اغتيال خامنئي نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط
01 مارس 2026
01 مارس 2026
أي ادعاء بأن اغتيال آية الله علي خامنئي إثر العدوان الأمريكي والإسرائيلي الجديد على إيران هو حادث خطير ولكنه لن يؤثر على مجرى هذه الحرب ولا على مستقبل النظام هو إما تفكير بالأماني أو احتقار للعقول.
فعلى الرغم من أن خامنئي لم يمتلك كاريزما جمال عبد الناصر فإنه من المنطق توقع أن يشكل رحيله نقطة تحول خطيرة في تاريخ الشرق الأوسط كما فعل غياب عبدالناصر الذي انقلبت توجهات المنطقة وشؤونها رأسا على عقب بعد وفاته.
لم يمتلك خامنئي أيضا كاريزما قائده وسلفه مؤسس الجمهورية الإمام الخميني لكن تأثير اغتياله مع نحو ٤٠ قيادة عسكرية وسياسية إيرانية على استمرار نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيكون أكبر بكثير من اغتيال المؤسس.
قاد الخميني الثورة لكن السنوات العشر العاصفة التي حكم فيها بما شهدته من حرب السنوات الثماني مع العراق والتصدي للمعارضة المسلحة لمجاهدي خلق واغتيال عدد هائل من قيادات الثورة مثل آية الله بهشتي؛ لم يسمح للمؤسس ببناء هيكل واضح لمؤسسات النظام السياسي وتحديد العلاقات بينها وبين بعضها البعض وبينها جميعا وبين المرشد.
بعبارة أوضح فإن النظام الهيراركي المركب القائم للجمهورية الإسلامية الذي عرفه الإيرانيون والإقليم والعالم هو من صنع خلفه آية الله خامنئي وهو الذي تمتع فيه بالكلمة الأخيرة والسلطة المطلقة في قرارات السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية.
خامنئي أيضا هو باني النفوذ الإقليمي لإيران في الأعوام الـ ٣٧ الأخيرة ومنشئ ما يعرف بمحور المقاومة الإقليمي ضد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية الذي حول انتصار الخميني على نظام الشاه من حدث محلي وإقليمي إلى تغيير جيوسياسي.
لهذا؛ أيا كان اتجاه الريح في تحديد صورة النظام السياسي الإيراني القادمة وماهية الخليفة الجديد الذي سيحل محله فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي عرفها العالم منذ ٧٩ وبالتحديد منذ تولي خامنئي السلطة ٨٩ لن تعود كما كانت.
كما أن الشرق الأوسط كله وعلاقات القوة بين وحداته الإقليمية وبينها وبين القوى العالمية ستتغير تغيرا كبيرا.
وفي أي تقدير موقف مبدئي لا بد من القول إن هناك عناصر حاكمة للانقلاب المتوقع في شؤون المنطقة وشؤون إيران ستتحدد بها السيناريوهات المقبلة.
مسار الحرب
عندما يحدث تطور مفصلي مثل اغتيال القائد الأعلى للقوات المسلحة والحرس الثوري في خضم حرب ما؛ فإن مسار هذه الحرب سيكون العامل الحاكم الحاسم في تحديد مستقبل النظام الإيراني ونوعية الخلفاء المحتملين.
ومع هذا، فإن قدرة إيران على الصمود العسكري وتحويل الحرب من حرب قصيرة خاطفة إلى نوع من أنواع الحروب غير المتكافئة التي تقوم على معادلة الاختلال في ميزان القوى العسكرية والتكنولوجية لصالح العدو بحرب استنزاف طويلة مرهقة قد تدفع الأقوى إلى التوقف وعدم تحقيق أهدافه كاملة.
إذا لم تفلح إيران في الحفاظ على قوتها الصاروخية، ولم تنجح في استخدامها بأكبر فعالية ممكنة وبأكبر حذر اقتصادي يمنع استهلاك مخزونها بسرعة، ولم تتمكن من إيلام أمريكا وإسرائيل بخسائر بشرية موجعة في القوات للطرف الأمريكي وفي صفوف المدنيين في الطرف الإسرائيلي، ولم تكبد أمريكا خسائر في إمدادات الطاقة وأمن الملاحة والممرات البحرية وتضع أمريكا في وضع الحليف الذي لا يوثق به أمام حلفائه في المنطقة؛ فإن تغييرات ما بعد خامنئي في بنية النظام العقائدية وتوجهاته الثورية المعادية للغرب ستكون تغييرات ذات طابع جذري.
من بين المعاني في هذا أن الشعب الإيراني العريق الذي لم يكن مرشحا أبدا للانقلاب على النظام لتأييد عدوان خارجي على بلاده أو استجابة لدعوات ترامب ونتنياهو قد ينقلب على النظام إذا هزم عسكريا هزيمة صريحة خاطفة، هنا سيكون الخروج نوعا من الاحتجاج على الإهانة القومية بسبب عار الهزيمة التي تسبب فيها نظام فقد شرعيته لعجزه عن حماية سيادته الوطنية.
درجة وسرعة تماسك النظام
عامل آخر حاكم يتمثل في الدرجة التي سيتماسك بها أو لا يتماسك بها النظام بعد الضربة المؤلمة بعد اغتيال خامنئي الذي لم يكن فقط مرشدا أعلى للنظام بل كان نقطة التماسك التي يجتمع فيها وعليها وتلتقي عندها كل خيوط النظام وعلاقات الاصطفاف أو التنافس بين نخبه السياسية والعسكرية والفقهية الدينية.
