عمان اليوم

سلطنة عُمان وبروناي دار السلام: أربعة عقود من الصداقة تتوجها زيارة سامية تاريخيّة

02 نوفمبر 2026
02 نوفمبر 2026

العُمانية/ تسعى سلطنة عُمان خلال عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى تعزيز أواصر التعاون والتواصل مع دول العالم. وتأتي هذه الجهود في إطار رؤية متكاملة تنطلق من الإرث الحضاري العريق لسلطنة عُمان، وموقعها الجغرافي المتميز الذي جعلها جسرًا للتواصل بين الشرق والغرب، ونهجها القائم على الحكمة والاعتدال واحترام سيادة الدول، وتجسد سياسة سلطنة عُمان الخارجية حرصها على بناء شراكات استراتيجية راسخة مع الدول الشقيقة والصديقة تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتترجم إلى تعاون عملي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى بروناي دار السلام والتي تعد أول زيارة لسلطان عُماني إلى بندر سري بكاوان، تجسيدًا لاهتمام جلالته /أيّده الله/ بمد جسور الصداقة والشراكة مع الدول الشقيقة والصديقة، وترجمة لسعي حكومة سلطنة عُمان إلى التواصل مع دول وشعوب العالم لتعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة ويوطد أواصر التعاون والتفاهم بين الشعوب.

وتعد الشراكة بين سلطنة عُمان وسلطنة بروناي دار السلام نموذجًا فريدًا للتعاون بين دولتين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ نجحتا في تحويل الروابط التاريخية إلى شراكة اقتصادية وثقافية متينة، مدعومة بزيارات رسمية متبادلة واتفاقيات ثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

Image

وتوجت العلاقات الدبلوماسية والشراكة الاستراتيجية بين سلطنة عُمان وبروناي دار السلام بمحطات فارقة جسدت نموذجًا متقدمًا للتعاون الثنائي بين الدول. فمنذ التأسيس الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين مسقط وبندر سري بكاوان في عام 1984، نجح البلدان في صياغة شراكة راسخة عابرة للقارات والبحار قائمة على الاحترام المتبادل وتطابق الرؤى السياسيّة والتكامل الاقتصادي والثقافي وعمق الروابط التاريخية.

Image

وافتتحت سلطنة عُمان سفارتها في العاصمة البروناوية بندر سري بكاوان في عام 1986م، لتبدأ فصلا من التناغم الدبلوماسي يمتد إلى أكثر من أربعة عقود.

وتحظى العلاقات الثنائية بين سلطنة عُمان وبروناي دار السلام باهتمام كبير لدى قيادتي البلدين الصديقين، وهو ما أسهم في تطوير هذه العلاقات وإثرائها ودفعها إلى آفاق أرحب ونتائج مثمرة منذ قيام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل أربعة عقود. وقد تعززت هذه العلاقات من خلال الزيارات الرسمية المتبادلة التي تمثلت في زيارة حضرةِ صاحبِ الجلالةِ السلطان هيثم بن طارق المُعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى بروناي دار السلام خلال العام 2014، إبان تولي جلالته /أيده الله/ وزارة التراث والثقافة.

وفي المقابل، قام السلطان حاجي حسن البلقية سلطان بروناي دار السلام بعدة زيارات إلى سلطنة عُمان خلال الأعوام 1984، 1985، 2009، عكست حرص البلدين على تعزيز أواصر التواصل والتعاون ودفع مسيرة الشراكة بينهما نحو مزيد من التقدم والازدهار.

Image

وقد شهدت العلاقات بين البلدين الصديقين تطورًا ملحوظًا، وتجسد ذلك في التوقيع على عدد من مذكرات تفاهم بين البلدين تتعلق بالتعاون في مجالات التعليم والثقافة وغيرهما، فضلا عن تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين من البلدين. وفي عام 1992، تم إنشاء مجموعة العمل المشتركة تعرف باسم "الاجتماع التشاوري الثنائي" بين سلطنة عُمان وبروناي دار السلام وقد أسهمت اجتماعات المجموعة في تعزيز العلاقات الثنائية في العديد من المجالات.

Image

وتظهر الإحصاءات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن قيمة استثمارات بروناي دار السّلام في سلطنة عُمان في عام 2025 بلغت نحو 50.3 مليون ريال عُماني، فيما بلغت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي نحو 50.4 مليون ريال عُماني. وفي المقابل، بلغت قيمة الاستثمارات العُمانية المباشرة في بروناي دار السلام نحو 2.3 مليون ريال عُماني.

