الانفعالات .. عندما تكون دفة للتعاطي مع الآخر !!
أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
نعي جميعا أنه لا يوجد تحت سماء هذا الكون كائنا حيا لا ينفعل لسبب أو لآخر، حتى الحيوانات التي تسيرها غرائزها لا تخلو من حالات انفعال شديدة وقوية، وهي تسعى لإرواء غريزة ما من غرائزها، وقد تؤدي بها الى الهلاك في بعض المواقف، إلا أن ميزة الحيوانات أنها بعد ما تروي غريزتها لا يبقى هناك أثر سلبي تحمله للطرف الآخر، بخلاف الإنسان الذي يتلبسه الحقد والكراهية، وربما الانتقام أحيانا ممن أثار حفيظته في موقف ما، وهنا تأتي بعض الأسئلة لتفرض نفسها في هذا السياق، ومنها: هل الانفعالات هي انتصارات لذات مغلوبة على أمرها؟ وما هو الفرق بين الانفعال المنتصر لذاته، والانفعال المنتصر للمجموع؟ ما الذي يدفع فلانا من الناس لأن يبكي الى حد الألم بعد انفعال ما، وآخر يمر عليه ذات الموقف مرروا عابرا؟ وهل للنوع البشري (ذكر/ أنثى) تأثير في حقيقة الانفعال؛ وفي شدته؟ عندما ننفعل هل لأننا نفتقد الى شيء من الذكاء العاطفي والمعرفة؛ وأنه كلما تمكنا من ذلك كان تأثير الموقف علينا أقل؟ ما هو مستوى القناعات بكل ما يحيط بنا للحد من تأثير الانفعالات على حياتنا اليومية؟ وهل لخبرات الحياة وتجاربها عند الناس دورا في التهدئة، وهل حقيقة أن الشعوب؛ في مجال الجغرافي معين تتفاوت في مستوى الانفعالات عن شعوب في مجال جغرافي آخر؟
أسئلة كثيرة تحيط بنا، عندما نلملم شيئا من رؤانا تجاه هذه المسألة، وهي مسألة مهمة جدا في حياتنا، لأن نتائج أي انفعال نقوم به؛ تلقائيا أو تعمدا، أو تمثيلا؛ له نتائج مهمة، قد تكون سلبية، وقد تكون إيجابية، وقياسا على هذه النتائج تنبني آراء ومواقف حيالنا من قبل الآخر الذي يراقب تصرفاتنا، وليس هناك من أحد لا يخضع لهذه المراقبة، من القريب ومن البعيد الى حد سواء، علت أهمية هذا الشخص، أو كانت في مستواها العادي «من عامة الناس» وهذه الحالة ليست فضولا بشريا فقط، ولكنها تقييم يمثل أهمية ما في مواقف معينة، وتبنى عليها أحكام مهمة، وهذا ما لا يلتفت إليه كثير من الناس، حيث يظل مفهوم الانتصار للذات هو المهيمن في تلك الحالة الحرجة.
مع فعاليات مباريات كأس العالم المقامة حاليا في روسيا،على سبيل المثال، بثت مقاطع مرئية كثيرة لصور انفعالية كثيرة، منها تكسير أجهزة تلفاز، ومنها القفز من أماكن مرتفعة، ومنها حالات الإغماء التي تعصف بالمشاهدين، كل ذلك يحدث لأن هذا الفريق المعول عليه الانتصار؛ انهزم، أو خرج من قوائم المشاركة في الأدوار النهائية، وما يحدث من تفاعلات في هذا الحدث الكبير على مستوى القارات الست في العالم، تحدث نفس الانفعالات لمواقف كثيرة في الحياة، وليس شرطا أن تمثل أهمية كبيرة للعالم كله، ولكنها تمثل أهمية خاصة للشخص المنفعل الى حد القتل، أو إنهاء حياته بيديه، فكثير ما سمعنا عن أناس انتحروا لأنهم فقدوا مالا، أو ولدا، أو زوجة، أو حبيبة، أو صديقا، أو مغنيا، أو هوية، أو انتماء، وبذلك صغرت في أعينهم الحياة الى حد إنهاء حيواتهم الغالية، حيث أنها أصبحت رخيصة في ذات الموقف، حيث تتكور الحياة بكاملها في شخص هذا أو ذاك الذي أقدم عليه هذا الشخص لإنهاء حياته.
هناك من يدخل هذا الانفعال في الثقافة السائدة عند هذا المجتمع دون الآخر، وهو جانب تنظيري لا أكثر، كما أرى، لأن الواقع يقول إن كل شعوب العالم تعيش هذه الانفعالات لهذه المواقف المختلفة، وتكاد تتشابه في تعاملها في مستوى هذه الانفعالات، ولكن توجد هناك استثناءات قليلة، ولعل عائدها الى ما يتعرض إليه هذا المجتمع أو ذاك من ضغوطات مختلفة، كالاحتلال، أو الضوائق المادية البحتة، وفي المقابل هناك شعوب معروف عنها قدرتها على امتصاص الانفعالات المقابلة من الطرف الآخر لتميزها بـ «النكات» وبالروح المرحة، وبالانبساط النفسي، وهناك شعوب أيضا يظل الانفعال عنوان تحمله على الجباه لتنزله في أي موقف كان، ولو كان هذا الموقف سخيفا الى درجة الوصف بـ «شر البلية ما يضحك» وقد عايشت بنفسي مثل هذه الحالات أثناء تجارب السفر الى عوامل الآخرين، وبالتالي يصعب الحكم في إلصاق شعب دون آخر بصفة الانفعال أو صفة الهدوء والتروي، وإنما تظل هذه مسألة نسبية لدى كل شعوب العالم.
