أفكار وآراء

حتى يحقق التحفيز الاقتصادي أهدافه !!

15 مارس 2021
15 مارس 2021

د. عبد الحميد الموافي -

ليس من المبالغة في شيء القول إن جائحة كورونا التي ظهرت في ديسمبر 2019 في مقاطعة ووهان الصينية، ثم أخذت في الانتشار في طول العالم وعرضه، اعتبارا من بداية عام 2020 ، قد أثرت بشكل كبير ومتواصل ، وأكبر من أية توقعات ، ليس فقط على اقتصاديات الدول النامية ، ولكن أيضا على اقتصاديات الدول المتقدمة ، ومن ثم على الاقتصاد العالمي و على حركة التجارة و السياحة والاستثمار بين الدول ، فضلا عن توجيه اهتمام مختلف الدول إلى أهمية وضرورة العناية بتطوير قطاع الخدمات الصحية على المستوى الوطني من ناحية ، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي ، قدر الإمكان ، لمواجهة أية مخاطر صحية قد يتعرض لها العالم خلال السنوات القادمة من ناحية ثانية ، وهو ما تركز عليه منظمة الصحة العالمية. وبالنظر للآثار السلبية للجائحة وتفاعلها مع التحديات الاقتصادية المحلية في العديد من الاقتصادات المتقدمة والنامية ، ظهرت الحاجة إلى ضرورة قيام الحكومات باتخاذ إجراءات ما من أجل محاولة التحفيز الاقتصادي والتخفيف قدر الإمكان من سلبيات تعطل قطاعات وأنشطة اقتصادية مختلفة ، بما يترتب على ذلك من آثار مباشرة وغير مباشرة على قوة العمل ، وازدياد أعداد الباحثين عن عمل ، وزيادة تعثر أنشطة اقتصادية مختلفة ، بحكم الترابط بين قطاعات الاقتصاد والتفاعل المباشر وغير المباشر فيما بينها .

وعلى امتداد الأشهر الماضية جرت الكثير من المناقشات ، في أوساط اقتصادية مختلفة ، حول أفضل السبل لتحقيق نوع من التحفيز الاقتصادي ، والعمل على الحيلولة دون الوقوع في دائرة الانكماش بشكل أو بآخر ، ومن ثم الحرص على الحفاظ على درجة مناسبة للتشغيل ، حتى في القطاعات الأكثر تضررا كالسياحة والتجارة وبعض الأنشطة الصناعية. ومن جانب آخر الحرص على ألا تتحول إجراءات التحفيز الاقتصادي إلى نوع من إعانات أو مساعدات البطالة ، التي ارتفعت أعداد المستفيدين منها في مختلف الدول بشكل كبير ، وتجنب الآثار التضخمية لذلك بالعمل بكل السبل الممكنة من أجل إعادة تشغيل الأنشطة المتوقفة أو المتضررة ، وتقديم كل ما يمكن من حوافز جذب الاستثمارات المحلية والخارجية للإسهام في هذه الجهود بشكل أو بآخر . وبالنظر لاختلاف ظروف المجتمعات ، وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وإمكاناتها أيضا ، فقد اختلفت إجراءات التحفيز الاقتصادي وطبيعتها ووسائلها وحدودها ، وبينما تقف الولايات المتحدة على رأس دول العالم بتخصيص ما يتجاوز أربعة تريليونات دولار من جانب إدارة ترامب السابقة وإدارة بايدن الحالية ، فإن دولا كثيرة ومنها دول أوروبية لم تستطع تقديم الكثير بحكم الظروف الاقتصادية لها ، ولذا خصص الاتحاد الأوروبي نحو 960 مليار دولار لهذا الغرض والذي سيتجه الجزء الأكبر منه إلى الدول الأضعف في الاتحاد الأوروبي ، أما الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، فإنها تكافح حسب إمكاناتها للحد من التأثير السلبي لهذه الجائحة على اقتصاداتها وعلى مستوى حياة شعوبها . وبالنظر إلى أن السلطنة ليست استثناء، ولكنها تأثرت وتتأثر بما يجري حولها وبأوضاع الاقتصاد العالمي، فإن ما اتخذته من إجراءات في هذا المجال يظل على جانب كبير من الأهمية اقتصاديا وتنمويا واجتماعيا أيضا ، ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ، من أهمها ما يلي : أولا : إن الملمح الأساسي لتعامل السلطنة واستجابتها للظروف والتحديات التي تواجهها ، هو القدرة على التعامل من منظور كلي ، قادر على الرؤية وعلى التعامل مع الاقتصاد الوطني ومع قضية التنمية الوطنية بمفهوم كلي متكامل ، ومن ثم عدم الوقوع في فخ التعامل الجزئي أو القطاعي المنعزل ، أو المؤقت مع قطاع أو آخر ، بما يترتب على ذلك من آثار سلبية تظهر وتزيد مع مرور الوقت . وتعود هذه النظرة الكلية والمتكاملة إلى إدراك حقيقة أن قطاعات الاقتصاد العماني مترابطة مع بعضها البعض ، وأنه ينبغي التعامل مع القطاعات والجوانب ، ومن ثم الآثار القائمة أو المحتملة على نحو يخفف قدر الإمكان من تأثيراتها على مستوى معيشة المواطن العماني من ناحية ، وعلى مستويات التشغيل وفرص الاستفادة من الإمكانات المتاحة من موارد مختلفة ومن موقع استراتيجي ومن منجزات تحققت ومن إمكانات مالية وبشرية متوفرة بالفعل وتحتاج إلى تنظيم والى إعادة توجيه على نحو أفضل . وهذا هو ما حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - على العمل على تحقيقه خلال الأشهر الماضية منذ تولى جلالته مقاليد الحكم ، وذلك عبر خطوات مدروسة ومتتابعة .

وفي الوقت الذي تسير فيه الحكومة لتنفيذ الرؤية الاستراتيجية «عمان 2040» بأولوياتها المعروفة ، وكذلك خطة التنمية الخمسية العاشرة ( 2021 -2025 ) التي تسعى لدفع التنويع الاقتصادي وزيادة إسهام قطاعات محددة في الناتج المحلي الإجمالي ، فإن خطة التوازن المالي متوسطة المدى ( 2020 - 2024 ) تسعى إلى تحسين المركز المالي للدولة وخفض الدين العام وتحسين التصنيف الائتماني ، فإن خطة التحفيز الاقتصادي التي باركها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - ووافق عليها مجلس الوزراء في اجتماعه برئاسة جلالته في قصر حصن الشموخ العامر يوم 9 / 3 / 2021 تأتي لتتكامل وتترابط مع الخطط المشار إليها ، ولتتيح الفرصة على المستوى العملي ، الاقتصادي والمالي والاجتماعي ، لتحقيق الأهداف المراد تحقيقها . ولعل ما يزيد من أهمية خطة التحفيز المالي التي تم إقرارها أنها تعبر عن إدراك الحكومة لدورها المحوري في مجال الإنفاق العام من ناحية، ولضرورة العمل بكل السبل للتعاون مع القطاع الخاص للحفاظ على درجة مناسبة من التشغيل ، ولجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية من ناحية ثانية. وقد أشار جلالته - أبقاه الله - إلى أنه « تم إقرار خطة للتحفيز الاقتصادي تحقيقا لمعدلات نمو مرتفعة حسب ما هو مخطط له في رؤية عمان 2040 . مؤكدا جلالته بأن تلك الخطة تشتمل على العديد من الحوافز والمبادرات من بينها حوافز متعلقة بتخفيض الضرائب والرسوم على الشركات التي ستباشر نشاطها خلال عام 2021 في قطاعات التنويع الاقتصادي (الصناعة ، والسياحة ، والقطاع اللوجستي ، والثروة السمكية والزراعية ، والتعدين) وتخفيض معدل ضريبة الدخل على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لعامي 2020 و2021 ، بالإضافة إلى تخفيض القيمة الإيجارية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم والمناطق الصناعية حتى نهاية عام 2022 ، وكذلك عدد آخر من الإجراءات ذات الصلة بتلك الخطة التي سوف تشتمل أيضا على حوافز خاصة ببيئة الأعمال والاستثمار ..إلى جانب حوافز تتعلق بسوق العمل لتوفير المزيد من فرص العمل لأبنائنا».

ثانيا : إنه في الوقت الذي تعتبر فيه خطة التحفيز الاقتصادي بمثابة الخطة التنفيذية ، التي تتضمن الإجراءات العملية التفصيلية لتوفير المزيد من الحوافز والمبادرات الداعمة لمختلف قطاعات الاقتصاد الوطني والأخذ بيدها لتجاوز التحديات الراهنة ، التي تضافرت فيها آثار كورونا وآثار انخفاض أسعار النفط في الفترة الماضية وزيادة نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي ، فإنه من المؤكد أن تنفيذ خطة التحفيز الاقتصادي وتحقيق الأهداف المعلقة عليها لا تقتصر على ما ستقوم به الحكومة من إجراءات وخطوات تفصيلية في مجالات الضرائب والرسوم، وبيئة الأعمال والاستثمار ، وحوافز دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وحوافز سوق العمل والتشغيل ، والحوافز المصرفية للتخفيف من آثار تداعيات كورونا على الاقتصاد الوطني ، وما أعلنه البنك المركزي العماني يوم 10 مارس الجاري من توضيح حول الحوافز المصرفية ضمن خطة التحفيز الاقتصادي . صحيح أن ما ستقوم به الحكومة من إجراءات وخطوات تتسم بالكثير من الأهمية والضرورة ، ولكن المهم كثيرا أيضا هو أن استكمال هذه العملية وإدارتها بالشكل المفيد للمجتمع وللاقتصاد الوطني تتطلب مبادرة القطاع الخاص والمؤسسات المستفيدة وحتى المواطنين ، مستثمرين وغير مستثمرين للاستفادة من تلك الخطوات بشكل يعود بالفائدة العملية على الاقتصاد في الحاضر والمستقبل. ويعني ذلك بوضوح ألا تتحول الإجراءات التي تضمنتها خطة التحفيز الاقتصادي إلى ما يشبه المساعدات أو الإعانات التي تتبدد أو تستخدم للاستهلاك بشكل أو بآخر دون تحقيق أهدافها خاصة فيما يتصل بالأخذ بيد المؤسسات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لتواصل التشغيل ، وكذلك تنشيط الاستثمار وزيادة الإنتاج وفتح مزيد من المصانع والشركات هذا العام والعام القادم للاستفادة مما تقدمه الخطة ، وتجنب تكرار ما حدث في سنوات سابقة من ممارسات حرص البعض على الاستفادة منها دون تحقيق الأهداف العملية لها . وإذا كان ذلك يتطلب وعي وتعاون القطاع الخاص ورواد الأعمال ، فإنه يتطلب بالضرورة توفر نوع من المتابعة من جانب الحكومة لمتابعة ما ستؤول إليه الحوافز التي ستقدمها ، خاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وللمستثمرين بكل فئاتهم ، بل والعمل من جانبها لتذليل أية صعوبات أو مشكلات قد تواجه بعض المستثمرين لسبب أو لآخر . وقد يكون من المناسب أن تكون هناك بالفعل دراسات جدوى موضوعية وموثوقة من جانب وزارة التجارة والصناعة وجهاز الاستثمار العماني لعدد مختار من المشروعات والصناعات متعددة المستويات لطرحها على المستثمرين وفق إمكاناتهم واهتماماتهم ومساعدتهم على تنفيذها ، فمن شأن ذلك إذا تحقق أن يوجه بعض الاستثمارات ، على الأقل ، إلى مشروعات ذات أهمية وأولوية للاقتصاد الوطني ، فضلا عن انه يختصر الوقت أمام تلك المشروعات ويضمن انطلاقها عمليا خلال أقل وقت ممكن .

ثالثا : انه بالنظر إلى تعدد جوانب خطة التحفيز الاقتصادي ، وامتدادها إلى مجالات عدة ، فإنه من المهم والضروري بذل جهد كبير ومستمر أيضا لشرحها وإيضاح مزاياها للقطاع الخاص وللمواطن العماني وللمستثمرين أيضا ، والمهم كذلك التعامل معها على أنها خطة لتنشيط الاقتصاد العماني وليست خطة لتقديم المزيد من المساعدات والإعانات فقط . صحيح أنها تتضمن تسهيلات مصرفية مهمة وجيدة للأفراد وللمشروعات الصغيرة والمتوسطة ، ولكن الصحيح والمهم أيضا ألا يكون هذا الجانب هو الجانب الأكثر وضوحا أو جانب الاهتمام الأكبر أو الأوحد ، أو محور التعامل معها ، لأن الجوانب الأخرى مهمة إلى حد كبير . ولعل الفترة القادمة تشهد مزيدا من الشرح والإيضاح لجوانب خطة التحفيز الاقتصادي العمانية التي اتسمت بالشمول والتكامل مع جهود الدولة في المجالات المختلفة في هذه المرحلة الدقيقة . من جانب آخر فإن مما له أهمية ودلالة أن السلطنة نجحت في الحصول على 2.2 مليار دولار في الطرح الأخير لها قبل أيام ، وهذا النجاح الذي فاجأ البعض ، والذي أثبت خطأ توقعات بعض الأوساط ذات التوجهات المعروفة ، أثبت أيضا أن السلطنة والإجراءات التي اتخذها جلالة السلطان المعظم لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة ولدفع قطاعات الاقتصاد المختلفة وترشيد الإنفاق ، تحظى في الواقع بثقة أوساط المال والائتمان الإقليمية والدولية ، وإنها تمضي في طريقها المرسوم لتخفيض حجم الدين العام وفق خطة التوازن المالي متوسطة المدى ، وأن الاقتصاد العماني قادر على استعادة النشاط والنمو ، خاصة إذا تحقق المزيد من التعاون والتنسيق والإخلاص وإعلاء المصلحة الوطنية في كل خطوات التعاون بين القطاع الخاص والحكومة ، بما فيها بالطبع إجراءات التحفيز الاقتصادي التي يحتاج تنفيذها إلى طريق في اتجاهين حتى ستنشط وتزدهر قطاعات الاقتصاد المختلفة وتحافظ على مستويات تشغيلها وإنتاجها بمعدلات متزايدة قدر الإمكان