مليون ريال من العطاء.. شباب عُمان يحولون المبادرات إلى مشروعات ذات أثر اجتماعي
"تصوير: حسين المقبالي"
تجاوزت إيرادات الفرق الطلابية المشاركة مسابقة العطاء الكبرى حاجز المليون ريال عُماني في نسختها العاشرة، بعدما بلغت حصيلة التبرعات مليونًا و4 آلاف و779 ريالًا عُمانيًا، وأسهمت في تفريج كربة 163 حالة، إلى جانب بناء منزلين للمرة الأولى في تاريخ المسابقة، في إنجاز يعكس اتساع نطاق المبادرات الشبابية في العمل الخيري بسلطنة عُمان.
وشهدت النسخة العاشرة مشاركة 57 فريقًا طلابيًا من الجامعات والكليات الحكومية والخاصة على مدى خمسة أشهر، تنافست خلالها الفرق في تنفيذ مبادرات خيرية واستقطاب الدعم، قبل تأهل 23 فريقًا إلى المرحلة النهائية، لتُتوَّج النسخة بلقب النسخة المليونية.
جاء ذلك خلال حفل ختام المسابقة، الذي أُقيم أمس، تحت رعاية معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي، وزير التراث والسياحة .
من الفكرة إلى الأثر..
على مدى خمسة أشهر، خاضت الفرق الطلابية المشاركة تجربة تنافسية جمعت بين ابتكار المبادرات الخيرية والعمل الجماعي والسعي إلى استقطاب التبرعات، في إطار يتيح للشباب توظيف أفكارهم وقدراتهم التنظيمية في خدمة المجتمع.
وتنوعت المبادرات بين الأفكار الإبداعية والمشروعات ذات الأثر الاجتماعي، مستندة إلى قيم التكافل والتراحم، وإلى قدرة الشباب على ابتكار أساليب جديدة في العمل التطوعي وتعزيز مشاركة المجتمع في دعم الحالات المستحقة.
ومع اقتراب المسابقة من محطتها الأخيرة، تأهل 23 فريقا إلى المرحلة النهائية، بعد رحلة من العمل والتنافس، انتهت بتحقيق حصيلة مالية تجاوزت التوقعات، إلى جانب نتائج إنسانية تمثلت في تفريج كربة 163 حالة وبناء منزلين.
ويبرز بناء منزلين للمرة الأولى بوصفه أحد أهم التحولات في مسيرة المسابقة؛ إذ يعكس انتقال المبادرات من تقديم المساعدات إلى مشروعات أكثر استدامة، تسهم في توفير الاستقرار للأسر المستفيدة، وتمنح العمل الخيري بعدا يتجاوز الاستجابة للاحتياجات الآنية.
حصيلة تتجاوز الأرقام
لم يكن بلوغ حاجز المليون ريال عماني إنجازًا منفصلا عن مسيرة المسابقة، بل جاء امتدادا لتطورها خلال نسخها المتعاقبة، ونمو المشاركة الشبابية واتساع دائرة الدعم المجتمعي.
فبعد أن بلغت حصيلة إحدى النسخ السابقة نحو 80 ألف ريال عُماني، تجاوزت حصيلة النسخة الماضية 300 ألف ريال، قبل أن تحقق النسخة العاشرة قفزة نوعية بتسجيل مليون و4 آلاف و779 ريالًا عُمانيًا.
وهذه الأرقام لا تعكس نموا في حجم التبرعات فحسب، بل تشير إلى اتساع القدرة على تحويل المبادرات الطلابية إلى مشروعات خيرية ذات أثر ملموس، وتعزيز الشراكة بين الشباب والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المسابقة بوصفها مساحةً لاختبار قدرات الشباب في التخطيط والتنظيم والتواصل واستقطاب الدعم، إلى جانب دورها في ترسيخ المسؤولية المجتمعية وتحويل العمل التطوعي إلى تجربة عملية تجمع بين الابتكار والاستدامة.
نموذج ملهم
أعرب معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي، وزير التراث والسياحة، عن اعتزازه بما حققته الفرق الطلابية المشاركة في النسخة العاشرة من مسابقة العطاء الكبرى، مشيدًا بروح المبادرة والمسؤولية المجتمعية التي جسدها طلبة الجامعات والكليات.
وأشار معاليه إلى أن ما شهده الحفل يدعو إلى الفخر والاعتزاز بشباب عُمان، الذين استطاعوا بجهودهم ومبادراتهم جمع أكثر من مليون ريال عُماني، والإسهام في تفريج كربة عدد من الحالات المعسرة وبناء منزلين، مؤكدًا أن هذه النتائج جعلت النسخة العاشرة جديرة بلقب النسخة المليونية.
وأضاف أن الإنجاز يتجاوز قيمة المبالغ التي جُمعت، ليعبر عن قيم أصيلة في المجتمع العُماني، قوامها التكافل والتراحم والتعاون، مشيرًا إلى أن الشباب أثبتوا قدرتهم على تحويل هذه القيم إلى مبادرات مؤثرة تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الآخرين.
