معيار عُماني في بكين.. شراكة اقتصادية بلا شروط سياسية
"عُمان": في أكثر جمل كلمة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، دلالة في بكين، امتدح جلالته نموذج الحكم الصيني لما حققه من تحويل البلاد إلى قوة اقتصادية عالمية، ثم وصف الرسالة الاقتصادية الصينية بأنها لم تُخلط بأهداف سياسية أو محاولات للهيمنة.. وهذه العبارة تستحق أن تُقرأ بكثير من العناية، خاصة في ظل الجدل الواسع حول الإكراه الاقتصادي وأعباء الديون.
ومصدر هذا الجدل سؤال يرافق كل علاقة اقتصادية تتعمّق بين دولتين: أين تنتهي المصالح التجارية وأين تبدأ الحسابات السياسية؟ والعلاقة العُمانية الصينية بلغت من العمق ما يجعل هذا السؤال حاضرا فيها؛ فالصين الوجهة الأولى للنفط العُماني، وقد استقبلت في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 نحو 95% من صادرات عُمان من الخام. وتجيب الكلمة عن هذا السؤال بثقة، بمفرداتها وبالبنية التي تقترحها للشراكة.
وأول الجواب أن قراءة الإشادة في سياقها العُماني تكشف عن عقيدة عُمانية راسخة، اختار جلالة السلطان المعظم أن يقولها بوضوح قبيل توقيع عدد من مذكرات التفاهم مع الجانب الصيني. وجوهر هذه العقيدة أن شراكات عُمان الاقتصادية وانفتاحها على الاستثمار العالمي لا يمكن أن تقوم على اشتراطات سياسية، أو أن تُرهن بها مواقف سلطنة عُمان من القضايا التي تؤمن بها.
ويمكن أن نقرأ الأمر على أنه معيار ينعقد عليه سائر الكلمة؛ فالأرقام التي سبقته، وفي مقدمتها استثمارات صينية تجاوزت 33 مليار يوان بالشراكة مع جهاز الاستثمار العُماني، والعروض التي تلته، من اتفاقية تفضيلية للتجارة والاستثمار إلى التعاون في الذكاء الاصطناعي والفضاء والصناعات الدفاعية، تفترض كلها أن ذلك المعيار سيبقى صامدا. والزيارة، وهي الأولى لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات عام 1978، جاءت بعد أقل من أسبوعين على زيارة دولة إلى المملكة المتحدة، ولذلك فإن المعيار الذي يُعلن في الطريق من وندسور إلى بكين رسالة موجهة إلى الجميع، مفادها أن شراكات عُمان الاقتصادية لا تغيّر مواقفها السياسية.
ودفعت سلطنة عُمان أثمان استقلال مواقفها مرارا، وتعرف الشروط السياسية معرفة من جرّبها. أبقت علاقاتها مع القاهرة بعد كامب ديفيد حين قطعتها معظم العواصم العربية، وحافظت على قنوات اتصالها مع طهران طوال الحرب العراقية الإيرانية، واستضافت عام 2013 المحادثات الأمريكية الإيرانية السرية التي مهّدت للاتفاق النووي، وبقيت خارج التحالف في حرب اليمن. وفي هذا العام، وهي تحمل عبء الوساطة بين واشنطن وطهران وتبحث مع إيران ممرا ملاحيا مؤقتا يعيد فتح هرمز، لم تسلم وساطتها من تشكيك علني من أكثر من جهة. وحين تقول مسقط في بكين إنها تقدّر اقتصادا لا يخلط التنمية بالهيمنة، فإنها تُسمع عواصم أخرى أنها لا تنوي الاختيار بين شركائها.
وجاءت كلمة جلالة السلطان المعظم في الإعجاب بنموذج الحكم الصيني دقيقة الصياغة؛ إذ ربطته بنتيجة محددة، هي قوة اقتصادية "تعدّى أثرها الحدود الصينية"، ثم ردّت المشترك بين البلدين إلى أن "الإنسان هو المحور الأساسي والهدف" من التنمية. فموضع الإعجاب إذن قدرة الدولة الصينية على التخطيط البعيد وإنجاز ما تخطط له، وهي القدرة ذاتها التي تراهن عليها "رؤية عُمان 2040"، أما النموذج السياسي فيبقى، في منطق الكلمة، شأنا صينيا خالصا.