إذا تماسك النظام بسرعة وفعالية وعبرت نخبته الإصلاحية والمحافظة عن لحظة وحدة تتجاوز التنافس التاريخي بينهما واستطاعوا الاتفاق على مرشد أعلى للبلاد وليس قيادة مؤقتة فإن فرص الصمود في الحرب وتطويل مداها ستتحسن وفرص إلحاق الهزيمة بإيران ستقل.
إذا فشلت النخب في التوافق فقد يفرض عليهم هذا التماسك من العسكريين وبالتحديد من الحرس الثوري صاحب النفوذ وسيغير هذا من بنية النظام نحو نظام أمني وعسكري متشدد يتراجع فيه نفوذ السياسة ونفوذ المؤسسة الدينية، وقد يفشل الجميع ـ مدنيون وعسكرـ في التوافق، وهنا نحن أمام خطر هدم النظام السياسي وفقدان سيطرة المركز على جغرافيا إيران الشاسعة وملايينها التي تقترب من المائة.
مع عناصر أخرى حاكمة لا تسمح بها مساحة المقال وتستحق تفصيلا لاحقا، لا بد من الالتفات إلى سيناريوهات متوقعة:
سيناريو تقدم المحور الأمريكي الإسرائيلي الإبراهيمي وحصار الدول المركزية والقديمة في العالم العربي؛ إذا خرج النظام السياسي للجمهورية الإسلامية سليما نسبيا من فراغ السلطة بعد خامنئي وبعد انقشاع غبار الحرب فإنه أيا كان الخليفة معتدلا مثل روحاني أو متشددا من الحوزة الدينية أو النخبة العسكرية فإنه سيكون مضطرا لسلوك انكفائي على الداخل وحضور باهت في الشأن الإقليمي والدولي.
هذا التراجع الإيراني إذا استمر معه الاستسلام التام من النظام العربي للولايات المتحدة والمنهج البراجماتي والعضوية الأطلسية للقيادة التركية فسيسمح هذا بتقدم مخيف لنفوذ الحلف الجيوسياسي الذي بشر به نتنياهو الذي يقوم على ركيزتي الاتفاقات الأبراهيمية وتحالف I2U2 الممتد من الهند إلى إثيوبيا ومن أذربيجان لأقصى الشمال الإفريقي والبحر المتوسط وبحر إيجة.
هذا التقدم ـ إذا استمر التراجع الإقليمي الإيراني واستمر التحفظ الصيني والروسي الذي يراه البعض خذلانا لحليفتهما طهران ـ فإنه سيتحول تدريجيا وربما بسرعة إلى انتصار تام، أي إلى واقع جيوسياسي شرق أوسطي جديد تحاصر فيه الدول المركزية والقديمة ذات التاريخ في العالم العربي لصالح دول صغيرة ذات طموحات مبالغ فيها.
سيطرة هذا التحالف يعني العودة بالعالم العربي لعصر الاستعمار وعصر ما قبل التحرر الوطني واستقلال الدول العربية.
يتفق هذا السيناريو مع التقديرات التي قدمت لترامب من مؤسسات الدولة الأمريكية التي ترى أن تغييرات ما بعد خامنئي وما بعد الحرب قد تقود لأوضاع سيطرة تامة لأمريكا على المنطقة لأجيال قادمة.
تحت حكم هذا الحلف ستوكل واشنطن لإسرائيل الهيمنة باسمها على دول المنطقة تساعدها الهند وإثيوبيا والدول الإبراهيمية.
الدول العربية التي تراجعت عن الدخول في المشروع الإبراهيمي ستضطر للدخول فيه.
قضية فلسطين ستعدم سياسيا وتتحول لمشروع أمني لضمان أمن إسرائيل ومشروع اقتصادي يغري الفلسطينيين بفرص عمل أو بالهجرة.
مشروع التهجير سيتم تفعيله في اتجاه مصر والأردن وقد لا يحتاج مع اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل إلى استخدام القوة لفرضه.
سيناريو الفوضى هو سيناريو آخر متوقع يمكن أن يجتاح الشرق الأوسط؛ فكما تعلمنا خبرات تدخل أمريكا البشع في إشاعة الفوضى وخلق بيئة مواتية للإرهاب في العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان من حيث إنها تبدأ الحرب والتدمير ولكن ليس لديها أي تصور لليوم التالي.
من المحتمل أن يؤدي التعجل الأمريكي لإسقاط النظام الإيراني وعدم وجود البديل خاصة مع عدم قبول الإيرانيين لرضا بهلوي إلى فقدان سيطرة المركز على مساحة جغرافية شاسعة وقوميات وإثنيات مختلفة تتكون منها الأمة الإيرانية. أزمات لاجئين وهجرة وعنف مسلح وإرهاب مجموعات منظمة أو ذئاب منفردة وحروب عرقية وطائفية، وتفكك دول وطنية لدويلات يسهل سيطرة الدولة الإمبريالية الصغيرة، دولة الاحتلال الاستيطاني، على ثروات العرب وممراتهم البحرية.
تراجع فرص انتهاء نظام القطب الواحد المهيمن وتراجع فرص قيام نظام عالمي عادل ومتوازن متعدد الأقطاب، إذا خسرت إيران الحرب أو سقط نظامها أو اجتاحت الفوضى المنطقة ستتراجع فرص تغيير النظام الدولي لسنوات عديدة للوراء ولن تحصل الصين على هدفها الاستراتيجي في تحويل تفوقها الاقتصادي لدور سياسي عالمي وستظل واشنطن بقوة السلاح واليد العارية مهيمنة على العالم.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري
