رمضان .. بين قيم وقيم

23 فبراير 2026
23 فبراير 2026

ما يميز المجتمع العماني تلك العادات الرائعة التي رسخها الأجداد لأجيال على امتداد قرون، تلخصت في ترسيخ تقاليد ثابتة استطاعت أن توجد حالة استثنائية. الممارسات الرمضانية استطاعت أن توحد المجتمع وتوجد فيه حالة من التكافل وتوثق عرى الأسر والجيران ومن يسكن الحي، وتعزز حضور السبلة والمسجد. كما أوجدت تقاربا وتصاهرا لتلك الأسر واستطاعت أن تبني ثقافة من التعاضد تتجاوز التعاون إلى الحرص على الجار والاطمئنان عليه والوقوف إلى جانبه أفرادا وجماعات والسهر على راحته إذا ما تعرض لعارض صحي أو اجتماعي أو مادي.

رمضان يشهد زهوة ازدهار هذه المجتمعات، بما فيها من تبادل الزيارات والتجمعات الليلية والدينية ومناقشة شؤون المجتمع لمشاركة أهل الحي، وكان من فضائله أيضا تربية الأبناء على العلوم الشرعية وبناء الأخلاق ورفع مستوى القيم، وهي كلها امتدادات لتلك الممارسات المتجذرة فيه.

وقد ازدهرت هذه المجتمعات في عُمان خلال عقود طويلة، وبرزت خلال الشهر الكريم، وتبنت نظاما مهما في التشاور والتكاتف بهدف رفع معاناة المعسر وتسهيل اندماجه مع أفراد الحي، وتربية الأبناء على مرتكزات المجتمع حتى غدا أسرة واحدة لا يفصلها شيء.

لكن هذا المشهد يتعرض لضغوط من المتغيرات في هذا العصر الذي يرتفع فيه إيقاع الحياة وسرعتها، مما يؤثر في هذا الإرث الذي بناه الأجداد، وهو الإرث القائم على تعاليم الإسلام وروح الأسرة الواحدة، وهذا التغير طال مجتمعنا خلال عشرين سنة ماضية؛ حيث تراجع قليلا بعض الوهج المجتمعي من الزيارات والتجمعات وغياب السبلة في حواضر المدن، وقلة السؤال عن الجار والاطمئنان على أحواله والتقارب معه.

ولأن المجتمع يستطيع أن يستعيد ذلك الإرث إذا ما أحسنّا إعادة غرس المفاهيم في أبنائنا بأن رمضان وما يحمله من تجليات وممارسات على المستوى الاجتماعي يمكن أن يكون فرصة لهم لاكتشاف جوهر العادات والتقاليد، التي يمكن استعادتها في تعزيز اللحمة المجتمعية والتكافلية واندماج الأسر معا في جلسات عائلية، والتشجيع على الدروس الدينية وتبيان جوهر الشهر في تأمل معجزاته الربانية وتدبر أحكامه وفضله على البشرية، ومساهمته التاريخية في ترسيخ عدالة الإسلام .

لا يزال الخير في أبنائنا وما يقومون به من أعمال خيرية وتطوعية وإنسانية ينبئ بجيل يمتلك القدرة على استنهاض الخير في أمته ومواصلة ترسيخ ثوابته.