Image

وذكرت الإحصاءات أن إجمالي عدد الزوار القادمين إلى سلطنة عُمان من بروناي دار السلام عبر المنافذ القانونية بلغ 344 زائرًا، وبلغ العدد في نهاية سبتمبر 2026 نحو 126 زائرًا.

ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة مرحلة مهمّة لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين الصديقين إلى مستويات متقدمة، تعززها رغبة حكومتي البلدين في تحقيق التنويع الاقتصادي وتوسيع آفاق الشراكة في شتى المجالات التجارية والاستثمارية.

وواصلت سلطنة عُمان وبروناي دار السلام تعزيز أواصر التعاون في مجال الاستثمار خلال السنوات الماضية، في مسار تنموي واعد يعكس عمق العلاقات بين البلدين الصديقين. وقد توج هذا التعاون بالتوقيع على اتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار الأجنبي بين البلدين في مسقط في يونيو 1998 لتهيئة الظروف المواتية لتعزيز التعاون الاقتصادي والحماية المتبادلة للاستثمار الأجنبي بين الحكومتين والمواطنين والشركات العاملة في البلدين بما يفتح آفاقًا رحبة للشراكة المُثمرة.

وانطلاقًا من حرص البلدين على تعزيز التعاون في مجالي التجارة والاستثمار بين البلدين، وقعت سلطنة عُمان وبروناي دار السلام على اتفاقية لإنشاء صندوق استثمار مشترك برأس مال يبلغ 100 مليون دولار أمريكي مناصفة بين البلدين، على أن يكون مقره في العاصمة العُمانية مسقط. وقد أثمرت هذه الصفقة عن إنشاء شركة عُمان بروناي للاستثمار في عام 2009م التي تركز على العديد من المشروعات الاستثمارية الناجحة في سلطنة عُمان وبروناي دار السلام، وأسهمت بفاعلية في استكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة لدى الجانبين في قطاعات التعليم والصحة والضيافة والخدمات والاستزراع المائي، بما ينبئ بمزيد من المشروعات المشتركة.

Image

وفي تأكيد لحرص الجانبين على الارتقاء بالشراكة الاقتصادية إلى مستويات أكثر تقدّمًا وازدهارًا، اتفق جهاز الاستثمار العُماني ووكالة بروناي للاستثمار في ديسمبر 2019 على زيادة رأس مال شركة عُمان بروناي للاستثمار بمبلغ وقدره 100 مليون دولار إضافي، ليصل رأس مال الشركة إلى 200 مليون دولار أمريكي، وقد تم التوقيع على الاتفاقية على هامش اجتماعات الدورة التاسعة عشرة للمشاورات السياسية بين البلدين.

وأكدت سعادة السفيرة إرما بنت سعيد الكثيري، سفيرة سلطنة عُمان المعتمدة لدى بروناي دار السلام لوكالة الأنباء العُمانية على أن الزيارة السامية المرتقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى بروناي دار السلام، تعد لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ إنها أول زيارة يقوم بها جلالته إلى بروناي دار السلام تلبية لدعوة كريمة من جلالة السلطان الحاج حسن البلقية، مشيرة إلى أن هذه الزيارة تأتي تتويجًا لمسيرة تمتد لأكثر من اثنين وأربعين عامًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسيّة في الرابع والعشرين من مارس عام 1984م، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من استقلال بروناي، ما يؤكد على أن سلطنة عُمان كانت من أوائل من مدّوا يد الصّداقة إلى هذا البلد.

Image

ووضحت سعادتها أن للزيارة دلالة إضافيّة حين نستحضر أن جلالةَ سُلطان بروناي زار سلطنة عُمان ثلاث مرات في الأعوام (1984 و1985 و2009)، مؤكدة على أن هذه الزيارات أرست أساسًا لهذه العلاقة وأسفرت عن إنشاء كيانات مشتركة، ومن ثم فإن زيارة جلالة السلطان المُعظم اليوم تترجم عمق التواصل على أرفع المستويات، وتؤكد على أن ما بين البلدين ليس علاقة بين حكومتين فحسب، بل صلة أخوية بين أسرتين حاكمتين عريقتين وشعبين تجمعهما قيم الإسلام والاعتدال.

