مجلسي الدولة والشورى" وبعض الأفكار التي طرحتها، أجد بيئتها السياسية مواتية الآن، خاصة فكرة أن يكون مجلس الدولة عقل الدولة بكل مكوناتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويكون هاجسه الحفاظ على الثوابت في ظل المتغيرات، عقل يختار له الكفاءات والخبرات من مختلف الحقول، يملك التفكير السليم، ومتسلح بأدوات العلم والتخصص لدراسة ورسم خريطة بالتحديات والحلول، وترفد للسلطة السياسية في الوقت المناسب في ظل غياب مركز وطني للدراسات والأبحاث.

وحتى في حالة إقامة هذا المركز، فإن هذا العقل تحتم أهميته ماهيات تلكم الإكراهات التي تستوجب أن يكون لدى بلادنا أكثر من عقل يفكر في مالاتها، وكيفية مواجهتها الذكية دون مواجهة مع الخارج، وهذا سيضيف ميزة جوهرية على الأدوار الوطنية لمجلس الدولة، وسيجعلها أكثر تميزا عن الشريك الآخر، وهو مجلس الشورى الذي يخرج أعضاءه من صناديق الانتخابات، مما قد نشهد اختلافًا في جودة أعضائه من فترة لأخرى، كما يكون تركيزهم على قضايا تفاعلية تهم الجمهور الانتخابي.

سيكون من أهم أولويات هذا العقل مثلا دراسة الإكراهات الجديدة التي تحدث داخل المنطقة الخليجية، وتأثيراتها على هويتنا الوطنية، وكذلك على الشخصية العمانية، فالإصلاحات الاجتماعية التي تحدث في هذه المفاصل، وعلى مقربة من حدودنا تمس جوهر الهوية الخليجية، وتدخل مجتمعاتها في أنماط وسلوكيات تحمل مبررات الصراع المقبل، وهي تودع قيم الاعتدال والتسامح في الشخصية الخليجية.. القضية متشبعة، لكنني سأكتفي بما سبق ذكره، ففيه من الأعماق ما يفهم مباشرة.

• د. عبدالله باحجاج كاتب عماني مهتم بالشأن الخليجي