عميان الينابيع الأولى
28 أكتوبر 2026
28 أكتوبر 2026
ضوء البدء:
- أيّها الأعمى، ما الذي تبحث عنه في الأشجار؟
- أبحثُ عن بصيرة الأشياء، وصوت أمّي.
ضوء آخر:
وحده الأعمى من أبصر الأشياءَ في البدء، أبصر العطش والحكاية والمعنى والذّكريات؛ لكنّه فقد الطريق والضّوء باكرًا، وأمسك بقلق الأشياء وجوهرها متأخّرًا، في رماد موقده أنصت إلى موسيقا الفجر والخسارات القادمة، وفي الطريق إلى خيمته في أقاصي البلاد أنصت لصوت الرّيح التي حملته فجرًا إلى المنفى. لا الموسيقا ولا الريح استطاعتا أن توقظه من حلمه.
ظلّ منزوي:
الغريب طائر أعمى
يحلم بشجرة وحيدة في الأعالي.
ظلّ قصيدة:
كلّ قصيدة تُولدُ من حارسٍ أعمى
الذي يطلق في جوف اللّيل العميق
كلمة السّرّ لمأساته.
ألبارو موتيس
(1)
مقهى الصيّاد الأعمى
يتلمّس الرّجل الأعمى الطّريق في الفجر، لنكن دقيقين قليلًا، الطريق هي التي تقود الرجل إلى مقهاه، والجوع هو الذي يدفعه ليخرج صباحا، ويداه هي التي تتلمّس باب المقهى. ما أقسى الأبواب في الفجر! أصابعه تضغط على مفاتيح المصابيح، لا يرى الضوء، ولا شيء يفتح ضوء المرء في داخله سوى الحب أو الفاجعة، لكنّه يدرك روح الأشياء، يدير زرَّ المذياع، تشتعل النار، فتفوح روائح القهوة والشاي والخبز في الفجر، يعود الصيّادون فجرًا، وتبدأ الكراسي تمتلئ بالصيّادين، والعاطلين والمعطّلين عن الأمل والعمل، والمتقاعدين الذين نخر الضجر أرواحهم، ومخبرين يبحثون عن كلام ليرتقوا في سلالم الخديعة الكبرى. الأغاني الصباحيّة هي التي فتحت نافذة المقهى، لتطرد الكسل من الأجساد المتكدّسة في المقهى، ولتجعل الكراسي أكثر عذوبة.
أصوات وحكايات تصل إلى الأعمى، ينصت لصوت البحر، يحمله صوت البحر إلى طفولته البعيدة، يتذكّر صوت أمّه التي لم يرَ وجهها، يتذكّر ملمس أصابعها وهي تقوده في الدروب، تحكي له عن الروائح والدروب الضيّقة، عن حروبٍ ومجاعات، وتارة ينصت لصوت طائر عابر، وينصت لموجة تشاكس الرمل، لكنّه لا يدرك المعنى.
يرمي العاطلون عن العمل أحجار النرد على طاولة الصباح، يُدخّن المتقاعدون عن العمل والأمل غليون الخسارات، تُراقب عيون المخبرين تدفّق الكلمات، وتصاعد بخار الغضب، ينصت أعمى المقهى لغضب البحر، ولريح الزمن التي لا يلتفت لها أحد.
