النباهة الاجتماعية في أزمنة الصراع

07 مارس 2026
07 مارس 2026

في محاولة قراءة الصراع الجيوسياسي والعسكري القائم حاليًا في منطقة الشرق الأوسط، والمتمثل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والآخذة في التوسع الإقليمي نجد أن هذه الأزمة تختبر حدودًا جديدة غير مسبوقة تاريخيًا؛ سواء كان على مستوى أشكال وآليات وتكتيكات المواجهة العسكرية، أو على مستوى مقاصدها وارتباط ذلك بمفاهيم (الأمن والسيادة)، أو على مستوى فكرة التحالفات واختبارات قوة وهشاشة تلك التحالفات، كما على مستوى الحالة الاقتصادية والقدرة المباشرة على تهديد ميكانزمات الاقتصاد العالمي من سلاسل الإمداد إلى أمن ممرات الطاقة الحيوية إلى حالة الأسواق العالمية.

وفي وسط ذلك كله بقدر ما يلقي هذا الصراع ثقلًا كبيرًا على منظومات السياسة والدفاع والتخطيط الاستراتيجي بقدر ما يختبر المجتمعات في وعيها، وولائها، وقدرات اكتفائها الذاتية، ومنظومة نباهتها المعرفية والاتصالية والتفاعلية. إن مثل هذه الأزمات بقدر كلفتها وخطورتها تعطي تشريحًا وتقييمًا لأبعاد متعددة في القدرة والجاهزية الوطنية في أبعادها المختلفة. وفي عصر أصبحت فيه مستويات الاستهداف تأخذ أبعادًا وأشكالًا جديدة ناشئة أصبحت نباهة المجتمع، وتطور تلك النباهة وإثراؤها جزءا لا يتجزأ من تلك الجاهزية الوطنية، بل هي أصل متين تقوم عليه وتستديم.

الذي يجعل هذا الصراع مختلفًا عن أحداث قريبة أو مماثلة في سياق المنطقة هو أنه يدور من الناحية الاستراتيجية حول خمسة مفاهيم رئيسية: الأول هو اختبار قدرة العالم في الذهاب نحو (التعددية القطبية) التي بدأت بعض ملامحها تتشكل في المواقف السياسية والاقتصادية تحديدًا في العقد الماضي. الاختبار الذي يطرح هذا الصراع هو: (من سيقف مع من؟ في ظل أحادية القطب التي لا زالت تحاول فرض سيطرتها وأعرافها وسيادتها على العالم).

أما المفهوم الثاني الذي يختبر فهو ما يعرف في الأدبيات بـ«الردع بالأفق Over-the-Horizon» بمعنى أن الفاعلين الرئيسيين مع ذهابهم للانخراط في المواجهة، ووجود أهداف شبه معلنة لغاية هذه المواجهة؛ فإن هناك حدودا معينة يرسمونها لضمان عدم الانخراط الكامل، أو التورط في حرب استنزاف سواء بالنسبة للطرف الأمريكي (الفاعل الرئيسي)، أو للأطراف الأخرى الفاعلة في الصراع. وبالتالي فإن الكثير من آليات هذا الصراع تقوم على الردع غير المباشر سواء بالضربات الجوية الخاطفة، أو الردع في وضعية الدفاع، وهو ما يغير مفهوم قواعد الاشتباك.

المفهوم الثالث الذي يختبر هو توسع الحرب لتشمل التهديد والفعل بالمواجهة السيبرانية، وإمكانية اختراق البنى التحتية الرقمية التي تتماس بشكل مباشر مع البنى التحتية الحيوية الأخرى المؤثرة في منظومات الأمن الوطني.

