الإستقطاعات التاريخية للجوع العالمي المقبل.. واستشرافاته المعاصرة

01 يونيو 2022
01 يونيو 2022

العالم يسير بسرعة زمنية فائقة نحو مجاعة عابرة الحدود، ومؤشراتها الآن قوية، وما تحمله الآفاق مخيفة، فكل المؤسسات الدولية الحكومية والمستقلة تحذر منها، وتذكرنا بتلك التي حدثت في الحقب الزمنية السابقة، وتكاد تكون هي الأسباب ذاتها القديمة، كالحروب والحصار والتغييرات المناخية، ويمكن أن نضيف إليها التضخم وشبح الفيروسات كفيروس «كوفيد-19» - لا سمح الله.

الذي يقلقني في هذا الملف هو تداعيات الجوع من الناحيتين الاجتماعية والسياسية وتأثيرهما على استقرار الدول ووحدتها الترابية في ظل الأطماع الجيوستراتيجية المعاصرة.

وكل من يفتح التاريخ سيشاركني القلق، وكمقترح استدلالي ندعو إلى فتح المجاعة في المنطقة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكنموذج الامبراطورية العمانية، وخاصة الأوضاع في زنجبار، واستدعاءها في أي أزمة مماثلة أو شبيهة حديثة، خاصة أن هناك ما يدعو لهذا الاستدعاء، ويقال منقولا عن «شيوبتنا» أن أهل ظفار قد لجأوا إلى زراعة الفندال «البطاطا الحلوة» وقت المجاعة، كما وجه السلطان تيمور إلى زراعة منطقة حمران عبر الاستفادة من عيون مياه حمران ورزات، وتمكن أهل ظفار من تجاوز المجاعة، وتحقيق الفائض.

وسيخرج كل باحث في تاريخ المجاعات أن المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الكبرى لن تفيد في زمن المجاعة العالمية، لأنها هي نفسها ستكتوي بنيرانها، ولعل الحرب الروسية على أوكرانيا، وأزمة كورونا، وإسقاط بعض الدول الكبرى في الأزمة الأخلاقية بمنعها تصدير الدواء أو حجز السفن وتفريغ حمولتها من الأدوية داخلها، ومنعها من أن تذهب لوجهتها الجغرافية، وإغلاق الحدود البرية والسماوات المفتوحة، تذكرنا بمواقفها التاريخية نفسها إبان الحربين، عندما كانت أساطيلها الحربية تسيطر بالقوة على السفن التي تحمل منتجات ومواد زراعية، وتحولها إلى بلدانها.

لذلك، لم نستغرب من السقوط الأخلاقي لهذه الدول في أزمة كورونا، فهي تستمد جذوره من هذا التاريخ، وليس هناك ضمانات من عدم استنساخه مستقبلا؟ وتجربة مسقط مع إحداها في زنجبار العمانية التاريخية عام 1019، تمنحها الآن مجموعة دروس ينبغي أن تستفيد منها، ونحصرها في مسألتين هما:

- تصحيح اختلالات تجارتها الداخلية.

- السرعة في تأمين مستقبل غذائها من داخلها أولا، وبالشراكة مع الأشقاء والأصدقاء ذات الثقة والمصداقية.

واستدعائي للبعد التاريخي يهدف إلى وضع الاهتمامات السياسية في قلب القلق السابق لأوانه من الآن، لتفادي بواعثه مسبقا، وذلك لخطورة الأزمة الغذائية المقبلة، خاصة أن هذه القضية لم تلاقِ حتى الآن الاهتمام المستحق بها، ولا تعكس المنظومة المؤسساتية المعنية بالأمن الغذائي الراهنة، إنها تمضي في مستوى مواجهة التحديات الكبرى بالسرعة المطلوبة رغم ما تحققه من نجاحات.

وعندما كنت أتحدث مع ثلاثة مسؤولين كبار في ملف الأمن الغذائي، لم اكتشف عندهم حجم القلق من المستقبل، ويراهنون على المسارات الراهنة، ويعتبرونها كافية، ربما لم تصلهم رسائل الجوع التاريخية سواء تلك التي عرفتها بلادنا أو المنطقة أو العالم، وربما ينظرون للتحذيرات العالمية من منظور خارجي، أي غير معنية بها بلادنا، ولا يتصورون مجاعة عابرة للحدود، لذلك ندعو إلى قراءة تاريخ المجاعات وانعكاساتها الوجودية على الدول، وتآمر الضامن الدولي على الدول التي معها اتفاقيات حماية.