وبينت سعادة السفيرة بأنه عند استحضار التاريخ الحضاري العُماني، يتبين أن البحارة والتجار العُمانيين كانوا في طليعة من ربطوا الخليج بموانئ الشرق عبر طرق الحرير البحرية؛ ومن ثم فإن زيارة جلالة السُّلطان المعظم إلى بروناي دار السلام ليست بداية علاقة، بل استئناف لعلاقة قديمة راسخة بين الجزيرة العربية وأرخبيل الملايو، تتجدد اليوم في إطار شراكة استراتيجية متينة.

وحول أبرز الملفات والمجالات التي ستركز عليها الزيارة السامية، وضحت سعادة السفيرة أن الزيارة يتصدرها ملف جوهري هدفه الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عبر إعلان مشترك يُنتظر أن يرسم إطارًا شاملًا لما بعد هذه المرحلة، ويواكبه التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكّرات التّفاهم التي تخدم أولويات البلدين الصديقين. وتتمثل هذه الأولويات في التواصل وتيسير التنقل، ويشمل تحديث اتفاقية الخدمات الجوية وترتيبات الرمز المشترك، واتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات لحملة الجوازات الدبلوماسية والخاصة وجوازات الخدمة.

وفيما يتعلق بالاقتصاد والاستثمار، أضافت أن التعاون يشمل بروتوكول تعديل اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي الموقع عليها عام 2008م بما يهيئ بيئة أنسب للاستثمار، ومذكرة تفاهم في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي تفتح باب تبادل الخبرات بين "رؤية عُمان 2040م" و"رؤية بروناي 2035م". كما يشمل التعاون مجال الأمن الغذائي بمذكرة تفاهم في الزراعة والثروة السمكية تبنى على تجربة ناجحة قائمة في الاستزراع السمكي عبر شركة عُمان بروناي للاستثمار، ومذكرة تفاهم في العمل وتنمية الموارد البشرية والتدريب المهني.

وذكرت سعادة السفيرة أن المباحثات بين جلالة السلطان المُعظّم وسُلطان بروناي دار السّلام ستتناول الرؤى حول التطورات في منطقتي الخليج وجنوب شرق آسيا، كما سيشهد القائدان افتتاح معرض فوتوغرافيّ في متحف السُّلطان الحاج حسن البلقية الإسلامي يوثّق محطات العلاقات منذ عام 1984م، والقاسم المشترك بين هذه الملفات جميعًا هو الانتقال من الرّوابط السياسيّة المُتميزة إلى مصالح ملموسة يلمسها المواطن في البلدين.

Image

وفي ضوء الشراكة الثنائية الممتدة لأربعة عقود وأهمية هذه الزيارة في تعزيز الشراكة وفتح آفاق أوسع للتعاون الثنائي، قالت سعادتُها: "أستطيع القول بثقة إن هذه الزيارة ستكون نقطة تحوّل نوعي، لأنها لا تكتفي بتأكيد ما هو قائم، بل تضع له إطارًا مؤسّسيًّا جديدًا وآليات تنفيذ محددة المعالم"، مبينة أن البلدين يمتلكان رصيدًا من الاتفاقيات بلغ أربع عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم منذ عام 1988م في مجالات النّقل الجويّ والاستثمار والتّعليم والثّقافة والإعلام والصحّة والشّؤون الدينيّة، وآليتين فاعلتين هما الاجتماع التشاوري بين وزارتي الخارجية الذي عُقدت منه ثلاث وعشرون جولة، واللجنة المشتركة على مستوى الوكلاء.

وأشارت إلى نموذج استثماري ناجح بين البلدين الصديقين يتمثل في شركة عُمان بروناي للاستثمار التي تأسست عام 2009 ونما رأس مالها إلى 200 مليون دولار أمريكي، ولها حضور في الصّحة والتعليم والضيافة والصناعة والتحلية وتأجير الطائرات في عُمان والاستزراع السمكي في بروناي مضيفة أن الطموح يتجاوز ما تحقق حتى الآن.