والمعايير المعلنة تحتاج إلى بنية تحميها، ومفردات الكلمة تكشف أن مسقط فكّرت في ذلك؛ فهي تتحدث عن الاستثمار المباشر، والصناديق الاستثمارية المشتركة، والتعاون بين "المؤسسات الاستثمارية والمالية"، ولا ترد فيها كلمة واحدة عن القروض. وعُمان التي خرجت من أعباء الدين وقيوده لا تبدو في وارد العودة إليها؛ فقد كان الدين العام العُماني نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020، وانخفض إلى قرابة 36% في 2025، واستعادت سلطنة عُمان تصنيف الجدارة الاستثمارية لدى الوكالات الكبرى الثلاث. والشراكة بالملكية تربط عائد المستثمر الصيني بنجاح المشروع العُماني نفسه، فتعلّق مصلحته باستقرار عُمان وازدهارها، وتنزع من يده الورقة التي يمنحها الدَّين للدائن.
ولا يتعارض هذا المعيار مع تأكيد الكلمة مبدأ الصين الواحدة؛ فهو موقف تتبناه عُمان امتدادا لعقيدتها في احترام السيادة وعدم التدخل، وقد التزمت به منذ إقامة العلاقات الثنائية نهاية سبعينيات القرن الماضي، فلم يكن يوما شرطا مفروضا عليها لشراكة.
ولمّحت الزيارة إلى أن مسقط لا تريد أن تطول وقفتها أمام العقبات العالقة في مفاوضات التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون، الجارية منذ عام 2004؛ ولذلك أعلنت الكلمة انفتاح عُمان على اتفاقية ثنائية تفضيلية للتجارة والاستثمار، يمكن أن تسير بالتوازي مع مفاوضات المجلس وتكمّلها. ومعنى هذه الاتفاقية يتجاوز التجارة؛ فهي تفتح الطريق أمام مزيد من الاستثمارات الصينية في صحار والدقم، وفي المجالات التي عرضتها الكلمة كالهيدروجين الأخضر والتقنيات الرقمية، وكل ذلك يوسّع دائرة العلاقات بعيدا عن النفط، ويخفف ثقل الاعتماد النفطي المركز على مشتر واحد.
قوة هذا المعيار أنه يخدم بكين بقدر ما يخدم مسقط، فما يجعل عُمان شريكا ثمينا للصين هو بالضبط ما يطلب المعيار احترامه: موانئ مطلة على بحر العرب خارج المضيق، وقنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، ورصيد في الوساطة اكتسب وزنا إضافيا في عام الحرب. وهذه الصفات كلها تنبع من استقلال القرار العُماني، وتضعف إن صار هذا القرار تابعا لأي عاصمة. وحين تحدّث الرئيس شي عن شراكة تسهم في سلام المنطقة واستقرارها وازدهارها، كان يصف المصلحة نفسها من الجهة الأخرى.
وتبدو مسقط حريصة على أن تُبنى المرحلة الجديدة على ما يتحقق فعلا؛ فالمدينة الصناعية الصينية العُمانية في الدقم، التي وُقّع اتفاقها عام 2016 بطموحات استثمارية قُدّرت بنحو 10.7 مليارات دولار، مضت بإيقاع أبطأ مما أُعلن. والكلمة اختارت أن تستند إلى رقم متحقق، وأن تتحدث بلغة الصناديق المشتركة والمشروعات المحددة، وفي ذلك ما يوحي بأن تجربة الدقم صارت جزءا من الخبرة المشتركة للطرفين.
ثم إن مسقط أعلنت معيارها في بكين نفسها، في قاعة الشعب الكبرى وعلى مسمع الرئيس شي، وبذلك صار المعيار جزءا من نص اللحظة التي وصفها الطرفان بالمنطلق الجديد، وصار لكل منهما فيه نصيب: عُمان تحفظ به استقلال قرارها، والصين تحفظ به الشريك الذي تحتاجه في هذا الموقع من العالم كما هو، مستقلا ومنفتحا على الجميع.
