جماليات اللغة الشعرية في مجموعة «أنت الكتاب وأنا القارئ»

26 يناير 2026
26 يناير 2026

صدر للشاعر العماني إبراهيم بن سعيد مؤخرا مجموعته الشعرية (أنت الكتاب وأنا القارئ) ضمن إصدارات كتاب نزوى الصادر عن مجلة نزوى في أكتوبر 2025م، ويعد هذا الإصدار تجربة جديدة يشتغل عليها الشاعر بعد مجموعة من الإصدارات السابقة تكللت بمجموعات: (معمار الماء)، و**(موسيقى الشمس أغاني الجنة)، و(الحمدي الأعمى الشعري)، و(قهوة الله)، و(السماوات والأرض)**.

يقدم الشاعر في إصداره الجديد تجربة مهمة في الكتابة الشعرية؛ فهي وإن كانت على اتصال مع تجاربه السابقة، فإنها شهدت انتقالا جيدا في اشتغال اللغة وتكثيف المعنى باستخدام المقطعات على حساب طول النصوص الشعرية. وهنا نجد أنه من المهم الوقوف على ما ذكره المؤلف في مقدمة المجموعة إذ قال في ذلك:

«هذه المجموعة الشعرية بعض نتاج السنوات الماضية، وهي متأثرة بلا شك بالأعمال التي أنجزتها فيها، خاصة الأعمال الشعرية منها بشكل واضح، فأسلوب المقاطع الصغيرة متأثر بماتسو باشو، وبعض القطع تشير صراحة إلى لاوتسه، وذكر الشعراء الرومان متأثر بترجمات فاطمة سالم سيف، كل ذلك وغيره مدين إلى حد كبير للأعمال التي استغرقتني مؤخرا، بما فيها حتى الأعمال النثرية والانشغالات البصرية. بالنسبة لميلي في هذه المجموعة لأسلوب المقاطع الصغيرة فهو كما أسلفت متأثر بمعلم الهايكو، وأنا لا أدعي أن هذه المقاطع هي قصائد هايكو، لكنني ملت فيها إلى الأسلوب المقتضب والمكثف وسرت على نهجه، وهو بلا شك على الضد من أسلوب المطولات الذي جريت عليه فيما سبق والمستلهم من التراث العربي والمعلقات، حيث القصيدة هي قطعة زمنية أكبر مكثفة باللغة الفنية، لذلك تعالج القصيدة العربية الواحدة، التقليدية وحتى المعاصرة، أكثر من موضوع، فيما أسلوب المقاطع الصغيرة عبارة عن لحظة واحدة ممددة وموضوع واحد أو اثنان فحسب، لكن بتركيز شديد دقيقة زمنية مكبرة بعدسة شعرية فكأن القصيدة تلقي بمركز ثقلها كله على تلك اللحظة». (ص5)

إذن، في هذه المجموعة تجربة جديدة للشاعر يقدم من خلالها رؤية مغايرة في كتابة الشعر لديه، وهي بلا شك نتاج تحولات قرائية وفكرية وثقافية مستمرة تنبني عليها فكرة التحديث، إذ يشتغل إبراهيم على نصوصه القصيرة مستمدا فكرتها من اللحظة التي يعيشها مانحا لغتها جماليات التشكل والتعبير، إذ يغوص في الكون والطبيعة والروح الإنسانية باحثا عن ضوء نهائي يسرج فيه خيول الكلمات، وهو في ذلك لا يتخذ من الغموض الدلالي غاية؛ فالدهشة اللغوية تكتفي بما تقدمه من جماليات داخل النص. كما تتعاضد مع الدلالات الصوفية ومع الرومانسية العذبة في تكوين المقطع، فالقارئ يتنقل بين مقطع وآخر تسكنه فلسفة الحياة الروحية وتشغله لغة البوح الرومانسي، يقول:

«عليّ أن أشكر القمر

منذ جالسته

عرفت روعة الحب

غامرت معه بين أحضان الحبيبات

اللواتي تشع عطورهن قصائد عشق عذبة

تتلألأ كالذهب في أعماق الأنهار واللآلئ في البحار.

عليّ أن أشكر القمر

جعلني شاعرا.» (ص17)

ويقول في موضع آخر:

«كهذا الصباح

كنت أدون القصيدة

التي وشوشت بها الفراشة للأزهار

والشعر الذي كانت تترنم به

النحلة السكرى بالرحيق.» (ص18)

تتشكل المجموعة من سبعة مقاطع شعرية، يضم كل مقطع فيها مقاطع قصيرة جدا تعبر عن رؤية الشاعر للحياة والكون، ففي المقطع المعنون (الرحلة) تتخذ اللغة من الزمن أهمية كبيرة في التشكل، فتبرز لعبة الزمن بين الماضي والحاضر مستحضرة الرؤية الجمالية في التعبير. ولعل الشاعر قصد في تنقله الزمني بين الماضي والحاضر والمستقبل استمطار المشاعر والأفكار وبذر التخيل في صفحات المقاطع، يعبر عن هذه الفلسفة قائلا:

«في الماضي كنا المستقبل

وفي المستقبل سنصبح الماضي

أواه كم سنستغرق من الحاضر

كي ندرك

أننا لسنا غير هذا الآن الحاضر نفسه» (ص67)

هذا التحول بين الأزمنة يجعلنا أمام رحلة دلالية مباغتة، تظهر نفسها جماليا ثم تختفي كوميض البرق، كما لم يكن التنقل إلا صورة تعبيرية عن لحظة زمنية تقرأ في لحظة اندماج مع تلك اللحظة، يقول في المقاطع الآتية معبرا عن التنقل الزمني:

كان القدماء يبنون بيوت المصائر

قبورا وبروجا على قمم الجبال

للاتصال بالله

ثم جاء الذين يبنون البروج

ليتحصنوا من أعدائهم

واليوم

تحتل قمم الجبال

هياكل الاتصالات المعدنية.