وأكدت سعادتُها على أهمية الشراكة الاستراتيجية في هذا الجانب، كونها توفر الأرضية المتينة لتحويل التقارب السياسي إلى تجارة واستثمار وروابط حيوية. وما يبعث على التفاؤل أن المتابعة مضمونة بآليات قائمة؛ إذ ستشكّل الجولة الرابعة والعشرون للاجتماع التشاوري في بروناي مطلع العام المقبل، والدورة الخامسة للجنة المشتركة عام 2027م، محطتين ذواتيْ أهمية لترجمة ما سيُتفق عليه إلى واقع ملموس.

وحول تقييمها للأهمية السياسيّة والدبلوماسيّة للعلاقات العُمانية-البروناوية، وما تمثله المرحلة الراهنة في مسارها، وضحت سعادةُ السّفيرة أن هذه العلاقات تستمد أهميتها السياسية من تطابق في الرؤية والنهج قلّما نجده بين بلدين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات؛ إذ يجمعهما نظام حكم عريق، وهُويّة إسلاميّة معتدلة، وسياسة خارجيّة هادئة قوامها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وتسوية النزاعات بالحوار والوسائل السلمية. وهذا التطابق ليس شعارًا، بل ممارسة يشهد لها التّنسيق المستمرّ بين البلدين في الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المحافل.

ومن الناحية الدبلوماسية، أكدت سعادتُها على أن بروناي دار السّلام تمثل لسلطنة عُمان شريكًا موثوقًا به في قلب رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، فيما تمثل سلطنة عُمان لبروناي صوتًا للحكمة ونافذةً على منطقة الخليج.

وقد عبّر الجانب البروناوي في أكثر من مناسبة عن تقديره للدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تعزيز السّلام والاستقرار عبر الحوار والدبلوماسيّة، وهو دور يحظى بالتقدير والاعتزاز.

أما المرحلة الرّاهنة من العلاقات الثنائية، فقد أكدت على أنها بلغت مرحلة النضج؛ فبعد أربعة عقود من بناء الثقة وتبادل الخبرات، وصل البلدان إلى قناعة مشتركة بأن الوقت قد حان للانتقال من التعاون إلى الشراكة. وما يزيد من أهمية هذا التوقيت أنه يأتي قبيل اليوبيل الماسي لتولّي السُّلطان الحاج حسن البلقية مقاليد الحكم في بروناي دار السّلام، وفي ظرف دوليّ وإقليميّ دقيق تتعاظم فيه قيمة الشراكات القائمة على الثقة والاعتدال.

وفي ظل التطوّرات المتسارعة في المنطقة والعالم، أكدت سعادةُ السّفيرة على أن البلدين يواصلان التنسيق والحوار بشأن القضايا الإقليميّة والدوليّة ذات الاهتمام المشترك. وأنه في عالم يزداد اضطرابًا، تتعاظم قيمة الدول التي تحافظ على ثبات مواقفها واتزان خطابها، وهو ما يجمع بين سلطنة عُمان وبروناي دار السّلام؛ إذ يؤمن البلدان بأن الحوار هو السّبيل الأنجع لمعالجة الأزمات، وبأن احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة هو الضمان الحقيقي لاستقرار الدول.

وأضافت أن التّنسيق بين البلدين يتيح قنوات متعدّدة ومتكاملة. فعلى المستوى الثنائي، يأتي الاجتماع التشاوري السنوي بين وزارتي الخارجية، الذي يجمع بين التشاور السياسي ومتابعة التعاون في مقدمة هذه القنوات، وستعزز الشراكة الاستراتيجية من دوره ومكانته، إلى جانب التواصل المباشر والمنتظم بين القيادتين. وعلى المستوى متعدد الأطراف، يتجسد التنسيق في الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز، ودعم المواقف المتبادلة في المنظمات الدولية. وعلى المستوى الإقليمي، تُوظَّف أطر القمم المشتركة بين دول مجلس التعاون ورابطة الآسيان لتعزيز التقارب والتكامل بين المنطقتين، بما يجعل البلدين جسرًا طبيعيًّا بينهما.

وأشارت إلى أن البلدين يتفقان على ثوابت واضحة، في مقدمتها دعم حقوق الشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة، وأهمية أمن الملاحة وحريتها، ورفض الاحتكام إلى القوة في حل النزاعات. وقالت إن قيمة هذه الشراكة تتجلى تحديدًا في أوقات الأزمات؛ حين يتشاور صوتان للحكمة في إقليمين مختلفين، فتتسع آفاق الرؤية لكليهما، ويقوى صوت الاعتدال في محيط أشدّ حاجةً إليه، وأكثر تطلعًا إلى سلامٍ مستدام.