ومنذ أن فتحت تراثنا التاريخي مع صديق عزيز مطلع به أكثر مني، تعمّقت بدوري في تاريخ المجاعات وتعاقبها، ووصلت لقناعة التسليم بحدوثها خلال حقب زمنية متتالية من حيث المبدأ، فكيف الآن بعد توفر معطياتها؟ وكيف في ظل وجود الاختلالات الداخلية التاريخية نفسها، كسيطرة فئة من الوافدين على التجارة في بلادنا، وكذلك عدم مواكبة قوة التنفيذ لنفس قوة الإرادة السياسية للأمن الغذائي، تسيطر على فكري مقارنة ربط واقعنا بماضينا، كدروس للمستقبل، ولا يمكن تجاهلها، وهو ما ينبغي القيام به فورا، فالحاضر ينسخ تحديات الماضي، ويرفع القلق من تجدد وتطور انعكاساتها مستقبلا.

وكل مطلع على التعدد والتنوع المؤسساتي للأمن الغذائي العماني، سيراها متباعدة عن بعضها البعض رغم نجاحات معتبرة في تحقيق بعضها، ورغم وجود تنسيق دوري فيما بينها، لكنه ليس المأمول، ولا يمكن أن يظل الوضع قائما، والسكوت عليه في ظل ما يهدد العالم من مخاطر أزمة غذائية كبرى، وعابرة للحدود، وانتهاء عصر الغذاء الرخيص.

وقد فتحت حوارا نقاشيا عبر الهاتف مع المهندس صالح بن محمد الشنفري الرئيس التنفيذي للشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة منذ ديسمبر2021، ووجدته يستعد للتقاعد بعد «25» عاما من الخبرات التراكمية، ويرى أن طبيعة المرحلة الراهنة تحتاج إلى عمل تضامني تكاتفي بين كل المؤسسات في الدولة المعنية بالأمن الغذائي، ويدعو إلى مراجعة منظومة التشريعات والدعم، ووضع الأولويات فيما يتعلق بالمواءمة بين القضايا والقرارات.. الخ.

وقد قادتني المفردات التي تبناها الشنفري خاصة دعوته للتضامن والتكاتف المؤسساتي، إلى الدعوة لاستحداث منصب وزير دولة للأمن الغذائي، يكون مسؤولا سياسيا عن وحدة التعدد والتنوع المؤسساتي، وتحقيق أولويات الأمن الغذائي، وتذليل الصعاب، وهو منصب تعمل به بعض الدول، وهو وزير بلا حقيبة وزارية، ويكون عضوا في مجلس الوزراء، ويتبع رئيس المجلس مباشرة، وإلا فكيف يحدث هذا التضامن والتكاتف في ظل استفراد كل وزير بصلاحياته التنفيذية، مهما كانت جدوى التنسيق فيما بينهم، ومن سيدعو إلى مراجعة منظومة التشريعات والدعم.. إذا لم تكن هناك قيادة سياسية وتخصصية للتعدد والتنوع المؤسساتي.

وبدون ذلك سيعمل هذا التعدد المؤسساتي وتنوعه في إطار الاتجاهات العامة ومن منظور صلاحيات كل مؤسسة، وسيغيب عنها التاريخ وتحدياته، والسياسة المعاصرة وإكراهاتها، بدليل استمرارية احتكار الفئة الآسيوية للتجارة، ولم تستغل مواردنا الطبيعية حتى الآن الاستغلال الذي يطمئن مسيرنا، رغم أننا لا ننكر وجود جهود تبذل، لكن في إطار الفردانية، هناك بطء في الحركة والعمل، لأن ملف الأمن الغذائي ليس من اختصاصاتها الحصرية، فهو يقع ضمن مجموعة اهتمامات لها، فإين توزع اهتماماتها ومواردها المحدودة؟