يعول كثيرا على مستوى الذكاء العاطفي في التقليل من مستوى الانفعالات عند الأشخاص، ولذلك هناك من ينصح بضرورة أن يدخل الأفراد في دورات تعزيز مستوى هذا الذكاء العاطفي، وذلك ليكون على مستوى معين من التدريب في التحكم في الانفعالات التي تواجهه في المواقف المختلفة، والذكاء العاطفي له صور كثيرة، تجمع المصادر على أنها القدرة على إدارة سلوكياتنا مع الآخر، وقدرتنا على التحكم في عواطفنا وألسنتنا، والاختيار المناسب للتدخل في القول والفعل، والقدرة على مهارة «التقمص الوجداني» وهي معرفة الطرف الآخر، أو وضعك مكانه، وهذه كلها مهارات، بقدر ما تحتاج الى معرفة «علم وتدريب» هي أيضا مكتسبات الحياة اليومية، فهناك أناس أميون، ولكنهم قمة في قدرتهم على التحكم في انفعالاتهم، حتى ولو حاول الطرف الآخر استدراجهم الى مواقع الانفعال، ولذلك نشاهد في البرامج الحوارية - على وجه الخصوص - التي تبثها بعض القنوات الفضائية مستوى حالات الانفعال بين المتحاورين، فهناك من له القدرة على كتم انفعالاته وتمسكه بأفكار الحوار وعناوين الموضوع مثار النقاش، وهناك من لا يستطيع أن يكمل الدقائق الأولى من البرنامج إلا وتراه منسحبا من الجلسة، مع أن البث مباشر، ولكنه لا يهتم بردود فعل المشاهدين الذين يستنكرون فعله، وقد تسقط أهميته من ذاكرتهم بصورة دائمة، خاصة إذا كان يحتل موقعا مهما في الحياة العامة، فصموده في الحوار، وإن لم يأت بأدلة مقنعة يجابه بها الطرف الآخر، خير له من الانسحاب من طاولة الحوار، كل ذلك لأنه لم يستطع أن يوظف انفعالاته ومشاعره وترويضها بالصورة السليمة.
صحيح أن الانفعالات، ومجموع المشاعر المتناقضة، التي يبديها الأشخاص في المواقف المتعددة، هي حالة فطرية أكثر منها حالة مكتسبة، ولكن، كما يروج مدربو برامج تنمية الذات، أنه يمكن ترويض الانفعالات والسلوكيات النفسية لما هو أحسن، تلافيا للمواقف الصادمة التي يتعرض لها الناس في مختلف التقاطعات التي تحدث بينهم، وربما يعول أكثر على مستوى خبرة الحياة التي تكون عند فلان من الناس ولا تكون عند آخر، وذلك قياسا بالعمر المكتسب، فحداثة السن لها صولات اكثر في تأجيج الانفعالات، فالشباب معروف عنهم بـ «الشطط» والتسرع في مختلف المواقف، حيث لا روية مقننة، وإنما تعاطي مباشر وسريع لأي موقف، بينما كبار السن على خلاف من ذلك، وهذا؛ كما هو الواقع أيضا؛ مسألة نسبية، فكثير من صغار السن لهم مواقف رائعة في قدرتهم على التحكم في انفعالاتهم، وفي المقابل هناك من كبار السن من لهم مواقف صادمة لا تعبر عن تجربة حياة.
تكمن الخطورة في مجمل الانفعالات المبالغ فيها أن لها تأثيرات صحية ونفسية على الشخص، فهي أحد الأسباب في رفع الضغط، والسكر، وفقدان الكثير من المكاسب الصحية والاجتماعية والنفسية، فالإنسان مكسبه عمره وصحته، ومكسبه في الآخرين من حوله، وهذا ما يتناقض معه، أو يتصادم معه تأجيج الانفعالات لنتائجها السلبية والسيئة، ومعروفا لدى كل الناس، أنه كلما انفعل الإنسان في موقف ما، تكون ردة فعله الى السلب أقرب منها الى الإيجاب، حيث تنفلت مجمل التحكمات النفسية والعقلانية من عقالها، ولا تبقى عندها إلا المجابهة كيفما تكون نتائجها، ولذلك ينصح دائما أنه في حالات الانفعال؛ إذا كان الإنسان واقفا عليه أن يجلس، وإذا كان جالسا عليه أن يتكئ، كما عليه أن يشرب كثيرا من الماء، وذلك وصولا الى تهدئة المشاعر، وتخفيض ضربات القلب، وتخفيف الضغط، والبقاء على قدر كبير من مسافة فاصلة عن الاصطدام بالآخر بصورة مباشرة لخطورتها المباشرة أيضا.