وحول تقييمها لمستوى التعاون في المجالات التعليمية والثقافية والأكاديمية، والفرص المتاحة لتعزيز التبادل بين المؤسسات والجامعات في البلدين، قالت سعادةُ السّفيرة: "إن كان لي أن أختار أنجح مجالات التعاون وأقربها إلى قلوب الناس، لاخترت التعاون في تعليم اللغة العربية؛ فهو المجال الذي يلمس فيه البروناويون الأثر العُماني مباشرة". وبيّنت أن سلطنة عُمان أهدت أكثر من أحد عشر ألف كتاب من مناهج اللغة العربية، وأوفدت خبيرًا لتدريب المعلمين على مدى ثلاث سنوات، ونظّمت دورات تدريبية متتالية لمعلمي العربية آخرها مطلع هذا العام، إلى جانب برنامج لتوأمة المدارس العربية. وأشارت إلى أن واحدًا وأربعين طالبًا بروناويًّا استفادوا من برنامج معهد السُّلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، فيما توفد جامعة السُّلطان الشّريف علي الإسلامية طلبتها لقضاء عام أكاديمي في جامعة السُّلطان قابوس.

Image

وعلى الصعيد الأكاديمي، وضّحت أن جامعة السلطان قابوس وجامعة بروناي دار السلام تربطهما مذكرة تفاهم منذ عام 2003م، فضلًا عن تبادل الطلبة للمشاركة في برامج مشتركة، وقد نال عدد من الطلبة العُمانيين درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة بروناي دار السلام. أما ثقافيًّا فقد دشّنت سفارة سلطنة عُمان في بروناي دار السلام سبعة أركان للإصدارات العُمانية في مكتبات بروناي تضم أكثر من ألفي إصدار، فيما تتواصل المشاركة المُتبادلة سنويًّا في معرضي الكتاب في البلدين، إضافة إلى فيلمين وثائقيين مُشتركين وكتاب توثيقي يخلّد أربعين عامًا من التعاون.

أما عن الفرص المتاحة، فوصفتها سعادةُ السّفيرة بأنها واسعة، وتشمل تخصيص منح دراسيّة سنويّة مُتبادلة، لا سيما للطلبة العُمانيين في الجامعات البروناوية المتقدمة في التصنيفات الإقليميّة، وللطلبة البروناويين في تخصّصات اللغة العربية وتعليمها في الجامعات العُمانية، وتوسيع الشراكات البحثية في مجالات الدّراسات الإسلامية والأمن الغذائي والطاقة، وتعزيز تبادل الشباب الذي بدأت ملامحه تتبلور بمشاركة شباب من بروناي في معسكر "مُستعد"، فيما تفتح مذكرة التدريب المهني الجديدة آفاقًا جديدة لبناء القدرات في البلدين.

وحول الرسالة التي تحملها العلاقات العُمانية-البروناوية اليوم، وتطلعاتها لمسار هذه الشراكة خلال السنوات المقبلة، أكدت سعادةُ السّفيرة على أن هذه الرسالة بسيطة في صياغتها، عميقة في معناها؛ فالمسافات لا تحول دون التقاء الشعوب حين تجمعها القيم. فقد تمكن البلدان، أحدهما يطلّ على بحر العرب والآخر على بحر الصين الجنوبي، عبر أربعة عقود من تأسيس علاقة نموذجية قوامها الاحترام المتبادل والثقة والوفاء، وها هما ينتقلان بها اليوم إلى آفاق الشراكة الاستراتيجية، فيما تحمل هذه العلاقات رسالة إلى العالم بأن نهج الحكمة والاعتدال والحوار ليس خيارًا مثاليًّا، بل خيار واقعيٌّ يصنع الاستقرار ويعزز التنمية.

Image

وأعربت سعادتها في ختام تصريحها عن تطلّعها في أن تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في البلدين؛ عبر ربط جوي أكثر سلاسة وانتظامًا يقرّب بين مسقط وبندر سري بيجوان، واستثمارات متبادلة أوسع في مجالات الأمن الغذائي والطاقة واللوجستيات والصناعات، وحضور أكبر للقطاع الخاص، وتدفق سياحي يستفيد من المقومات المتكاملة للبلدين، وجيل جديد من الطلبة والباحثين يحمل هذه الصداقة إلى المستقبل. وأكدت على أن السفارة تدرك أن ما بعد الزيارة لا يقل أهمية عن الزيارة ذاتها؛ ولذلك ستعمل مع الجهات المعنية في البلدين على متابعة تنفيذ ما سيُتفق عليه، خطوة بخطوة حتى تتحقق ثمار هذه الزيارة التاريخية على الوجه الأكمل.