وقد تمت إقامة مكتب لتطوير منطقة النجد الزراعية، ومنح صلاحيات اللامركزية ومهام جسام لجعل منطقة النجد التي تتمتع بمقومات طبيعية وبيئة ذات أراضٍ خصبة تمتد لأكثر من 40 ألف كيلومتر مربع، سلة غذاء واعدة قد تلبي الاحتياجات الخليجية، لكن، لا يزال هذا المكتب ينتظر قرارات تفعيله رغم أهمية عنصر الزمن، ولما سألت المهندس الشنفري عن منطقة النجد الزراعية، أجاب أننا سنسمع قريبا أخبارا سارة، ولما سألته عن طبيعتها؟ رد قائلا، هي المطالب التي بها في مقالاتك، وهذه بشرى سارة للمزارعين، وإن جاءت متأخرة، ورغم ذلك لا نزال ننتظر الكشف عنها.

وما نطالب به للمزارعين، الملكية أو رسوما معقولة تأخذ بعين الاعتبار الزراعة في صحراء الربع الخالي، بمناخاتها القاسية، وبعدها عن صلالة، وكذلك دعم متعدد الأشكال، كقروض ميسرة، وعودة بنك الزراعة، وإلغاء اندماجه في بنك التنمية، وذلك حتى يتفرغ لدعم متطلبات الأمن الغذائي، واستحقاقاته الزمنية.. الخ والانتقال إلى استخدام الطرق الحديثة في الزراعة والحصاد والتخزين، والاتجاه إلى زراعة المحاصيل التي تحقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية في السلطنة، ولم يعد هناك أي شيء لم يتم إنتاجه الآن في النجد، كالقمح والذرة والتمور والبصل والثوم والكوسا والبطاطس والباميا والباذنجان.. الخ.

وكذلك ننتظر نجاح جعل سلطنة عمان مركزًا لوجستيًا للحبوب بشكل خاص والأغذية بشكل عام، كما أعلن عنه، بحيث يتم استيراد المنتجات الغذائية ثم تصنيعها وإعادة تعبئتها وتصديرها إلى الخارج، وبالتالي نضمن وجود غذاء صحي آمن داخل السلطنة من السلع الغذائية إضافة إلى تصدير الفائض إلى دول المنطقة، وهذا المركز سيكون داعمًا للأمن الغذائي المنتج محليا، ومما تقدم، نلاحظ أنه تتوفر للأمن الغذائي إرادة سياسية قوية، وأفكار وخطط لبلورته رائعة، لكن هذه الأخيرة تحتاج لمن يجمع التعدد، ويوحد التنوع، ولديه هاجس بالتاريخ، ومخاوف تكراره سياسيا، ولديه علم وثقة بإمكانات موارد بلاده الطبيعية.

ولو تأملنا في منصب «وزير دولة» بمحدداته سالفة الذكر، سنرى أن طبيعة التحولات الكبرى لـ«رؤية عمان 2040»، تحتاج إليه لتحقيق أجندتها الكبرى، فهناك حاجة كذلك مثلا، لوزير دولة للاقتصاد الرقمي والتكنولوجي.. الخ لتحضير البلاد لمواجهة تحديات الثورتين التكنولوجية والصناعية الرابعة، اللتين من خلالهما ستصنفان الدول بين المتأخرة والمتقدمة، وهناك الآن عدة مؤسسات معنية بهذا الملف، فهل من خلالها سنحقق الاختراق زمنيا.

واستحداث هذا المنصب، يشترط أن لا يكون ذلك على حاسب الترشيق الحكومي، أو زيادة الأعباء المالية على الدولة، وإنما يكون مرتبطا بإعادة ثانية لهيكلة جهاز الدولة، وهناك ما يدعو لهذه الإعادة من حيث المبدأ، خاصة بعد تجربة إعادة هيكلة الحكومة وتجديدها عام 2020، وكذلك في ضوء مسلمات تحديث مسمياتها لتتواكب مع حتميات الثورتين التكنولوجية والصناعية الرابعة، من هنا، يدخل استحداث وزير دولة للأمن الغذائي ضمن تلكم الشروط الوجوبية للدواعي سالفة الذكر.