***
عميان يعزفون أناشيد العتمة في الطرق الممتدة إلى المعابد والأنهار والبراري، عميان يرفعون صوت النداء في الفجر، عميان يحرسون بوّابات السينما المغلقة في الصباح، ونوافذ المعابد، وعميان يفتحون نوافذ الحكايات المُندسّة في الطين، عميان منسيّون في غرف الطين في قرى الذاكرة، عميان يكنسون صباحات الأسواق بأغانيهم، عميان يحفرون القبور، عميان لا يتكلّمون عن الضوء ولا عن طفولتهم. عميان يكتبون تاريخ الحرب والشعر والدم، وعميان في السجن، وعميان في الموسيقا، وعميان في الذاكرة، وعميان يحجّون إلى الله حفاة، وعميان يقودون الزمن إلى العتمة الأولى، وعميان يكدّسون الزمن في الأبديّة، وعميان ينحتون حزنهم في جدار اللّيل، عميان يرمّمون حكايات الحروب والخراب، عميان يقودون قوافل الاستشراق إلى الصحراء، وعميان في الموانئ المهجورة يرتّبون منافيهم المتخيّلة. عميان يوقدون نار الحقيقة في الورق، عميان يلوّنون زرقة الأشياء بأصابعهم المقطوعة، سمكة عمياء في بهو الفندق تنصت إلى سمفونيّة بتهوفن السابعة، لكنّها لا تدرك معنى الاتّساع.
***
حارس البريد الأعمى لا يقرأ الرسائل، ولكن عندما تصل أو تغادر رسالة حب، يبكي كطفل. وعندما تسقط ورقة من الشجرة التي تظلّل مبنى البريد يتذكّر طفولته، وعيني المرأة النائمة في النبع. وعندما يسمع أصوات أطفال يعبرون الشارع يتذكّر زوجته وطفلتيه اللتين أخذهما الماء الجارف نحو حفلة الغياب والجفاف.
***
تسأله امرأة ثقَب اليُتم قلبَها.
- ما الذي يحزنك أيّها الأعمى، وأنت لا ترى العالم ولا الوجوه؟
صمت قليلًا، رفع يده، أنزل عمامته البيضاء إلى الأرض:
- ما أراه في أحلامي يوجعني، أرى وجه أمّي الراحلة، أراها تناديني، فأبكي في الحلم، أنتِ لديك أطفالك، وأنا لديّ أيتامي ويتمي، أسمع أصوات الأشجار في الفجر، أتخيّلُ أطفالا قد جاؤوا من أقاصي الأرض إلى جدران غرفتي. أحلم بالموتى الذين رحلوا وتركوني وحيدًا، يخرجون من مقابرهم وغيابهم ليتظلّلوا بحكاياتي، أنصت لأصوات الليل، تحاصرني الوحشة، أحنُّ إلى روائح الدروب في الفجر، إلى الدروب المُبلّلة بالمطر وروائح الشتاء والحنين، وإلى دروب الصيف التي تخاتل الظّلال.
- هل تشعر بالحزن أيّها الأعمى؟
- حزن العميان لا تدركه العابرات.
- من قال لك إنّني عابرة؟
- دموعك، وقلبك الهشّ.
إشارة الظلّ إلى طريق الأعمى:
أيّها العميان لا تنبهروا من ضوء الخديعة، ولا من شمس الأوهام التي يتغنى بها المبصرون في الكلام والنهار والشاشات، أنتم ليل الدهشة، وفجر الظلال، وينابيع الحكايات الأولى، ومخازن الحكمة، عتمة العمقِ والجرح، ونجوم الألم الإنسانيّ، وغابات الصمت، وأنهار البراءة الأولى، وحطب الصمت ورماده، لا تتركوا ليلة ظلمتكم تتلاشى، تمسكوا بالعتمة التي تشرق في الروح، كأنّها أوّل القشّ وآخر الغرق، وامتداد التماهي. تشبّثوا بالعتمة الأولى كأنّها الرحم الأول واللّذة الغائبة، وكأنّها الأمومة الأبديّة لأرواحكم، صوت الريح في الخارج دربٌ لخطواتكم، ضحكات الأطفال في السّاحات عينٌ لكم، صمتكم عكّازكم الخشبيّ لنبش طين الأشياء.
أيّها الظلّ الحكيم في الطرقات: نحن لسنا دوائر نتدحرج ونصعد إلى المعنى، ولسنا سلالمَ نصعد نحو الضوء، ولسنا منحدرات لهشاشة الحياة، ولسنا شلّالات لنهر الحكايات، نحن أبناء الهسهسة الأولى، وأصوات فجر صامت، وحطب الرحلة، وأزهار الطريق، نبني طين سلالة العميان بصمت.