من جانب آخر، أكد سعادةُ فيصل بن عبد الله الرواس، رئيسُ مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان على أن العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وبروناي دار السّلام تتيح فرصًا واعدة لتوسيع مجالات التعاون وتعزيز الشراكات بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين. وأشار إلى أهمية البناء على ما يمتلكه الجانبان من مقومات اقتصادية وإمكانات متنوعة، بما يفتح آفاقًا أوسع للتبادل التجاري والاستثماري ويخدم المصالح المشتركة.

ووضح سعادتُه في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن الصناعات التحويلية والأمن الغذائي والصناعات الغذائية تمثل مجالات مهمة للتعاون من خلال تشجيع الاستثمارات المشتركة وتبادل الخبرات والتوسع في إنتاج الأغذية وتصنيعها، بما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويدعم تنويع مصادر الغذاء. كما تبرز السياحة مجالًا واعدًا للتعريف بالمقومات السياحية في البلدين، وتطوير البرامج والمنتجات السياحية التي تتيح فرصًا أكبر للتعاون بين المؤسسات والشركات العاملة في هذا القطاع.

Image

وأضاف أن تقنية المعلومات والاتصالات تشكل مجالًا متناميًا للتعاون، لما توفره من فرص لتبادل المعرفة والخبرات وتطوير الخدمات والحلول الرقمية. كما يتيح قطاع النّقل والخدمات اللوجستيّة فرصًا لتعزيز الربط التجاري، وتيسير حركة السلع، ودعم وصول الشركات إلى أسواق جديدة، بما يسهم في تنمية التبادل التجاري بين البلدين.

Image

وأشار سعادته إلى أن غرفة تجارة وصناعة عُمان تعمل على تعزيز التواصل بين الشركات العُمانية والبروناوية، والتعريف بالفرص الاستثمارية ومجالات التعاون المتاحة، وتشجيع لقاءات الأعمال والوفود التجارية. وأكد على أهمية مواصلة التنسيق بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين، وتحويل الفرص المشتركة إلى مشروعات وشراكات عملية تسهم في تنمية العلاقات الاقتصادية وتعزز حضور الشركات في أسواق البلدين.

ويعد الاقتصاد البروناوي من الاقتصادات ذات الدخل المرتفع في منطقة جنوب شرق آسيا، ويعتمد بصورة أساسية على قطاعي النفط والغاز الطبيعي اللذين يمثلان المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية والصادرات والدخل من النقد الأجنبي. وتعمل حكومة بروناي دار السلام على تقليل الاعتماد على النفط والغاز وتنويع قاعدة الاقتصاد في إطار رؤية بروناي 2035. وعلى المستوى التجاري، تعتمد بروناي بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز ومشتقاتهما بينما تستورد جانبًا مهمًّا من احتياجاتها من السلع والمنتجات الغذائية والآلات والمعدات، وترتبط تجارتها بصورة وثيقة بالأسواق الآسيوية.

وبينما تشكل هذه الأرقام والاتفاقيات والزيارات المتبادلة البنية الظاهرة لهذه العلاقات، فإن ما يمنحها قيمتها الحقيقية هو ذلك المزيج النادر من تطابق الرؤية وثبات النهج الذي يجمع بين مسقط وبندر سري بكاوان رغم ما يفصل بينهما من مسافات وما يختلف حولهما من ظروف إقليمية ودولية. فما بدأ قبل أربعة عقود بخطوة ريادية مدّت فيها سلطنة عُمان يد الصداقة إلى بروناي دار السلام في أعقاب استقلالها مباشرةً، تحوّل اليوم إلى شراكة ناضجة تتجاوز التبادل التقليدي إلى رؤية مشتركة للتنمية والاستقرار، تجد في التنويع الاقتصادي والاستثمار المشترك وتبادل المعرفة ركائز لها، وفي الحوار والاعتدال واحترام القانون الدولي منهجًا لها.