أوروبا والتخلي عن الناتو

14 يناير 2026
ترجمة: قاسم مكي
14 يناير 2026

في القرن السادس عشر وضع رسام الخرائط جيراردوس ميركاتو خريطة للعالم بقصد مساعدة البحارة. في تلك الخريطة التي تُضخِّم المناطق القطبية، ولازالت تُستخدم على نطاق واسع حتى اليوم، تبدو جزيرة جرينلاند أكبر من أمريكا اللاتينية، وفي حجم إفريقيا تقريبا؛ لكن في الواقع كلا القارتين أكبر منها بأضعاف في المساحة.

ربما ساهم ذلك الحجم الكبير والخادع لجرينلاند (في خريطة ميركاتو) في إذكاء رغبة دونالد ترامب في الاستيلاء على الجزيرة.

قال الرئيس الأمريكي في إحدى المرات لمن أجروا معه مقابلة «أنا أحب الخرائط. ودائما أقول: انظروا إلى حجم هذه (جرينلاند) إنه ضخم. ويجب أن تكون جزءا من الولايات المتحدة».

الدنمارك التي تملك حق السيادة على الجزيرة ستمنح الولايات المتحدة بكل سرور كل المرافق العسكرية التي تحتاجها، وأيضا ستتيح لها إمكانية الحصول على المعادن الحيوية (العناصر النادرة) في جرينلاند. لذلك لا توجد حالة استراتيجية تقتضي ضمها بواسطة الولايات المتحدة. أنانية الرئيس هي التي تحرِّك سياسة الضم.

تحدث ترامب بلهجة تنطوي على تهديد عن الاستحواذ على جرينلاند إما بالحسنى أو «بالطريقة الأكثر غلظة» في إشارة واضحة إلى استخدام القوة. قالت ميته فريدريكسن رئيسة الوزراء الدنماركية ردًا على تهديدات ترامب  إن ضم جرينلاند سيعني نهاية حلف الناتو. ويقر نيكولاس بيرنز السفير الأمريكي السابق للناتو بأن غزو الولايات المتحدة «سيدمّر الناتو».

ربما سيحاول بعض الأعضاء الأوروبيين في الناتو الحفاظ على الحلف حتى إذا غزت الولايات المتحدة جرينلاند. وسيبررون ذلك بأنهم لا يزالون بحاجة إلى الحماية الأمريكية من روسيا. لكن حلفا عسكريًا قائمًا على دفاع مشترك لا يمكن أن يبقى إذا هاجم أحد أعضائه عضوًا آخر. فلن توجد قيمة لأية ضمانة أمنية أمريكية لأوروبا بعد ذلك. وحتى إذا حاول بعض الأوروبيين التشبث بحطام الناتو سيغرق الحلف في نهاية المطاف تحت أمواج شمال الأطلسي.

الخيار الأول الذي تفضله حكومة الولايات المتحدة هو بوضوح إجبار الدنماركيين على بيع جرينلاند. لكن حتى ذلك سيشكل عملًا عدوانيًا غير مسبوق ضد حليف ومن شأنه تهديد بقاء الناتو.

لحسن الحظ، على الرغم من تهديدات ترامب ما زلنا بعيدين بعض الشيء عن السيناريوهات الأسوأ. فالأحداث في إيران وفنزويلا يمكن أن تصرف انتباه البيت الأبيض بعيدا عن جرينلاند. كما اعترض كبار الجمهوريين بشدة على ضمها.

أيضا يتحدث الأوروبيون عن تعزيز وجود الناتو في منطقة القطب الشمالي. لكن بما أن ترامب أوضح في جلاء أنه يريد امتلاك الجزيرة من المستبعد أن يرضيه ذلك هنالك مسار أكثر نجاعة لأوروبا وهو أن تفصح في السر والعلن عما يمكن أن تعنيه نهاية الناتو للولايات المتحدة. فاستمرار وجود القواعد العسكرية الأمريكية سيصبح على الفور مثار تساؤل. قد يرحب البعض في عالم ترامب بذلك بما أنهم يعتبرون الدفاع عن أوروبا عبئا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنه. لكن القواعد مثل قاعدة «رامشتاين» في ألمانيا تُستخدم لأغراض نشر القوات الأمريكية بما في ذلك في الشرق الأوسط وإيران.

