حرب نهاية العالم

13 أبريل 2026
13 أبريل 2026

«الأدب لا يكون أدبًا جيدًا إلا إذا نجح في إظهار نواقص الحياة على الدوام»ماريو برغاس يوسا.

لا علاقة للعنوان بالحرب التي شنها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، على الشعب الإيراني وجمهوريته الإسلامية الذي شيّع أكثر من (3731) قتيلًا أغلبهم من المدنيين، وأكثر من حوالي 20 ألف جريح معظمهم من المدنيين أيضا.

أقول لا علاقة للعنوان بالتوجس والمخاوف من استخدام الأسلحة النووية في الحرب الأربعين يومًا التي نعيش هدنتها ولا نتكهن بما ستؤول إليه الأمور، بالنظر إلى عنجهية المتسببين في الحرب وتصدير مشاكلهما الداخلية إلى الخارج، وهما ترامب ونتنياهو الهاربان من فضائح تتعلق بجزيرة ابستين أو فساد مالي وإداري.

إن عنوان المقال هو عنوان لرواية الكاتب البيروفي ماريو برغاس يوسا (1938-2025) الذي يصادف يوم 13 أبريل الذكرى الأولى لرحيل صاحب المدينة والكلاب، والبطل المتكتم، وحفلة التيس، وشيطانات الطفلة الخبيثة، والفردوس على الناصية الأخرى، وحلم السلتي، وبنتاليون والزائرات، والبيت الأخضر، وغيرها من الروايات التي أوصلت صاحبها إلى منصة نوبل للآداب عام 2010، وإن كان يستحقها قبل هذا التاريخ كونه أحد أهم أركان الظاهرة الكتابية في أمريكا اللاتينية فيما عُرف بجيل البوم أمثال الأرجنتيني خوليو كورتاثار(1912-1984)، والمكسيكي كارلوس فوينتس (1928-2012) ، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز(1927-2014)، دون إغفال مواطنهم الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899-1986) أهم كُتّاب أمريكا اللاتينية وأكثرهم تأثيرا في الساحة الأدبية.

إن المبرر للتذكير برواية حرب نهاية العالم في ذكرى رحيل صاحبها، هو ما ذكره يوسا نفسه في كتابه «الكاتب وواقعه» عن الرواية المنشورة عام 1981 «إذا اضطررت إلى اختيار رواية واحدة من بين كل الروايات التي نشرتها، فربما سأختار رواية نهاية العالم» لأنها الرواية الأولى التي استغرقت منه وقتا طويلا في كتابتها، إضافة إلى أن أحداثها تدور خارج بلده البيرو، بل في البرازيل، مما يعني أنه سيراعي اللغة البرتغالية في الحوار بين أبطال الرواية.

وقبل كتابة هذه الرواية التاريخية كان على يوسا قراءة كتاب (السرتاو) – كلمة برتغالية تعني الأراضي الداخلية- لمؤلفه البرازيلي إقليدس دا كونها (1866- 1909)، الكتاب الذي يصفه يوسا بأنه «أحد أهم الكتب الخارقة للعادة التي كُتبت على الإطلاق عن أمريكا اللاتينية».

تدور أحداث رواية حرب نهاية العالم في ولاية باهيا البرازيلية بين المتمردين الداعين إلى رفض الجمهورية وإعادة الملكية وبين الجيش الجمهوري، في منطقة نائية تُسمى (كاندوس) والتي حملت اسم الثورة بقيادة أنطونيو كونسليير وأتباعه.

وبعد ذلك زار يوسا منطقة باهيا وشاهد بنفسه آثار الحرب التي مر عليها ما يقارب القرن. يذكر أيضا أنه أعاد كتابة الرواية مرتين بعد زيارة المدينة والتجول في القرى المجاورة لها « بعد النسخة الأخيرة فقط شعرت بنفسي أكثر أماناً أو أقل شعورًا بالتهديد عما كنت عليه عندما كتبت المسودة الأولى».

يركز يوسا في رواية حرب نهاية العالم على انعدام التواصل بين طرفي الصراع، بين الفلاحين الفقراء ودعاة الجمهورية ومؤسساتها، فحين يغيب الحوار ترتفع مشاعر العداء والكراهية وتتأجج في النفوس رغبة القتل وإفناء الآخر، فالخلافات الأيديولوجية قد لا تكون السبب في النزاعات إنما غياب الحكمة والعقلانية في إدارة الأزمات الناجمة عن سوء الفهم. وهذا ما يحدث الآن في الكثير من الحروب والصراعات الدامية التي يدفع الجميع تكاليفها الباهظة.

نحزن لرحيل يوسا لأن نهر السرد الآسر قد فقد رافدا من روافده، ولم يعُد بالإمكان انتظار ترجمة أعماله إلى اللغة العربية، مع أن العديد من أعماله لم تُترجم إلى لغة الضاد، قد تكون سيرته الذاتية الحاملة لعنوان «سمكة في الماء» أهم تلك الأعمال للكاتب الذي ترشح يوما ليكون رئيسا، ونحمد الله على فشله السياسي، فلولا ذلك الفشل لما تمتعنا بأهم الأعمال الروائية التي أبدعها صاحب رسائل إلى روائي شاب.