No Image
عمان اليوم

زيارة وندسور.. ما غيّرته الحرب في حسابات لندن ومسقط

22 أكتوبر 2026
22 أكتوبر 2026
تحليل:

حين وصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى المملكة المتحدة يوم الاثنين الماضي، كان ميناء الدقم قد سجل ارتفاعا في مؤشر الربط بخطوط الملاحة المنتظمة بنسبة 213% في الربع الثالث مقارنة بالربع الأخير من 2025، بحسب تحليل "سي إنتليجنس".

لقد دفعت اضطرابات الملاحة في هرمز خطوط الشحن إلى إعادة توزيع خدماتها، فازدادت أهمية الموانئ الواقعة خارج المضيق. وجاءت الزيارة في وقت تتسع فيه حاجة البلدين إلى تأمين طرق التجارة، وتطوير خيارات الإمداد، واحتواء حرب رفعت الكلفة الاقتصادية والأمنية على المنطقة وشركائها.

ومن هذه الزاوية، تجمع الزيارة مصالح تزايد إلحاحها مع الحرب، فلندن تجد في عُمان شريكا يستطيع المساهمة في تأمين الملاحة والتواصل مع أطراف النزاع، ومسقط تملك فرصة لتوسيع تعاونها الاقتصادي والأمني مع الحفاظ على استقلال قرارها السياسي.

ويمنح اجتماع الموقع الجغرافي والقدرة على الحوار عُمان وزنا خاصا في هذه الشراكة. ولعل الجملة المفتاحية في الزيارة جاءت في كلمة الملك تشارلز الثالث، حين وصف "الحياد البنّاء" لعُمان بأنه "يستحق أسمى الاحترام".

الجغرافيا رأس مال

تقع الموانئ العُمانية الكبرى، صحار والدقم وصلالة، خارج مضيق هرمز، وقد أتاحت لها استثمارات السنوات الماضية استقبال جانب من حركة التجارة التي أعادت الحرب توجيهها. وتعامل ميناء صحار وحده مع 52 مليون طن من البضائع في النصف الأول من العام، بزيادة نحو 24 مليون طن منها عبر النقل من سفينة إلى أخرى.

وتحولت الموانئ العمانية إلى رئة لجيرانها في الخليج، وكتب روبن ميلز، الباحث في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، أن الموانئ العُمانية "كانت أساسية في إبقاء بقية دول مجلس التعاون مزوّدة بالسلع الضرورية".

وبالتوازي مع نمو النشاط الملاحي، تحسنت المالية العامة مع ارتفاع الإيرادات النفطية والغازية، وتراجع عجز الموازنة في النصف الأول إلى نحو 17 مليون ريال عُماني، بانخفاض 93% على أساس سنوي، فيما ارتفعت الإيرادات العامة 13% إلى 6.6 مليار ريال، وفق تقرير نشرته هذه الجريدة. ويقف الدين العام عند نحو 36% من الناتج المحلي، بعد أن بلغ 68% في ذروة الجائحة، فيما بلغ إنتاج النفط في الربع الثاني نحو 1.15 مليون برميل يوميا.

وتحمل هذه المكاسب جانبا ظرفيا يرتبط بأسعار الطاقة وإعادة توجيه الشحن، فيما تفرض الحرب أعباء إضافية على الاقتصاد العُماني، فقد طالت هجمات بالمسيّرات منشآت في الدقم وصلالة في مارس، ويستحوذ الدفاع والأمن على نحو ربع النفقات المقدرة في الموازنة، وتراجعت حركة المسافرين في المطارات 9.3% في الأشهر الخمسة الأولى، وهي ضربة لقطاع تراهن عليه رؤية "عُمان 2040" وفي جانب آخر ارتفع حجم دعم المنتجات النفطية خلال الربع الثاني من العام الجاري بشكل كبير نظرا لارتفاع أسعار الوقود في ظل تثبيت الأسعار وعدم إخضاعها لحركة السوق.

والسؤال المحلي الأهم الذي تواجهه عُمان الآن هو كيف تستطيع توظّف تحسن الإيرادات وزيادة النشاط الملاحي في توسيع صناعاتها وخدماتها، وبناء مصادر دخل تستطيع الاستمرار مع انخفاض أسعار الطاقة وانتظام حركة الملاحة في المضيق.

حساب لندن

في يوليو الماضي، اتفقت سلطنة عُمان مع المملكة المتحدة وفرنسا على العمل معا لضمان سلامة الملاحة في المياه الإقليمية العُمانية، في إطار جهود دولية لحماية حركة التجارة عبر المنطقة.

ويضع هذا الاتفاق مسقط في صلب الجهود الرامية إلى استعادة الملاحة الآمنة عبر المضيق، بالتوازي مع الدور الذي تؤديه موانئها في توفير مسارات إضافية للتجارة.

ولا يبدأ هذا التعاون من فراغ، فقد استحضر الملك البريطاني في خطابه في عشاء وندسور عقودا من الشراكة الدفاعية بين البلدين، وضباط الإعارة الذين يخدمون فيهما، والتدريب المشترك بين قواتهما المسلحة.

وفي مايو الماضي، أنهت المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وهي شراكة تكتسب فيها الموانئ العُمانية المطلة على بحر العرب وخليج عُمان أهمية خاصة في ظل اضطراب الملاحة في المضيق.

والحاجة الاقتصادية لا تقل إلحاحا، فخام برنت يُتداول قرب 111 دولارا للبرميل، وقدّرت مؤسسة "إي واي" في أغسطس أن امتداد إغلاق المضيق إلى العام المقبل قد يرفع التضخم البريطاني إلى 6.4% بنهاية العام، ويدفع الاقتصاد إلى الانكماش في 2027.

ورئيس الوزراء آندي بيرنهام، الذي تسلّم منصبه في يوليو، يحتاج إلى استثمارات تحمل وعد النمو.

وشملت اتفاقيات الزيارة مشروع مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في صلالة، تتجاوز التكلفة المتوقعة لمرحلته الأولى مليار جنيه إسترليني، ورفع سقف القدرة التمويلية لدعم الصادرات البريطانية إلى عُمان إلى 7 مليارات جنيه، إلى جانب التعاون البحري وتسريع الاستثمار المتبادل.

وتستند هذه الاتفاقيات إلى علاقة اقتصادية واسعة، إذ بلغ رصيد الاستثمار البريطاني المباشر في عُمان 16.8 مليار ريال عُماني بنهاية الربع الثاني من 2026، فيما استثمرت عُمان 1.7 مليار جنيه في الاقتصاد البريطاني منذ إنشاء شراكة الاستثمار السيادي عام ٢٠٢٢.

وستتضح قيمة هذه المشروعات لعُمان بقدر ما تضيفه إلى اقتصادها من مهارات وفرص عمل وعقود للمؤسسات المحلية. ويستحق مشروع مركز البيانات، خصوصا، متابعة ما سينشأ حوله من تدريب وبحث وخدمات تقنية، ومدى ارتباطه بالجامعات والشركات العُمانية.

حساب مسقط

وفي حساب مسقط، تضع الحرب أمام دول الخليج سؤالًا ملحا حول قدرة شراكاتها الأمنية على حماية اقتصاداتها، وحول مساحة تأثيرها في التسويات التي سترسم مستقبل المنطقة. كانت سلطنة عُمان عشية الحرب في فبراير الماضي تتوسط بين واشنطن وطهران، ثم طرحت صيغا لإدارة الملاحة في المضيق، وأعلنت طهران في السابع من أكتوبر الاتفاق معها على إحداثيات مسارات العبور.

في هذا السياق، تحمل اللغة البريطانية خلال الزيارة وزنا يتجاوز المجاملة، فقد وصف الملك عُمان بأنها "محاور موثوق لدى جميع الأطراف". وتشكل هذه الاشادة بالحياد العُماني، الصادرة عن حليف تاريخي لواشنطن، دعما دبلوماسيا لمسقط ولدورها في محاولات التهدئة وتغليب منطق الحوار والتفاهم.

وينسجم هذا مع خيار لندن نفسها، التي امتنعت منذ اليوم الأول للحرب عن المشاركة في الضربات الهجومية، وحصرت دورها في العمليات الدفاعية.

وفي حديثه عن الحوار وتقريب المواقف، قال جلالة السلطان المعظم، أعزه الله، إن بريطانيا وقفت إلى جانب عُمان "لا بالجيوش، بل بالحكمة والرأي السديد". وتضع العبارة الدعم البريطاني للجهود الدبلوماسية في مقدمة المشهد، ضمن خطاب أكد أيضا عمق التعاون العسكري بين البلدين.

وتبرز هنا أهمية تطوير الشراكات الدفاعية بما يحفظ استقلال القرار العُماني وقدرة مسقط على التواصل مع الجميع. وفي زيارة جلالته لـ "غيلدهول" مساء الأربعاء أضاف جلالته أن "الأسواق لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة"، وهي جملة تخاطب المستثمر البريطاني بقدر ما تخاطب أطراف الحرب.

ويتصل ذلك أيضا ببعد محلي تسعى فيه عُمان لبناء حصة في اقتصاد المعرفة إلى جانب موقعها في أسواق الطاقة، فجهاز الاستثمار العُماني يمول شركات ناشئة خرجت من جامعتي أكسفورد وكامبريدج في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتفتح هذه الاستثمارات مجالًا لتوثيق الصلة بين المؤسسات البحثية والاقتصاد العُماني، وقد قال الملك في خطابه إن أحدا لا يعرف التحديات التي سيواجهها خلفاؤهما، لكنهم "سيعتمدون على أصدقاء موثوقين".

ما الذي يبقى بعد الحرب؟

وسيظهر الأثر الأبعد لهذه الشراكة عندما تنتظم الملاحة في هرمز وتتراجع المكاسب المرتبطة باضطرابها، عندئذ ستواجه الموانئ العُمانية تحدي الاحتفاظ بخطوط الشحن والعملاء الذين استقطبتهم خلال الأزمة.

ويرتبط ذلك بكفاءة خدماتها وتكلفتها واتصالها بالأسواق، وبما ينمو حولها من صناعات ومراكز توزيع. وفي المشروعات التقنية، سيكون التحدي الأكبر في انتقال المعرفة واتساع المشاركة المحلية. وهنا تستطيع الشراكة مع بريطانيا أن تترك أثرا يتجاوز ظرف الحرب، إذا تحولت الاتفاقيات إلى قدرات إنتاجية وخبرات تستقر في الاقتصاد العُماني.

قبل أكثر من مئتين وعشرين عاما، تمنت معاهدة 1800 أن تبقى صداقة البلدين "ثابتة حتى نهاية الزمان"، وتقول زيارة 2026 إن الصداقات الطويلة تبقى إذا استطاع كل طرف اكتشاف حاجته من الآخر، وقد أعادت الحرب هذا الاكتشاف إلى الطاولة.