آفاق المختبرات المسرحية
أمس واليوم وغدًا!
تلخّص الكلمات الثلاث حياة الأمم، ولما كان الأدب والفن منها، فأي عبقريّة تلك التي تبني على ما تمّ إنجازه، ليستمرّ البناء بما يضمن استمرار الحياة.
يقودنا تأسيس «جمعية مختبر المسرح للدراسات والبحوث السعوديّة» إلى تأمل حال ليس فقط مختبرات المسرح في عدد من الدول العربيّة وغيرها، بل التأمل فيها وفي فكرة المختبرات الإنسانية بشكل عام.
كنا أطفالًا حين سمعنا أحدنا يقول بثقة وشجاعة: «يلا نجرّب»!
في المدرسة الصغيرة الأولى في القرية، في حصّة العلوم، سمعت أول مرة بمصطلح «تجربة»، كم كانت التجربة مشوّقة، خصوصًا أنها اعتمدت على نصّ الدّرس. ومن يومها وقعنا في حب «التجارب»، كوننا نندمج بها حسيًّا وفكريًّا. كنت أنظر إلى الخزانة التي تحوي بعض الأدوات نظرة تعظيم لهذا السّحر. وحينما انتقلنا إلى المدرسة الثانوية الكبيرة، لفت انتباهي كلمة «المختبر»، مثبتة على باب إحدى الغرف المدرسية.
«مختبر»!
كنت ابن 12 عامًا حين اختبرت «المختبر» الذي تمّ تخصيص غرفة كاملة له، وبالطبع فإنّ «مُختبر العلوم» كان لإجراء التجارب العلمية، لنُمارس المعرفة العلمية نظريًّا وعمليًّا.
لا أعرف من أين بدأت استعارة مصطلح المُختبر العلميّ إلى العلوم الإنسانيّة، لا عربيًّا ولا دوليًّا، لكن أتذكر خلال آخر ثلاثة عقود تعرّفي على «مختبرات تربويّة»، من أجل ربط الخبرات الأكاديميّة بالخبرتين المعرفيّة والعمليّة، ولكنها لم تستمر. ثم عرفت من خلال بلاد المغرب العربيّ وجود «مختبر للسرديات»، في سياق حصولي على جائزة ابن بطوطة في أدب الرحلة قبل عقدين تقريبًا، ثم لأتعمّق بالسرديات بشكل عام وأشارك بما يتعلّق بالسّرد أدبًا ونقدًا، وليس فقط الرحلة والسفر.
لذلك، تعمّق لدى المشاركين في مختبرات العلوم الإنسانية معنى تطبيق منهجية التجريب والبحث المختبري خارج نطاق العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء، ونقلها إلى الإنسانيات، ثم لتنتقل إلى حقول معرفية، وصولًا إلى عالم الفن، ومنه المسرح.
وقد تطورت المختبرات وواكبت تطورات العصر وصولًا إلى المختبرات الرقميّة.
من جانب آخر، يقودنا تأسيس «جمعية مختبر المسرح للدراسات والبحوث السعوديّة» إلى تذكّر تجارب عربية في مجال المختبرات المسرحية؛ فقد تأسس «مختبر دمشق للمسرح» في العام 2010، بهدف إنشاء مسرح قائم على الأبحاث الإبداعيّة والفنيّة ضمن الاتجاهات الحديثة للإنتاج المسرحيّ، وعلى الصلة بين الدراماتورجيا والتّمثيل، والعلاقة التي تربط المسرح بالواقع الاجتماعي.
وقد نظّم المختبر وِرَش عمل مع متخصصين في المسرح والسينما في سوريا، ما حفّز الشباب على إنتاج عروضهم الخاصة. وبذلك تعرّفنا على هوية المختبر، من خلال تجريب الحداثة، التي تكون الأكاديميات في حالة بحث لها.
أما الجميل فهو الاستناد إلى تحوّلات المجتمع العربيّ في الشقيقة سوريا. ثم ليتلوه بعد 11 عامًا «فضاء السليمانية» في الشقيقة تونس، الذي احتضن عام 2021 مختبر بحث وتطوير مختصًّا بمسرح الشارع. ثم ليظهر حديثًا مختبر الحوار الثقافي الخليجي للمسرح والفنون الأدائية، والذي نفّذ عدة نشاطات في هذا المجال. ثم، ولمواكبة ظاهرة الذكاء الاصطناعي، فقد أطلقت الهيئة العربية للمسرح مختبر المسرح العربي للذكاء الاصطناعي، لاستكشاف التقنيات الحديثة ودمجها في العمل المسرحيّ.
وخلال مواكبة المسرح في فلسطين، فقد سررت هذا العام 2026 بعقد ورشة «مختبر مسرح الأدوات» في مدينة نابلس، فقد اجتمع فنانون وفنانات في مساحة للتجريب واستكشاف إمكانات تحويل الأدوات اليومية إلى عناصر للتعبير المسرحي، بتنظيم مسرح دفا – براغ، بالشراكة مع مسرح الحرية في مدينة جنين، وبالتعاون مع مسرح رسائل، في مدينة نابلس.
والمؤمّل هو أن تدفع الورشة هؤلاء المشاركين لتأسيس مختبر في فلسطين، يشجّع على ذلك وقوع بلادنا تحت الاحتلال، ومرور مجتمعنا الفلسطينيّ بتحوّلات عميقة خلال ثلاثة عقود، إضافة إلى تذكّر صدمة المسرح الفلسطيني إثر هزيمة عام 1967، حيث راح المسرحيون الفلسطينيون الأوائل يتجهون للتجريب في مسارحهم التي كانت مختبرات مسرحية فعليًّا، فقد هزّت الهزيمة البنى التقليدية للحكم والفكر والفنون والأدب.
والآن، مع التجربة القادمة من المملكة العربية السعوديّة، وكونها تتبع جهة أهلية متخصّصة، تطمح كما عرفنا إلى إثراء المشهد الثقافي ودعم قطاع المسرح وفنون الأداء عبر الدراسات والبحوث والنقد المنهجي، فإننا نسعد بامتداد فكرة المختبر المسرحيّ، وخصوصًا أن المجال الآن مفتوح للنهوض المسرحيّ باتجاهات أكثر رحابة، بالاعتماد على فهم المنجز على مدار عقود، من خلال «توفير مرجعية معرفية وبحثية تعزّز من جودة الخطاب المسرحي وتواكب النمو الفنيّ، والمشاركة في تطوير الدراسات النقديّة للمسرح والفنون الأدائية، بما يسهم في تعزيز حضور المسرح السعودي ثقافيًا ومعرفيًا محليًا ودوليًا».
وكون المختبر يهدف إلى توثيق مراحل تطور المسرح السعودي والفنون الأدائية، من خلال إنشاء قاعدة بيانات شاملة للباحثين المتخصصين، يعتمد عليها الباحثون في إعداد أبحاث ورسائل جامعية، فإن ذلك سيقوّي منظومة العمل المسرحيّ، خاصة في «تحويل الممارسة المسرحية إلى مادة علمية وأكاديمية قابلة للدراسة والتدريس، بالإضافة إلى التطوير والتمكين برفع جودة الخطاب المسرحي، وتطوير الوعي النقدي لدى الممارسين، وتأهيل الكفاءات والفرق المسرحية المستقلة».
وكون المختبر المسرحيّ يهدف إلى «بناء جسور الشراكة، وخلق حوار مستدام بين المسرحيين والنقاد والباحثين محليًا وعربيًا»، فإنّ من المهم دراسة تجارب المختبرات الشبيهة عربيًّا وعالميًّا، ليبدأ المؤسسون من حيث انتهى الآخرون. ولعل الهيئة العربية للمسرح يكون لها دور في تبادل الخبرات بين المختبرات المسرحية.
وهكذا، ومن خلال ربط المسرح بالفنون الأدائية والأدب والتراث، يمكن لمختبر المسرح السعوديّ للدراسات والبحوث تأصيل ذلك كله؛ عبر دراسة الأدب العربي الذي انطلق من خلال الشعر والنثر في حواضر جزيرة العرب، بربط ذلك بالحضارات القديمة، في المكان ومحيطه، فلا بدّ أن المكان قد عرف العروض المتنوعة، ويمكنهم التواجد كلّ عام في مهرجان الجنادرية العريق، الذي أكمل العقد الرابع، والتواصل مع أقسام التاريخ والفن في الجامعات السعودية، ما سيمنح التجريب المسرحيّ مجالًا للبناء على ما كان من تجارب قديمة، يمكن أن يتمّ استلهامها وبخاصة لدى الفئات الشابة. وليس بعيدًا عن ذلك تأمل مختلف التحوّلات التي مرّت داخل المجتمع السّعودي.
ويمكن أن يؤثّر حقل المسرح في حقول أدبية ومعرفية أخرى.
إنه المختبر والاختبار والتجربة والعلم بما يكفل إنتاج المعرفة أولًا، ثم توظيفها في الفن والأدب، عبر فهم عميق لما كان ويكون باتجاه الغد لضمان مستقبل أكثر جمالًا ورسوخًا.
