الخليج في مرمى الصراع.. كيف يتجنب الحلفاء النيران؟
13 أبريل 2026
نيل كويليام - سانام وكيل - ترجمة: نهى مصطفى
13 أبريل 2026
ربما تكون إسرائيل والولايات المتحدة قد شنتا الحرب على إيران، لكن دول الخليج العربي هي التي تتحمل وطأة رد طهران. فمنذ 28 فبراير أمطرت طهران فنادق ومطارات الخليج بالصواريخ والطائرات المسيرة، وألحقت أضرارا بالغة في البنية التحتية للنفط والغاز. وأعلنت شركات الطاقة الوطنية في البحرين والكويت وقطر حالة القوة القاهرة؛ لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
بالنسبة لدول الخليج يمثل هذا الصراع لحظة فاصلة. ورغم أن ذلك لا يقال علنا دفعت الحرب قادة المنطقة إلى إعادة النظر في علاقاتهم مع الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب بالرغم من أنهم رحبوا بإعادة انتخابه؛ تقديرا لنهجه القائم على المصالح، وكان مستعدا لإبرام صفقات اقتصادية دون اكتراث لتضارب المصالح. بل شعرت بعض العواصم بقدرتها على التأثير فيه؛ ففي مايو 2025 أقنعته السعودية برفع العقوبات عن سوريا، ودعم قيادتها الجديدة.
لكن في هذه الجولة لم تلق تحذيرات الخليج أي اعتبار؛ فقبل اندلاع المواجهة عارض القادة بشدة فتح جبهة جديدة مع إيران، ودعوا إلى استمرار المسار التفاوضي. ورغم ذلك مضى ترامب في قراره مانحًا أولوية لرغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سعى منذ وقت طويل إلى عملية عسكرية حاسمة ضد طهران.
تدرك دول الخليج اليوم أن تقلب مواقف واشنطن قد يحمل مخاطر حقيقية، وأن أولوياتها لا تتطابق دائما مع مصالحهم. ومع ذلك يظل الابتعاد عنها خيارا معقدا؛ إذ لا توجد قوة أخرى قادرة على ملء الفراغ، خاصة بعد فشل محاولات التقارب مع إيران في وقف هجماتها، وعدم قدرة التنسيق غير المعلن مع إسرائيل على منع التصعيد؛ لذلك تبقى الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على توفير مظلة أمنية في الوقت الراهن.
مع ذلك تحتاج دول الخليج إلى استعادة قدر من الاستقلالية، ويتطلب ذلك تحركا سريعا نحو صياغة استراتيجية تقلل التصعيد، وتعزز المرونة، وتحمي مسار النمو الاقتصادي. كما يستدعي تجاوز نمط الاعتماد التقليدي على واشنطن، والعمل على بناء توازن إقليمي جديد من خلال فتح قنوات دبلوماسية بين القوى المتنافسة، وتطوير شراكات أكثر استدامة داخل المنطقة وخارجها.
يثير واقع الشرق الأوسط الحالي قلقا متزايدا لدى قادة الخليج، ويأتي التصعيد الإسرائيلي في مقدمة هذه المخاوف؛ فبعد أن نظر بعض المسؤولين إلى إسرائيل كشريك أمني واقتصادي مفيد تحولت اليوم إلى عامل عدم استقرار مع تراجع أي قدر من الحذر في سلوكها. كما أن تجاهلها تطلعات الفلسطينيين أسهم سابقا في إشعال التوترات، وينذر بموجات عنف جديدة، فضلا عن استمرار تركيزها على إضعاف إيران دون اكتراث بتداعيات ذلك على الدول العربية، بل استعدادها لضربها عند الحاجة، كما حدث في قصف مجمع سكني في قطر في سبتمبر 2025.
ورغم إصدار ترامب لاحقا أمرا تنفيذيا يلزم واشنطن بالدفاع عن قطر لطمأنة حلفائها؛ فإن هذا الالتزام لم يمنع تعرض دول الخليج لتداعيات الحرب التالية على إيران. فقد أعطت الولايات المتحدة الأولوية للدفاع عن إسرائيل، ما ترك دول الخليج تواجه الهجمات الإيرانية، وتعاني اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز، وتراجع صورتها كبيئة آمنة للأعمال.
تكمن المشكلة الأعمق في الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في المجال الأمني؛ إذ تعتمد دول الخليج على أنظمة وتسليح أمريكي، والدعم اللوجستي والاستخباراتي إلى جانب استضافة قواعد عسكرية أمريكية، ما يمنح واشنطن سيطرة كبيرة على توقيت وشكل التزاماتها. ورغم تصنيفها كحلفاء رئيسيين من خارج الناتو فإن تأثير هذه الدول في السياسات التي تمس أمنها يبقى محدودا.
على المدى القريب سيظل التعاون مع واشنطن ضروريا، خاصة في مجالات الدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات والأمن البحري، لكن في المقابل يتزايد التساؤل داخل المجتمعات الخليجية حول موثوقية هذا الاعتماد. لذلك يصبح من الضروري السعي إلى قدر أكبر من الاستقلالية عبر تعزيز التعاون الإقليمي رغم ما يعوقه من تنافسات ومخاوف سيادية. وتوفر الأزمة الحالية فرصة لدفع هذا المسار بدءا بدمج أنظمة الدفاع الجوي، وتوسيع تبادل المعلومات، وإنشاء شبكات إنذار مبكر مشتركة.