أما المفهوم الرابع فيتشكل من خلال استخدام الجغرافيا الاقتصادية (الممرات الحيوية، وعمليات نقل الطاقة، وأمن الإمدادات...) كأدوات فاعلة لتوازن القوة في هذا الصراع، وهو ما يحرك المواقف السياسية والدبلوماسية لأطراف من غير أطراف منظومة الصراع القائمة، ويعيد ترتيب أمد الأزمة أو أفقها أو طبيعة الفاعلين الرئيسيين فيها. أما المفهوم الخامس فيتشكل من خلال السعي لتقاسم الكلفة. إن توسيع دائرة الصراع القائم – أيما كان الموجه لهذا التوسيع – إنما هو في حقيقته أداة من أدوات الضغط السياسي، وفي الجانب الآخر محاولة لتقاسم الكلفة الكبرى لهذا الصراع وانعكاساته الاستراتيجية على الاقتصاد والمجتمع والحضور الدولي؛ وبالتالي فإن حرب السرديات هي جزء لا يتجزأ من دفع هذا التقاسم للكلفة تحت مسوغات دبلوماسية وسياسية مختلفة.

إن هذا الصراع كما أسلفنا يختبر النباهة الاجتماعية في كل أبعادها؛ فالمجتمعات في مثل هذه الأوضاع تدرك تحول مفهوم الأمن من مفهومه العسكري التقليدي إلى كونه مفهومًا شاملًا بما في ذلك الأمن الاقتصادي والسيبراني، وأمن التماسك الاجتماعي، وفي ذلك فهي تدفع باتجاه المساهمة في هذه المنظومة.

إن كل تلك المنظومات تتشكل من أفعال اجتماعية بسيطة؛ فإهمال اعتبار متعلق بالأمن السيبراني لمنظومة ما من شخص هنا أو هناك قد يهدد منظومة بأكلمها، ورفع الأسعار من قبل تاجر يستخدم الأزمة –بدون مبرر حقيقي– قد يخلق اضطرابًا مجتمعيًا واسعًا، ويمكن القياس على ذلك فيما يشكل منظومة نباهة المجتمع بأكمله في أوقات الصراع والأزمات.

وفي هذا السياق تبرز أهمية منظومات الاكتفاء الذاتي، وعليه؛ فالمجتمع النبيه هو الذي يطور بشكل مستمر تلك المنظومات مع دولته. فرواد الأعمال يسعون للانخراط في المشروعات التي تخدم سياق ذلك الاكتفاء، والعاملون في الاقتصاد التقليدي يسخرون المساحات التي يمتلكونها لتعظيم ذلك الاكتفاء، وتطوير منظومته، والدولة بدورها تنخرط في إيجاد السياسات وأشكال الدعم اللازمة التي يمكن أن تشجع على ذلك.

وجزء من منظومة الاكتفاء المنشودة هنا هو الاكتفاء المهاري والصناعي، وهذا يتحقق في شكل من أشكال بقناعة العديد من الطلبة والدارسين بالتوجه لخيارات التعليم التقني والمهني، ويتحقق كذلك بوجود استراتيجيات واضحة من الدولة لتأطير هذا المسار وتفعليه؛ باعتباره بوابة لتعزيز الإنتاج، والاكتفاء المهاري، والتحول الصناعي.

كما أن الحصانة المعرفية، والوعي الإعلامي ركنان أصيلان في النباهة الاجتماعية، وتتجسدان في الامتثال للسلطات النظامية وموجهاتها، وعدم الانخراط في حرب السرديات، ومحاولة وضع مسافة فاصلة لرؤيتها بشكل أعمق إضافة إلى المساهمة المسؤولة في دعم الرسالة الإعلامية والاتصالية الرسمية، والانخراط في السردية الوطنية، والتفكير النقدي إزاء ما يتداول من أخبار ومعلومات، وعدم المساهمة في بث معلومات –بشكل مقصود أو غير مقصود– قد تشكل ثغرات وطنية يمكن استهدافها في ظل الصراع الدائر، والاعتزاز والالتزام بموجهات الوحدة الوطنية، وكسر أي فضاءات أو مساحات من شأنها أن توظف إيديولوجيات سياسية أو دينية لمحاولة تفريق تلك الوحدة أو كسر تماسك الإطار الوطني الجامع.

إننا أمام اختبار حقيقي وأمام مشهد لا أحد رابح فيه، والاعتبار الأهم أمام كل ذلك أن ننتصر لسرديتنا المعهودة بأركانها الثلاثة المشهودة تاريخيًا: الدعوة الدائمة للسلام، وخلق سرديتنا الوطنية القائمة على التعقل، والتحزب للحق وحده ونصرته.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان