12.4 مليار يورو إيرادات أكبر 20 ناديا عالميا.. متى تدخل كرة القدم العُمانية اقتصاد الصناعة؟
وسعت كرة القدم نطاقها الاقتصادي، إذ تحولت إلى صناعة اقتصادية عالمية تتداخل فيها قطاعات الإعلام والإعلان والسياحة والضيافة والتكنولوجيا والتجارة، وتتنافس على عوائدها الأندية والشركات والمستثمرون.
ويعكس حجم الإيرادات التي تحققها الأندية الكبرى اتساع هذه الصناعة؛ إذ سجل أكبر 20 ناديًا لكرة القدم في العالم إيرادات قياسية بلغت 12.4 مليار يورو خلال موسم 2024-2025، بنمو نسبته 11% مقارنة بالموسم السابق، وفق تقرير «دوري ديلويت المالي لكرة القدم 2026».
وتكشف هذه الأرقام عن تحول جوهري في نموذج أعمال الأندية، التي باتت تستثمر علاماتها التجارية وقواعدها الجماهيرية ومنشآتها الرياضية لتوليد مصادر دخل تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وتستند القوة الاقتصادية لكرة القدم إلى قدرتها على تحويل الشغف الجماهيري إلى قيمة تجارية، من خلال الرعاية والاشتراكات والمحتوى الرقمي والمنتجات والفعاليات، إلى جانب ما توفره من فرص لقطاعات أخرى كالسياحة والضيافة والنقل.
وسط هذا النمو العالمي لهذه الصناعة، تطرح جريدة «عُمان» تساؤلًا حول واقع كرة القدم في سلطنة عُمان، ومدى قدرتها على الانتقال من نشاط رياضي يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل التقليدي إلى صناعة اقتصادية تستثمر الجماهير والأصول والمنشآت، وتستقطب القطاع الخاص، وتخلق إيرادات مستدامة وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأكد مختصون في استطلاع صحفي لـ«عُمان» أن تحويل كرة القدم في سلطنة عُمان إلى صناعة اقتصادية مستدامة يتطلب تغييرًا في طريقة إدارة الأندية وتمويلها، من خلال تنويع مصادر الدخل، واستثمار القاعدة الجماهيرية والمنشآت الرياضية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.
وقالوا لـ«عُمان» إن التحدي يكمن في القدرة على بناء نماذج أعمال قادرة على تحويل الشعبية والاهتمام الرياضي إلى إيرادات ذاتية وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأكد سعادة سلطان بن حميد الحوسني، نائب رئيس لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى ورئيس مجلس إدارة نادي الخابورة، أن القيمة الاقتصادية للأندية الرياضية ترتبط بقدرتها على تحويل النجاح الرياضي والقاعدة الجماهيرية والأصول التي تمتلكها إلى مصادر دخل مستدامة.
وأوضح أن النتائج الإيجابية تسهم في زيادة الرعايات التجارية ورفع الحضور الجماهيري على المدى القصير، إلا أن بناء قيمة استثمارية طويلة الأجل يعتمد على قوة العلامة التجارية للنادي، وولاء جماهيره، والمنشآت التي يمتلكها أو يديرها، وقدرته على استقطاب المستثمرين واستثمار المحتوى والحقوق التجارية، مشيرًا إلى أن بعض الأندية العالمية تحافظ على قيمتها السوقية رغم تراجع نتائجها الرياضية، بفضل قوة علاماتها التجارية وقواعدها الجماهيرية.
مصادر للإيرادات
وحول واقع الأندية العُمانية، أشار الحوسني إلى أن التحدي لا يتمثل في غياب المقومات الاقتصادية، وإنما في محدودية تسويقها واستثمارها، في ظل استمرار الاعتماد على الدعم التقليدي، وضعف الاحتراف الإداري والتسويقي، وغياب قواعد البيانات التي تساعد الأندية على فهم جماهيرها وتطوير الخدمات والمنتجات الموجهة إليها.
وأضاف أن محدودية استثمار المنشآت والمرافق الرياضية، وضعف المحتوى الرقمي التجاري، وعدم تحويل المتابعين إلى عملاء أو مشتركين، إلى جانب قلة المشروعات الاستثمارية المدرة للدخل، تحد من قدرة الأندية على بناء نماذج مالية مستدامة.
وأكد أن تنويع مصادر الدخل يمثل الخيار الأكثر واقعية لتعزيز الاستدامة المالية، من خلال محاور رئيسية تشمل الرعايات والشراكات التجارية، واستثمار المنشآت والمرافق، وأكاديميات كرة القدم، وتطوير المواهب، وبيع المنتجات، والتذاكر والعضويات، إلى جانب المحتوى الرقمي والمنصات الإعلامية.
الجمهور فرصة استثمارية
ورجّح الحوسني أن يكون الاستثمار في الجماهير عبر المحتوى الرقمي والعضويات من أبرز الفرص القابلة للنمو في السوق العُمانية، لانخفاض تكلفته مقارنة بإنشاء منشآت جديدة، وسهولة التوسع فيه والوصول إلى المشجعين داخل السلطنة وخارجها. كما يتيح هذا التوجه للأندية بناء قواعد بيانات جماهيرية تساعدها على استقطاب الرعاة وتسويق التذاكر والمنتجات والخدمات.
وأشار إلى أن أكاديميات كرة القدم تمثل فرصة استثمارية أخرى، من خلال تطوير المواهب وصقل اللاعبين وتهيئتهم للتسويق في السوقين المحلية والإقليمية.
وشدد الحوسني على ضرورة إعادة النظر في مفهوم النادي الرياضي، بحيث يتحول من مؤسسة تعتمد على التمويل لتسيير فريقها إلى كيان قادر على إنتاج قيمة اقتصادية من خلال جماهيره وأصوله وأنشطته، موضحًا أن الجماهير تمثل أصلًا اقتصاديًا، والمنشآت مشروعات استثمارية، والأكاديميات حاضنات للمواهب، فيما يشكل الفريق الأول منصة لتسويق العلامة التجارية للنادي.
وأكد أن تحقيق هذا التحول يتطلب تطوير الإدارة والتخطيط وتحديد أهداف قابلة للقياس والمراجعة، إلى جانب إدراج القطاع الرياضي تدريجيًا ضمن أولويات التنمية الحكومية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص عبر توفير الحوافز الاستثمارية.
وأوضح أن الانتقال بالرياضة العُمانية من الهواية إلى الاستثمار والاحتراف لا يعني الاستغناء المفاجئ عن الدعم الحكومي، وإنما يتطلب مسارًا طويل الأجل تتكامل فيه الأدوار الحكومية والخاصة، مع بناء أندية قادرة على تنمية مواردها وتحقيق الاستدامة المالية.
تقييم العائد الاقتصادي
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور غازي بن ناصر العلوي، رجل أعمال، أن تحول كرة القدم في سلطنة عُمان إلى صناعة اقتصادية يتطلب الانتقال من قياس حجم الإنفاق على الرياضة إلى قياس القيمة الاقتصادية التي تحققها مقابل هذا الإنفاق، مؤكدًا أن نجاح القطاع لا يُقاس بحجم الأموال التي تُضخ فيه، وإنما بقدرته على خلق إيرادات جديدة وأنشطة اقتصادية وفرص عمل مستدامة.
ولفت إلى أن تقييم العائد الاقتصادي لكرة القدم يستند إلى مجموعة من المؤشرات، أبرزها نسبة الإيرادات الذاتية للأندية إلى إجمالي دخلها، ومدى تراجع اعتمادها على الدعم الحكومي، إلى جانب قيمة حقوق البث والرعاية والتسويق ومعدلات نموها في سوق تنافسية، وحجم الطلب على المنتج الرياضي المحلي من خلال الحضور الجماهيري والمشاهدة والاشتراكات والإنفاق المرتبط بالأندية.
وأضاف أن من المؤشرات المهمة أيضًا قدرة كرة القدم على استقطاب إيرادات من خارج سلطنة عُمان، عبر استضافة البطولات والزوار والرعاة الإقليميين وحقوق البث الخارجي وانتقالات اللاعبين، فضلًا عن القيمة المضافة والوظائف والأنشطة التجارية الجديدة التي تنشأ حول القطاع الرياضي.
وأشار العلوي إلى أن بناء سلسلة قيمة اقتصادية حول كرة القدم يتطلب التعامل معها باعتبارها منتجًا اقتصاديًا وإعلاميًا متكاملًا، وليس مجرد مباراة تستمر 90 دقيقة، موضحًا أن الإعلام والبث وصناعة المحتوى تمثل إحدى أهم حلقات هذه السلسلة، لقدرتها على تحويل المباريات إلى منتجات قابلة للتسويق والوصول إلى جماهير داخل سلطنة عُمان وخارجها.
السياحة الرياضية
وأضاف أن الإعلان والرعاية والتسويق الرياضي تستفيد من اتساع قاعدة الجمهور وحجم المشاهدة، فيما تبرز السياحة الرياضية بوصفها فرصة واعدة من خلال استقطاب البطولات الإقليمية والدولية ومعسكرات الأندية والمنتخبات والجماهير القادمة من الخارج، بما ينعكس على قطاعات الضيافة والفنادق والطيران والمطاعم والنقل والتجزئة.
وشدد على أهمية التمييز بين الإنفاق المحلي الذي ينتقل من نشاط اقتصادي إلى آخر، والإنفاق الجديد الذي تستقطبه كرة القدم من الخارج أو الأنشطة والخدمات والوظائف التي تنشأ بفضلها، مؤكدًا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تظهر عندما تسهم الرياضة في جذب موارد إضافية إلى الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدة الأنشطة الإنتاجية والتجارية.
وحول الفجوة بين الشغف الجماهيري بكرة القدم والعائد الاقتصادي الذي تحققه الأندية العُمانية، أوضح العلوي أن التحدي الأكبر يتمثل في توجيه جزء كبير من اهتمام الجمهور العُماني نحو الدوريات والأندية العالمية، بدلًا من تحويل هذا الاهتمام إلى طلب على المنتج الرياضي المحلي.
وأشار إلى أن المشجع يتجه بطبيعته إلى المنتج الذي يقدم منافسة أقوى ومحتوى أفضل وتجربة جماهيرية أكثر جاذبية، إلى جانب النجوم والقصص التي يستطيع الارتباط بها، لافتًا إلى أن ما يحققه المنتخب الوطني من فخر وانتماء وقيمة اجتماعية لا يتحول تلقائيًا إلى إيرادات تجارية.
تغيير نموذج تمويل الأندية
وأكد أن استثمار هذا الشغف يتطلب تطوير المنتج المحلي من خلال المحتوى والعضويات والتذاكر والحقوق الرقمية والمتاجر والمنتجات الرياضية والرعاية التجارية وتحسين تجربة المشجع، بما يعزز ارتباط الجمهور بالأندية والمسابقات المحلية ويحول متابعته إلى قيمة اقتصادية قابلة للاستثمار.
وبيّن العلوي أن الخطوة الأولى لتحويل كرة القدم العُمانية إلى صناعة اقتصادية تتمثل في تغيير نموذج تمويل الأندية، بحيث تصبح الإيرادات الذاتية محور الاستدامة المالية، بدلًا من استمرار الاعتماد على الدعم الحكومي.
وأوضح أن ارتباط دخل النادي بحجم جمهوره وجودة منتجه الرياضي وحقوقه التجارية ورعاته وأكاديمياته وعوائد انتقالات لاعبيه، يدفع إدارته إلى تطوير التسويق والمحتوى وتحسين تجربة المشجع والبحث عن مصادر دخل جديدة، ويحول الجمهور من مجرد متابع إلى عنصر أساسي في النموذج الاقتصادي للنادي.
وأكد أن هذا التحول لا يعني إلغاء الدعم الحكومي بصورة مفاجئة، وإنما إعادة توجيهه تدريجيًا من تمويل يعزز الاعتماد إلى تمويل يحفز الاستدامة والنمو، بحيث تصبح الأندية أكثر قدرة على توليد إيراداتها وتطوير أصولها التجارية، مشيرًا إلى أن انتقال كرة القدم من نشاط يعتمد على الإنفاق إلى صناعة مولّدة للقيمة يرتبط بقدرة الأندية على بناء نماذج اقتصادية مستقلة، تجعلها مسؤولة عن تنمية مواردها وتعظيم العائد من جماهيرها وحقوقها وأصولها.
القيمة التسويقية
من ناحيته، قال عبداللطيف بن راشد المعمري، مختص في التسويق، إن تحويل كرة القدم العُمانية إلى صناعة اقتصادية يبدأ من إعادة النظر في قيمة الجمهور، باعتباره أحد أهم الأصول التي يمتلكها النادي، وليس مجرد أعداد من المشجعين في المدرجات، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للجماهير تُقاس بقدرة النادي على بناء علاقة مستمرة معها وتحويل تفاعلها إلى عوائد تجارية مستدامة.
وبيّن المعمري أن العلاقة بين المشجع والنادي ينبغي ألا تقتصر على دقائق المباراة، وإنما تمتد طوال الموسم من خلال المنصات الرقمية والمحتوى والعضويات والمنتجات والفعاليات المجتمعية وتجربة حضور المباريات، مشيرًا إلى أن فهم الأندية لاهتمامات جماهيرها وسلوكها يساعدها على تعزيز قيمتها التسويقية وجاذبيتها أمام الشركات والعلامات التجارية.
وأكد المعمري أن هذا التوجه يستدعي تطوير مفهوم الرعاية الرياضية، بحيث لا تقتصر على شراء مساحات إعلانية أو وضع شعارات الشركات على قمصان اللاعبين واللوحات داخل الملاعب، وإنما تتحول إلى شراكات تجارية تستند إلى الوصول إلى الجمهور وقياس التفاعل معه وتقديم تجارب تسويقية مبتكرة.
وأضاف أن قدرة النادي على تقديم بيانات واضحة عن حجم جمهوره وخصائصه ومستويات تفاعله وانتشاره الرقمي تعزز قيمة حقوقه التجارية، وتمنحه فرصة لتقديم منتجات تسويقية متكاملة للشركات الراعية، بما ينقل الرعاية من مفهوم الدعم إلى الاستثمار والشراكة.
ونوّه المعمري بأن بناء القيمة التجارية للأندية لا ينبغي أن يعتمد على النتائج الرياضية وحدها، فعلى الرغم من أهمية الفوز والبطولات في تعزيز الشعبية، فإن العلامة التجارية للنادي يجب أن تحافظ على قيمتها واستمراريتها حتى مع تذبذب النتائج. ويتطلب ذلك التعامل مع النادي باعتباره منظومة متكاملة تضم الفريق واللاعبين والجمهور والتاريخ والهوية والمحتوى والمنتجات والشراكات التجارية.
بوابة للاستثمار
ولفت المعمري إلى أن من أبرز الفرص المتاحة أمام الأندية العُمانية الانتقال من الاكتفاء بنشر أخبار المباريات والنتائج والتشكيلات إلى صناعة محتوى إعلامي متكامل يبني مجتمعًا جماهيريًا ويحافظ على تفاعله، موضحًا أن تاريخ النادي ولاعبيه ومنافساته وارتباطه بالولاية والمجتمع المحلي تمثل عناصر يمكن تحويلها إلى قصص ومحتوى ومنتجات وتجارب ذات قيمة تسويقية.
وأكد أن الأندية العُمانية تمتلك مقومات مهمة لبناء علامات تجارية قوية، في مقدمتها ارتباطها التاريخي والاجتماعي بالمجتمعات المحلية، وما تحمله من ولاء وانتماء جماهيري، وهي عناصر يمكن توظيفها في بناء شراكات مع القطاع الخاص الذي يبحث عن وسائل أكثر فاعلية للوصول إلى المستهلكين وتعزيز ارتباطهم بعلاماته التجارية.
وأفاد المعمري بأن التحدي يتمثل في كيفية إدارة الأندية وتسويقها وقياس قيمتها وتحويلها إلى مصادر دخل قابلة للنمو، داعيًا إلى تغيير النظرة التقليدية للنادي باعتباره مؤسسة تحتاج إلى ميزانية سنوية لتسيير نشاطها الرياضي، والتعامل معه باعتباره أصلًا اقتصاديًا وعلامة تجارية ومنصة إعلامية ومجتمعًا جماهيريًا يمتلك حقوقًا ومنتجات قابلة للاستثمار.