عميان الكلام:
تركوك وحدك تذبل، تنكسر، تذوي، تتلاشى في التفاصيل، في قلق البدايات، في حزن الطريق، وفي خذلان الخيبة، في اليوميّ القاتل، في ضجر الأمكنة، وفي القلق المتجدّد، في اللّيالي الباردة، وفي تلعثم الحسرة على عتبات الحبّ، وفي الظهيرات الحارقة، وفي سهوب الخيبات، في القمع والمنع.
بعدها جاؤوك بكلّ وقاحتهم ورماحهم يسألونك: لماذا أنت هشّ لهذه الدرجة؟ كن صلبا لكيلا تذروك الريح في الجهات. قلت في نفسك: ليت الريح تحملني كريشة طائر، وتطوف بي في أعالي الجبال وأغصان الأشجار الميّتة، في الأودية السحيقة، في الشقوق الحادّة، في المنحدرات المنسيّة، في أغاني الفلّاحين، في صباحات الرعاة، في تعب الصيّادين عندما يحاصرهم صمت الماء.
ماذا ستقول لكلّ هؤلاء الحمقى والسخفاء والخادعين؟ هل ستبصق في وجوههم؟ أم ستدير ظهرك إلى ظلالك قبل أن تُدنّسك سهام كلامهم؟
في قبرك سيطاردونك بكلماتهم الباردة، ستهرب بقبرك إلى صحراء؛ كيلا يصلوا إليك، أو إلى أعلى جبل لا يعرفون إليه سبيلا.
(2)
خرج أعمى من المدينة فجرا وجلس في طرف الرصيف مخاطبا عتمته:
لا أحب النصوص، ولا اللّصوص، ولا وصايا الحكماء، ولا قصائد المشرّدين، ولا أحبّ المدن ولا القرى ولا القصائد المنمّقة. أحب الأرصفة المهملة، أحب أعمدة الإنارة المطفأة التي تنام فوقها طيور مهاجرة، أحبّ الطيور التي تقف على أبواب البيوت المنسيّة لتحرس المعنى المفقود، أحبّ الطيور التي تقف على أسوار المقابر المهجورة لترمّم دهشة الموتى، أحبّ الأشجار المتسلّقة على جدران الشوارع والسجون والأحلام، أحبّ الأحلام التي تطارد المرء ولا يلحقها.
لا أحبّ الأوصياء، ولا الموتى، ولا الحنين، ولا القلق الذي يسبق النص، ولا النص المحبوس كطائر وحيد في قفص الكاتب والناقد والناشر، وفي حساب فتاة مراهقة، أحبّ النصوص التي تخاتل كاتبها وتكسر جليده وتقلق نومه.
أحبّ المدن التي أهجرها والمدن التي أحلم بالمبيت فيها، ولكنّني لا أسطيع، أحب لشبونة، وقريات، وبخارى، ومراكش. المدن لا تشبه النساء، والنساء لا تشبه الأشجار، حتى لو كذب علينا شاعر مخاتل.
أحبّ القطارات المسافرة ليلًا، ورائحة النار في الشتاء، ورائحة الطين بعد المطر وأسئلة الأطفال التي تتسلّل من رقابة المنطق وتهرب من سكاكين الكبار.
(3)
لماذا تركض في أحلامك؟
ــــ لأنّني عاجز في صحوي.
ـــــ لماذا لا تتوقّف قليلًا عن الركض؟
ـــــ إذا توقفت، ستنهشني أنياب النهار، ومخالب الوحشة.
***
عميان يندسّون في زوادة السارد
دمعة وحيدة في عين الحفيدة.
المرأة التي كانت تُغنّي في الطابق الثالث من المدرسة التي زُرِعتْ أسفل جبال العامرات، أطلّتْ برأسها من النافذة، رأت صحراء قاحلة، وحميرا تركض، لم تنقذها جبال العامرات من طوفان الضجر، أخذتْ تردّد أغنية حفظتها من جدتها.
