الروح في القرآن.. مِن التشخيص إلى التجريد
لقد درستُ في مقالات سابقة لغة القرآن؛ والتي أسميتها «لغة الأحوال»، ومِنها «قضية التشخيص والتجريد»؛ أي تحويل المفاهيم الدينية -في إطار الانتصار للسردية التوحيدية- مِن كونها مشخّصة إلى مجردة. ومِن القضايا التي ظهر فيها هذا التحوّل «الروح»، والذي يظهر في القرآن بثلاث حالات كبرى؛ هي:
- الروح القدس بالتمثّل البشري.. وهذا أعلى درجات التشخيص، بحيث لا يترك للعقل مجالًا لتأويله، فقد ظهر الروح على هيئة بشر، واقتصر وصفه على «الروح القدس»، لأنه متشخّص كالبشر؛ فاحتاج إلى التأكيد بأنَّه مقدّس طاهر.
جاء الروح القدس إلى مريم بنت عمران، لتحبل بعيسى مِن دون اقترانها برجل، لقد أحصنت فرجها فنفخ الله فيه مِن روحه: (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم:12]، جاءها مشخّصًا؛ أي متمثلًا لها في «بشر سوي»، بحيث لم تتمكن بدايةً مِن التمييز بينه وبين الإنسان: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً، فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً) [مريم:16-22].
وقد لازم الروح القدس عيسى منذ أنْ كان «كلمة ألقاها الله إلى مريم»: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء:117]. وبتأييده تكلم عيسى في المهد، ولازمه حتى أصبح كهلًا، وحدثت على يديه «الآيات» مشخّصة، حتى إنَّ «الذين كفروا» لم ينكروها فقالوا إنَّها سحر: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [المائدة:110].
- النفخة الإلهية في الإنسان.. تحدّث القرآن عن الروح الذي نفخه الله في الإنسان، بصورة تشخيصية، لكنها قابلة للتجريد بالتأويل الذي يتمتع به العقل ورُكِّبت عليه اللغة: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [ص:69-76].
وبنفس الأسلوب البياني.. بيّن القرآن بأنَّ هذا الروح هو الذي أكسب الإنسان الوعي؛ به سمع وأبصر وفقه الحياة: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [السجدة:7-9]. والروح هو مِن الملائكة ويقوم معهم بأعمالهم، كالعروج إلى الله يوم القيامة: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج:3]، والقيام أمام الله صفًا يوم القيامة مسلِّمين له الأمر وحده: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النبأ:38-39].
- الوحي عبر جبريل.. وهو الذي يتنزل بالوحي على قلب النبي محمد، وهنا يصبح الروح مجردًا عن التشخيص: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:102]. وإذ إنَّه صوت داخلي ينزل بالوحي على قلب النبي فناسب كذلك وصفه بـ«الروح الأمين»: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء:192-194].
القرآن.. لم يذكر للروح الأمين حالة غير هذه الحالة المجردة، وهي الحالة الوحيدة المقطوع بها؛ لكون القرآن مقطوعًا به في النقل. وأما سواها مِن التشخيص كالظهور عيانًا على هيئة بشر، أو بخِلقة عجيبة، كما تذكره بعض الروايات، فهو ظني، لا يبنى عليه تصور ديني وفق المنهج القرآني. وجاء في القرآن التصريح بأنَّ الروح هو الملك جبريل: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) [البقرة:97-99].
وهذا هو الروح الذي سُئل عنه النبي، فأجابهم بأنَّه مِن أمر ربي؛ أي مرسل مِن عند الله ويأتي بأمره، وليس الروح النفخة الإلهية، ولا اعتذار بأنَّه لا يعرفه، كما هو سائد في الثقافة الإسلامية، فسياق ذكره جاء في الحديث عن تنزيل القرآن، كما أنَّ نفي العلم جاء متوجهًا إلى السائلين، ولو كان النبي هو مَن لا يعلم لقال الله: «وما أتيت»، بيد أنَّه قال: (وَمَا أُوتِيتُمْ). يقول الله في تقرير علم النبي بوحي التنزيل: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً، وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً، وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً) [الإسراء:82-86].
هذه الصورة التجريدية يعمّمها القرآن على الحديث عن الروح في تنزله على سائر عباده ومِنهم الأنبياء الكرام. إنَّ الروح الذي يأتي إلى الأنبياء.. فالله يختار له مَن يشاء مِن عباده، لينذروا أقوامهم بيوم البعث: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر:15]. وهو الذي تنزّلت به الملائكة: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل:2]، وهو الذي نزل بالوحي على النبي الخاتم: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى:52].
ومِنه التنزّل ليلةَ القدر مع الملائكة: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر:3-5]. وهي ليلة النزول بالوحي بصورته الكلية (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)، على قلب النبي، والمتلخِّص في «سورة الفاتحة»؛ الجامعة لكل معاني الدين، قبل أنْ يتنزل تفصيلًا في سائر سور القرآن. وبهذا يتقرر أنَّ الروح جبريل هو مَن ينزل بالوحي على الأنبياء.
وهو الذي يجعل الإنسان موصولًا بالله، يخاطبه في صلواته وخلواته، وفي إسراره وإعلانه، ويتلقى مِن الله ألطافه وإجابات دعائه وإمداده الإيماني: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) [المجادلة:22].
خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين».