وسيعني قطع الروابط الأمنية بين الولايات المتحدة مع أوروبا أيضا أن الاتحاد الأوروبي سيكفّ عن الإحساس بالحاجة إلى الرد السلبي على رسوم ترامب. ومن الممكن أن يفرض رسوم مضادة بنسبة مساوية للرسوم الأمريكية (15%) المفروضة على أوروبا.

أيضا مبيعات الأسلحة وهي بالغة الأهمية لشركات صناعة المعدات الدفاعية الأمريكية ستنهار مع تزايد حذر البلدان الأوروبية من استخدام المنتجات الأوروبية في بنياتها التحتية الحيوية. ويمكن أن تتوقع شركات التقنية الأمريكية العملاقة بوادي السيلكون فرض ضرائب وإجراءات تنظيمية أشد وطأة. إلى ذلك، مقاطعة المستهلكين للبضائع الأمريكية والتي أصبحت معتادة في كندا قد تصل إلى أوروبا التي تمثل أكبر سوق للولايات المتحدة وراء البحار. وسيكون التصدير إلى السوق الروسية تعويضا ضئيلا عن فقدان السوق الأوروبية.

من الواضح أن المخاطر على البلدان الأوروبية التي يمكن أن تنشأ عن «طلاقٍ» من الولايات المتحدة ستكون عالية جدا. وستحتاج أوروبا إلى التحرك بسرعة لعقد اتفاقية أمنية جديدة تحل محل الناتو. ويمكن للبلدان التي وقَّعت على خطاب مشترك يدعم الدنمارك (بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا) أن تشكل الأساس لمثل هذا التحالف إلى جانب البلدان النوردية (بلدان شمال أوروبا). الاتحاد الأوروبي وبريطانيا معا لديهما ما يكفي من ثروة وسكان لردع روسيا. لكن ذلك يكلف الكثير من المال.

وقد يتطلب اتخاذ خطوات مؤلمة كفرض الخدمة العسكرية الإلزامية. أمريكا أيضا تملك أدواتٍ كثيرة للتضييق على «أوروبا ما بعد الناتو»، فإدارة ترامب ستحاول بالتأكيد شق الاتحاد الأوروبي وتطوير شراكات خاصة مع أعضاء في الاتحاد بطريقة منفردة. والبلدان التي قد تبتلع الطُّعم كالمجر ستواجَه بالاختيار بين الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة أو الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي. كما أوجدت عقود من التعاون عبر الأطلسي اعتمادا اقتصاديا يمكن أن تستغله الولايات المتحدة بتحويل كل شيء إلى سلاح من تحديثات البرمجيات وإلى استخدام بطاقات الائتمان.

بريطانيا خصوصا في موقف ضعيف بسبب عمق روابطها الأمنية مع الولايات المتحدة. فالأجهزة الاستخبارية البريطانية والأمريكية متداخلة بشدة. والرادع النووي البريطاني يستخدم برمجيات وصواريخ أمريكية.

كما أن مبيعات أكبر الشركات الدفاعية البريطانية «بي أيه أي سيستمز» إلى الولايات المتحدة يفوق ما تبيعه لبريطانيا. لذلك يعتبر العديد في المؤسسة الحاكمة البريطانية أن نهاية الناتو ببساطة مسألة يستحيل التفكير فيها. ومن المؤكد أنه غير مسبوق وخطِر ليس فقط لبريطانيا ولكن أيضا لأوروبا والولايات المتحدة نفسها.

لكن الأشياء غير المسبوقة والخطرة حدثت مرارًا في الماضي. والمحزن فيما يتعلق بالناتو أن الوقت حان للشروع في التفكير فيما لا يمكن تصور التفكير فيه (أي في نهاية الناتو).

جدعون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية بصحيفة الفاينانشال تايمز