*

الشيوخ والعجائز

لحظات فرحهم

يتدفقون نهر محبة هائل

كلما أبصرته

تكاد تفرط أمامهم

من عيني الدموع.

أمثل هذا الحب العظيم

يسعه صدر الإنسان؟!

*

كلما تلاقت

نظرتا شيخ وصبي

يبصر أحدهما الماضي

والآخر المستقبل.

*

الجدات

يردمن المسافة الزمنية بين الأجيال

بسؤال واحد:

كيف حالك أبوي؟

*

عطر الزمن المعتق

يملأ صدر الصبي

المتعلق بينبوع حبه المتدفق

جدته». (ص72)

لا تكمن لعبة الزمن وانتقالاته في دلالات الأفعال الزمنية فقط، بل في انتقالات الزمن في ذاكرة الشخصيات، وملامح وجوههم وتقاطعاتهم الزمنية. نجد الانتقال الزمني السريع بين عصور مختلفة تتمثل في (القدماء، الذين يبنون البروج، اليوم)، كلها تتخفى خلف لعبة الزمن. كذلك في (الشيوخ والعجائز) في المقطع الذي يليه، و(الشيخ والصبي)، و(الجدة والصبي) كلها انتقالات زمنية تتكئ عليها اللغة في تشكيل الماضي والحاضر والمستقبل، لذا تظهر الصورة أكثر قربا من الواقع في استدعاء أصواته الشعرية وتعبيراته.

كذلك فإن اللغة تحتمي بالسرد، فبرغم قصر النصوص فإنها تأخذ من تداخل الأجناس انطلاقة لها في بناء النصوص، وهو ملمح شعري حديث اشتغل معه شعراء العصر الحديث في بنائية النصوص الشعرية. تظهر الحركة السردية في غير مقطع من مقاطع المجموعة مانحة المقاطع توسعا في التعبير أكبر من غيره، يقول مثلا:

«الصيف طريق والأجراس أذان

كنت شجرة وكنت جملا وطائرا وحوت بحر وكان الصيف وحده من يكلمنا

ثم صرت شاعرا رمليا وكان عليّ أن أساعد الريح والأمطار والأودية كي نمحو الرمل ونكتبه

وكان الرمل صامتا وكنت أسكن فيه

يزورني جن بدو وفلاحين وصيادين يشعلون نارهم في أحلامي ويسهرون وعند الفجر

يطيرون كالعفاريت.

بعدهم أنهض مداهما الشروق بقيام الصلاة والقهوة.

مرة نمت فسحرني ساحر

وجدت نفسي شاويا أرعى ماشية في أجساد الجبال

ولما نزلت مرة أسبح في العيون

مرت بي جيوش جرارة قديمة

فاختبأت وسترتني طحالب كلها ثعابين ماء وضفادع، وتحولت تحتها لصخرة بيضاء فدحرجتني الأودية النشطة إلى ضفافها وسط قبور جماعية نائية ومجهولة، ثم أتت وعول ترعى وحررتني بقرونها.

مر بي محو وإثبات فاستكنت في نظام اللحظة وتعلمت حساب الرمل والأسرار المصونة وخزائن ضمائر الكائنات من رجل هو نفسه سليمان متخفيا.

من هناك أكتب الآن

خارج العالم

قصائد نثر

يمكن دوما فكها بخط الرمل». (ص12)

يقوم النص في حركته على الاشتغال السردي واسترجاع الذاكرة، فتقوم اللغة بأدوار سردية شعرية جمالية تختتم بها المقطع، وتبني المقطع الذي يليه وتختتمه، وهكذا:

«ذات ليلة خرجت من المتاهات، أكتب الآن هنا، خارج المتاهة، جوار الحقيقة، في حديقتها المؤقتة أنظر نحو العالم، يقسم نفسه ويجزئ ذاته.

أنظر للإنسان يظن نفسه شيئا بمشاعر مختلطة، بشرية تنسى الخلاص وتتذكر الخطيئة، حواء وآدم لا يتوقفان عن الأكل، ولا عن الهبوط ولا عن الندم ولا عن التوبة.

كل يوم

هبوط من الجنة

كل يوم

صعود إلى الأرض». (ص13)

تنفتح مقطوعات إبراهيم بن سعيد على رؤية الآخر والتعمق في ذاته انطلاقا من الذات التي تتماس مع كل شيء، وهي في رؤيتها البصرية والتخيلية والفكرية تتقاطع إلى حد كبير مع مقطوعات جلال الدين الرومي أو حافظ شيرازي في عمق تناولها وإحساسها بالموجودات.