كما تحتاج دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية عبر توثيق التعاون مع قوى أخرى مثل: الهند وباكستان، وتعزيز التنسيق الإقليمي مع دول مثل: مصر والأردن في أمن البحر الأحمر إلى جانب التعاون مع تركيا في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي مع الحفاظ على توازن حذر في الانفتاح على الصين.
من المرجح أن تأخذ هذه الترتيبات طابعا «محدود الأطراف»؛ بحيث تضم عددا قليلا من الدول يركز على مهام محددة، مثل تأمين الممرات البحرية، أو تنسيق الدفاع الصاروخي، أو مواجهة الطائرات المسيّرة. ويكون إنشاء مثل هذه الأطر المرنة أسهل من بناء منظومات أمنية شاملة، كما أنها أقل جمودا من التحالفات التقليدية. ورغم أن هذه الترتيبات لن تحل محل الولايات المتحدة كشريك أمني رئيسي؛ فإن تنويع الشركاء يمنح دول الخليج قدرا أكبر من الاستقرار والنفوذ في التعامل مع واشنطن.
غير أن حماية دول الخليج لن تتحقق عبر الشراكات الدفاعية وحدها، بل تتطلب أيضًا حضورًا فاعلًا في المسارات الدبلوماسية الإقليمية. فهذا الدور ليس جديدا عليها؛ إذ اضطلعت عُمان وقطر والإمارات بوساطات متعددة خلال العقد الماضي. ورغم أن هذه الجهود لم تمنع التصعيد الأخير؛ لا تزال الدبلوماسية أداة أساسية للتأثير في مسار الأزمات دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية.
ينسجم هذا التوجه مع رؤية خليجية أوسع تقوم على إدارة التنافس بدلا من حسمه. وقد يدفع ذلك نحو إنشاء آليات أمنية تهدف إلى الحد من التصعيد بين القوى المتنافسة.
ورغم صعوبة قيام نظام أمني إقليمي شامل على غرار اتفاقيات هلسنكي؛ نظرا للانقسامات العميقة؛ فإن ترتيبات أكثر تواضعًا تظل ممكنة، مثل: أطر التنسيق البحري، وقنوات الاتصال، وأنظمة الإنذار المبكر التي تشمل دول الخليج ومصر والأردن وتركيا. كما يمكن لخطوط الاتصال العسكرية الآمنة أن تقلل مخاطر سوء التقدير في أوقات التوتر.
في المقابل تسعى إسرائيل إلى هزيمة إيران لا احتوائها، لكن الجغرافيا تضمن بقاء طهران عنصرا ثابتا في معادلة أمن الخليج، ما يفرض على دوله التعامل معها بوصفها واقعًا لا يمكن تجاهله. عكس التقارب السعودي الإيراني في السنوات الأخيرة إدراكا متزايدا لأهمية الحوار في ضبط التوترات. ولا يعني ذلك التخلي عن التنافس، بل تبني استراتيجية مزدوجة تجمع بين الردع والانخراط. وتؤكد التحركات الدبلوماسية الأخيرة هذا النهج؛ إذ يدرك قادة الخليج أن الاستقرار يتطلب إدارة العلاقة مع إيران كما هي، لا كما يتمنونها.
لا ترغب دول الخليج أيضا في أن تتحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة في المنطقة؛ إذ يثير تصاعد استعدادها لاستخدام القوة مخاوف متزايدة من تداعياته؛ فقد وضعت حرب غزة، وتسارع ضم الضفة الغربية، والعملية البرية في لبنان التي استولت خلالها إسرائيل على نحو 30% من أراضيه وشردت مليون شخص، حكومات الخليج تحت ضغط داخلي كبير لاتخاذ موقف أكثر صرامة.
ويمثل التوازن الإقليمي شرطا أساسيا لتحقيق هدف الخليج الاستراتيجي المتمثل في تنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط. فنجاح مبادرات مثل رؤية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات للتنويع يعتمد على بيئة مستقرة، ومسارات تجارية آمنة، وتدفق مستمر للاستثمارات الأجنبية.
لذلك تفضل دول الخليج نظاما إقليميا يحد من حدة التنافس الجيوسياسي، ويعزز التكامل الاقتصادي بما يشمل إيران. ومن شأن توسيع الروابط التجارية أن يخلق مصالح مشتركة تدعم الاستقرار، غير أن تحقيق هذا التوازن يظل صعبا في ظل تصاعد الصراعات.
انتهى زمن اعتماد دول الخليج على قوى خارجية لإدارة أمنها الإقليمي. ولحماية مصالحها بات لزاما عليها بناء قدرات جماعية، وإدارة التنافسات، وصياغة موازين القوى بنفسها. ورغم أن هذه الخطوات لن توقف الحرب الحالية التي تتحكم فيها إلى حد كبير إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؛ فإنها تمكن دول الخليج من التأثير في البيئة التي تتكشف فيها تداعيات الصراع، والمساهمة في الحد من خطر اندلاع مواجهات جديدة.