وأكد معاليه على أهمية توسيع نطاق المشاركة في النسخ المقبلة، داعيًا الجامعات والكليات التي لم تشارك فرقها الطلابية في هذه النسخة إلى الانضمام مستقبلًا، بما يتيح الفرصة لشريحة أوسع من الشباب للمساهمة في هذا العمل الإنساني وتعزيز أثره في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
مسؤولية الاستمرار
من جانبها، أعربت مريم بنت عيسى الزدجالي، رئيسة مجلس إدارة جمعية دار العطاء، عن اعتزازها بالإنجاز الذي حققته المسابقة في نسختها العاشرة، مؤكدة أن تجاوز حاجز المليون ريال عُماني يمثل محطة مهمة في مسيرتها، ويعكس حجم الجهود التي بذلتها الفرق الطلابية خلال الأشهر الخمسة الماضية.
وأوضحت أن تفريج كربة 163 حالة وبناء منزلين يجسدان الأثر الذي يمكن أن تحققه المبادرات الشبابية عندما تتكامل جهود المشاركين مع دعم الجامعات والكليات والجهات المساندة وأفراد المجتمع.
وأكدت أن ما تحقق هو ثمرة تعاون الفرق الطلابية والمؤسسات التعليمية والداعمين وكل من أسهم في إنجاح المبادرات، مشددةً على أهمية مواصلة العمل وتعزيز أثر المسابقة في النسخ المقبلة.
ويعكس هذا التعاون أهمية الشراكة بين المؤسسات التعليمية والجهات العاملة في المجال الخيري والشباب المشاركين، بما يسهم في توجيه الطاقات التطوعية نحو مبادرات تستجيب لاحتياجات المجتمع.
جوائز تحتفي بالإبداع
وفي محطة التتويج، احتفت المسابقة بالفرق التي تميزت في محاورها المختلفة، وفق أربعة معايير رئيسة تشمل أعلى إيراد للتبرعات، والفكرة الأكثر تأثيرا واستدامة، والفريق الأكثر احترافية، والفكرة الأكثر ابتكارا، إلى جانب محور التميز التنظيمي.
وفي محور الإبداع في الفكرة، نال الجائزة فريقا دثار من جامعة السلطان قابوس وهمة من الجامعة العربية المفتوحة، فيما ذهبت جائزة الاحترافية في التنفيذ إلى فريقي كهاتين من الكلية الحديثة للتجارة والعلوم وعبور من جامعة السلطان قابوس.
أما جائزة التأثير في المجتمع، فكانت من نصيب فريقي قوت العطاء من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط وبنيان من جامعة السلطان قابوس، في حين فاز في محور الاستدامة فريقا نَفَس من جامعة نزوى ورفد من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى.
وفي محور التميز التنظيمي، كرمت فرق رفاء من جامعة السلطان قابوس، ومجاز وكفاف من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى، فيما ذهبت جائزة أعلى إيراد للتبرعات إلى فريقي تبليل وإحياء من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى.
ولم يقتصر التكريم على الفرق الفائزة، بل امتد إلى عدد من الشباب الذين تميزوا بعطائهم وجهودهم، من خلال ميداليات التشجيع والتميز كفو عليك، التي احتفت بالمساهمات الفردية وروح المبادرة لدى المشاركين.
وقالت أساور الزكواني، من فريق مجاز المتوّج بجائزة التميز التنظيمي: إن مشاركتها الأولى في مسابقة العطاء الكبرى شكلت تجربة مختلفة أسهمت في تعميق فهمها للعمل التطوعي وأثره في حياة المستفيدين، مشيرة إلى أن الرحلة لم تقتصر على المشاركة في المنافسة، بل مثلت فرصة للتعلم ومواجهة التحديات والعمل بروح الفريق الواحد.
وأضافت أن أبرز ما لمسته خلال التجربة هو قدرة المبادرات، مهما بدت بسيطة، على إحداث أثر في حياة الآخرين، مؤكدة أن قيمة النجاح لا تقتصر على الإنجازات والفعاليات المنفذة، بل تمتد إلى الأثر الذي تتركه في نفوس الناس.
وأوضحت أن تجربة المشاركة عززت رغبتها في مواصلة العمل التطوعي وتقديم المزيد من المبادرات، معربة عن فخرها بالانتماء إلى فريق مجاز وما جمع أعضاءه من تعاون وإصرار على تحويل الأفكار إلى مبادرات ملموسة.
ما بعد المليون..
تغلق النسخة العاشرة من مسابقة العطاء الكبرى فصلا استثنائيا في مسيرتها، لكنها تفتح في الوقت ذاته بابًا أوسع أمام العمل الخيري الشبابي في سلطنة عُمان. فخلف الرقم الذي تجاوز المليون ريال عُماني، تقف قصص 163 حالة فوجت كربتها، ومنزلان يمثلان خطوة نحو الاستقرار، وتجارب شبابية اكتسبت خبرة في تحويل الأفكار إلى مبادرات ذات أثر.
وفيما تحتفي جمعية دار العطاء بهذا الإنجاز، تتجه الأنظار إلى النسخة المقبلة، وما يمكن أن تحمله من أفكار جديدة ومشروعات أكثر استدامة، ومشاركة أوسع من المؤسسات التعليمية والشباب.
لقد أثبتت النسخة المليونية أن العطاء لا يقاس بما يجمع من أموال فحسب، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس؛ وأن الشباب حين تتاح لهم الفرصة، يستطيعون أن يجعلوا من المبادرة مشروعًا، ومن المشروع أملا، ومن الأمل واقعا يليق بسلطنة عُمان وأبنائها.
