عن الثقافات الإنسانية والمسؤوليات المشتركة في زمن كورونا
يوم السبت الماضي احتفلت وزارة التراث والثقافة باليوم العالمي للتراث الذي يصادف 18 من أبريل من كل عام، وقد جاء شعار الاحتفال هذه السنة: «ثقافات مشتركة، تراث مشترك، مسؤولية مشتركة»، وسط ما يخيم على العالم من الأسى والتحديات المتعلقة بجائحة كورونا التي أثرت على كل مفاصل الحياة الإنسانية في كل الدول.
مما لاشك فيه أن الاحتفاء بالثقافة والتراث يعتبر من المناظير المركزية في تعزيز التحضر والانتماء الإنساني الرفيع لقيم المعرفة والآداب وجوهر المعاني المشتركة للبشرية، تلك التي تساهم في رفد الحياة وتجربة التحضر نحو الأفضل.
ومع الوباء الذي يشغل العالم اليوم، يكون السؤال حول كيفية التفكير في هذه المعاني، وكيف لنا أن نفهم التراث والثقافة والأصالة والمعرفة وغيرها من الدلالات في هذا الإطار، بما يعزز رؤيتنا للحضارة الإنسانية بشكل عام ولأنفسنا بوجه أفضل.
تاريخيا فإن هذه المناسبة «اليوم العالمي للتراث» تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية التراث الثقافي للبشرية، وذلك منذ انطلاقتها في عام 1983م عبر منظمة اليونسكو في باريس. وقد كان الهدف ولا يزال هو مضاعفة الجهود اللازمة لحماية التراث والمحافظة،
عليه، ومن هنا يأتي مفهوم الشعار السنوي لهذا العام الذي حمل صيغة «الثقافات» و»التراث» في مقابل التشارك في المسؤوليات، ومن ذي قبل التشارك المسبق في صيغتي الثقافة والتراث.
ولأننا ونحن في ظل هذا الوضع الاستثنائي مع كورونا «كوفيد 19» التي جعلت الهم العالمي مشتركا، والبشرية تواجه هذا الوباء، نجد أن المعنى الإنساني عامة يظل محمولا على التشارك في كل شيء، سواء تعلق بالأوبئة والجوائح وأيضا فيما يرتبط بالقيم الكبيرة الروحية والثقافية والإنسانية التي تجمع سكان هذا الكوكب وتوحدهم.
فهدف الثقافة قبل كل شيء هي أن توحد المعنى وتقود الروح البشرية إلى التعايش والإخاء والتعارف المستمر القائم على إدراك الآخر والاحتفاء به كما نحتفل بالذات.
وفي كورونا فإن هذه المشاعر باتت جلية، فالجميع داخل كل بلد سواء كانوا مواطنين أو مقيمين يتشاركون هذا الهم في مقابل كبح الوباء، وفي السلطنة كانت القرارات واضحة في تأكيد صيغة الوحدة والتعاضد الكبير بين بني البشر.
يبقى القول بأن دلالة التشاركية الإنسانية والعالمية هي تعبير عن الوحدة في مواجهة الأزمة الصحية في كل العالم، وفي المقابل فإن الثقافة تفعل المبدأ ذاته في تقريب الشعوب وتذويب الفوارق كما في الفنون والأدب والسينما، وغيرها من وسائط التلاقي بين البشر من خلال المعرفة والعلوم.
لذلك فقد كانت ثمة دعوة واضحة من قبل الجهات الثقافية والتراثية في هذا الموضوع، بالنظر إلى استكشاف فكرة المشاركة وتعزيزها بأكثر من معنى ووجهة، فيما يعزز المسؤوليات الإنسانية المشتركة والتشاركية.
إن تراث أي بلد هو تراكم كبير يعبر عن المخزون الإنساني؛ تلك التجربة التي عبرت بالعديد من القرون وعاشها بشر بأفكار مستمرة، احتواها المكان وأطّرها الزمان، وفي النهاية نحن أمام خلاصة هي الهوية المعاصرة التي تحكي عن كل ذلك المعنى المختزن، وكأن تاريخ أي أمة أو شعب أو دولة هو ذلك المزيج الحي الذي يصور لنا قاعدة صلبة تقود إلى التعايش الإنساني والإرث البشري المشترك.
