نوافذ :«الأوروبي».. نموذجا
أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
يمكن النظر إلى تجربة الاتحاد الأوروبي على أنها التجربة الوحيدة التي يقاس عليها مدى صمود دولها على البقاء في اتحادها، وتكاملها، وتعاضدها كل هذه المدة منذ تأسيسها في عام 1951م، وحتى بدأت المملكة المتحدة «بريطانيا» بالخروج في عام 2016م، وما رافق هذه الفترة من تطورات نوعية في جسد هذا الاتحاد، سواء بتعدد مؤسساته: السياسية، أو الاقتصادية أو العسكرية، أو الأمنية، أو في زيادة الأعضاء حيث بدأ بـ (6) دول أوروبية، ليصل إلى (28) دولة أوروبية، فهذا التكتل بمقاييسه الضخمة، وهيكلياته المختلفة، يصل اليوم إلى شيء من الوهن والضعف الذي كشفت عنه جائحة (كورونا - كوفيد19) عبر أمثلة كثيرة، بدأت بـ «المحنة الكبرى» لمواجهة الجائحة في موجتها الأولى، حيث عبرت مواقف الأعضاء عن تفكك واضح، وحرصت كل دولة على مواجهة الجائحة بنفسها، ولذلك شاهدنا عددا من الدول (الشرق آسيوية) تنجد بعض هذه الدول في محنتها، بينما قبع الاتحاد بين الزوايا؛ حسب المثل القائل: «إذا سلمت ناقتي ما علي من رفاقتي» فقد عادت كل تلك البهرجة الفوقية الاستعمارية إلى مظان مرابطها الأولى، حيث الانتصار للذات، وليس للمجموع.
وهي اليوم من جديد تتسابق على كميات اللقاح المتاحة لكل شعب على حدة، وتشير كل دولة بأصابع الاتهام إلى الدول الأخرى التي تحتكر اللقاحات لها دون التفكير في بقية أعضاء الاتحاد، وخاصة الدول الصغيرة منها، بينما تتسيد الدول الكبيرة الحصة الكبرى من هذه اللقاحات، لتنقذ به شعوبها، وهناك- كما أتابع في نشرات الأخبار- تهم موجهة، وأخرى متبادلة، وثالثة تغلي على نار هادئة، وكلها تستنكر على هذا الاتحاد، هذه الأنانية، وهذا الانتصار للدولة الواحدة وليس للمجموع، هذا بخلاف الضربة الكبرى التي تلقاها الاتحاد بخروج بريطانيا منه، وانحيازها لخياراتها وقراراتها، ومشروعاتها الخاصة؛ إدراكا بأن المجموع الذي روج له على أنه «في الاتحاد قوة» ما هو إلا فقاعة صابونية لها عمر افتراضي لا يلبث أن يتلاشى مع مرور الزمن، وتبدل الأحوال، وتغير الظروف.
وما ينطبق على هذا المثال الضخم أعلاه، يمكن القياس عليه في كثير من محطات حياتنا؛ كأفراد، وكشعوب، وكدول، من أن الانتصار؛ ختاما؛ سيكون للدائرة الصغيرة جدا، وعليه ينظر إلى أن كل النداءات التي تذهب إلى الانتصار للمجموع ليس لها إلا زمن افتراضي لا يلبث إلا أن تنتهي معززات تأسيسه، ليعود كما بدأ منذ نشأته الأولى، وهذا ما يبعث برسالة شديدة الوضوح لأبناء الأوطان بضرورة الانتصار للذات الوطنية، وإن النظر إلى ما هو خارج الحدود، إنما هو انبهار لصورة احتفالية لا تهدي لناظرها أكثر من مجموعة الأنوار المتلألئة والمشعة بألوانها الآسرة في لحظة الافتتان فقط، أما غير ذلك، وهي الحقيقة، فإن الذات لا تغامر كثيرا للمجموع إلا بقدر الفائدة المرجوة في لحظات زمنية قصيرة، ومن ثم تعود إلى مربعها الأول، وما ينطبق على الكيانات الكبيرة في توحشها وهيمنتها، ينطبق على المجموعات الصغيرة حتى بين أفراد المجتمع الواحد، وكثيرا ما نرى التجارب التشاركية المماثلة للصورة ذاتها، ولو بمعان مختلفة، إلا أن هذه التجارب لا تلبث إلا أن تسلم للفردية، وتنتصر لذاتها الخاصة، ولمصالحها الخاصة، ولما يعلي من بنيانها الخاص.
لا أطرح هنا جدلا «سفسطائيا» حول أهمية «الاتحاد قوة» كما هو التنظير المثالي المتداول، فالنفس مفطورة في حرصها على ذاتها، وعلى الانتصار لما يخدم مصالحها الخاصة، لأن مواجهة المخاطر المحتملة؛ في أي بيئة كانت؛ تبقى على الفرد، وليس على المجموع، والفرد هنا ينسحب على الدولة الواحدة كذلك.