حين أخذوا أمّي إلى المنجم في الفجر
لم أرَ دموعها
فقط يزورني خيالها.
سألتها رفيقتها في العمل، لمن هذه الأغنية؟
قالت: لجدتي العمياء، عندما خطفوا أمّها، لتعمل في المنجم، لم يمهلوها لتودّع ابنتها النائمة في الكوخ، ومن يومها كانت تنتظرها كلّ فجر. تطلُّ العاملة من الطابق الثالث على الجبال، الدمعة في عينها، والأغنية في فمها، وفي الذاكرة الجدة العمياء والفجر.
سرق النوم والتعب العاملة الواقفة على النافذة في الطابق الثالث، رأت في نومها جدتها العمياء تحت حقول الموز، وفي يدها سكين تقطع بها أسماك النهر، وتتلو شيئا من صلواتها، وعندما جرحت السكين عين السمكة، تذكرت أمّها المخطوفة في الفجر، فسقطت دمعة من عين الجدّة.
وسقطت دمعتان من عين العاملة الواقفة في الطابق الثالث.
السارد الأعمى
لم يكن الأعمى السبعينيّ يدرك الوقت ولا الجهات، ولا عقارب الزمن، لكنّه كان يقيس زمنه بالظلّ، وهو يستند كلّ صباح إلى جدار غرفته، يرتشف قهوته، في واجهته جبال صمّاء يدرك شعابها، يأتي الأحفاد ليكسروا صمته، يرفع رأسه نحو جبال الحجر، لعّل الحجر يشعر بألمه، ينصت لصوت بعيد، لرائحة لم تعد قريبة، لكنه ينصت لشيء ما من بعيد.
يبدأ يسرد حكاياته، يسأل عن طرق لم يعد يسلكها أحد، وعن بشر طوى النسيان ذكرهم، الأعمى يسرد حكايات جوع مرّت في البلاد، عن ناقته التي تاهت في شرقيّة عُمان، عن غزاة عبروا سماء البلاد، وعن حرب عاش خيباتها، وحمل رمادها في طين حكاياته.
يبدأ الحكاية وكأنّ الأحفاد يدركون الأمكنة، لا يهمه ذلك، ما دامت الحكاية تزهر في الرحلة، وما دامت الناقة تسري معه إلى الأمكنة القصيّة، عندما سمع الحفيد الصامت بالبحر «الحدري»، سأل معلّم الجغرافيا عنه، صمت المعلم. وضحك الأعمى في خياله.
فجهتا «الحدري» و»العلوي» لا يدركهما إلا من أدمن الترحال والرحلة في جهات هذه البلاد.
قارع الطبل الأعمى
في العتمتين: عتمة الحياة، وعتمة اللّيل، يتلمّس الأعمى حوافّ الطبل، يمرّر أصابعه عليه بحنان. كأنّه الصوت الذي لا يريده أن ينطفئ، يتحلّق الرجال في صفّين متقابلين، أو على شكل دائرة حول قارع الطبل، وزميله.
ينصت الأعمى إلى الكلام، يشكّله في مخيلته، يُنغّمه مع ضربات الطبل، تتحرّك قدماه، ينصهر بقلبه مع الكلمات، ينتشى قارع الطبل الأعمى، وهو يقود الدائرة من الرجال المردّدين للكلام. يضرب الطبل ضربات أسرع يتحرك المبصرون، ويتمايلون مع ضربات الأعمى المتمرّد على عتمته. يصعد بهم إلى تلال الفرح، وينزل بهم في سفوح الحنين. والدائرة تدور، وفي الدمعة الأخيرة يتذكّر حياته التي عبرت سريعًا.
«ومن دموعي واشربي يا صبارة// أبكي ناس كامل الزين فيهم
بالبريسم وسدوهم حجارة/// ما يعودا رحمة الله عليهم».
تسقط دمعة قارع الطبل الأعمى، وتجف قبل أن تنكسر دائرة المبصرين في الليل.
حمود سعود قاص عماني
