عمان اليوم

جلالة السلطان: لندن مركز نابض بالحياة وتعاوننا سيمضي في ازدهاره لأجيال عديدة مقبلة

22 أكتوبر 2026
22 أكتوبر 2026
احتفاء بجلالته.. مأدبة عشاء بمقر عمدة الحي المالي لمدينة لندن

جـــلالتـــه : التجارة المزدهرة وقوة المبادرات تشهد على القيمة الأصيلة لعلاقتنا - 

سوزان لانغلي : مستعدون للجمع بين الخبرات والاستثمارات وربط المبتكرين بالفرص المتاحة - 

العمانية: احتفاء بحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت مساء أمس مأدبة عشاء رسمية بمقر عمدة الحي المالي بالعاصمة لندن في إطار زيارة «دولة» يقوم بها جلالة السلطان للمملكة المتحدة.

ولدى وصول الموكب السلطاني المقل لجلالته ـ أيده الله ـ كان في استقباله معالي الليدي سوزان لانغلي، عمدة الحي المالي لمدينة لندن، وغاري لانغلي زوج معالي العمدة، وصاحب السمو الملكي الأمير ريتشارد دوق غلوستر، وعدد من المسؤولين، حيث رحبوا بجلالته، معربين عن بالغ سعادتهم وتشرفهم الكبير بهذه الزيارة.

عقب ذلك، قدمت معالي عمدة الحي المالي عددا من كبار المسؤولين في مدينة لندن لجلالة السلطان المعظم، بعدها اعتلى جلالته المنصة الشرفية، حيث أدى حرس الشرف التحية الملكية، وعزف السلام السلطاني العماني، ثم تفضل جلالته بتفتيش حرس الشرف الذي اصطف تحية لجلالته، والتقطت صورة تذكارية على المنصة بهذه المناسبة.

بعدها توجه جلالة السلطان المعظم إلى قاعة معرض الفنون برفقة معالي عمدة الحي المالي وعدد من أفراد الأسرة المالكة البريطانية والوفد الرسمي المرافق لجلالته، حيث أقيم حفل استقبال بهذه المناسبة، وتقدم لمصافحة جلالته كبار المفوضين والسفراء المقيمين في لندن.

كما تفضل جلالة السلطان بالتوقيع في سجل كبار الزوار.

وفي مستهل مأدبة العشاء، ألقى كبير قضاة مدينة لندن كلمة ترحيبية بمناسبة الزيارة الكريمة لجلالة السلطان المعظم، عبر فيها عن الاعتزاز بهذه المناسبة.

وعقب انتهاء مأدبة العشاء، ألقت معالي الليدي سوزان لانغلي، عمدة الحي المالي لمدينة لندن كلمة جددت فيها الترحيب بجلالة السلطان المعظم فيما يأتي نصها:

«صاحب الجلالة، أصحاب السمو الملكي، أصحاب المعالي والسعادة، اللوردات، العمداء، أعضاء المجلس البلدي، رئيس ممثلي المواطنين، الضيوف الكرام...

صاحب الجلالة، نيابة عن «مؤسسة مدينة لندن» بأكملها، يسعدني للغاية أن أرحب بجلالتكم، وبأفراد الأسرة المالكة العمانية، وبالوفد المرافق في مدينة لندن هذا المساء.

إنه لمن دواعي سرورنا البالغ أن نقدم لجلالتكم «رسالة ترحيب»، من داخل هذا الصندوق، آملين أن تقبلوها كتعبير صادق عن الصداقة العميقة والراسخة بين بلدينا.

إن قاعة «غيلدهول» التي نجتمع فيها الليلة ظلت في قلب مدينة لندن لأكثر من 600 عام، فبين هذه الجدران الحجرية العريقة، صنع التاريخ، وتوطدت الصداقات، واحتفي بمناسبات ذات أهمية بالغة، ومن بين تلك المناسبات، المأدبة التي أقيمت هنا على شرف المغفور له جلالة السلطان قابوس. لذا، فإنه لشرف استثنائي أن نضيف الليلة فصلا جديدا إلى ذلك التاريخ العريق.

قد تبدو المملكة المتحدة وسلطنة عمان، للوهلة الأولى، وكأنهما في عالمين مختلفين تماما، فإحداهما أرض تزخر بالمروج الخضراء، والغابات القديمة، والجبال التي يغطيها الضباب، والأخرى أرض تمتد فيها الصحاري الذهبية الشاسعة، والمنحدرات الصخرية، والسواحل ذات المناظر الخلابة التي تخطف الأنفاس.

ومع ذلك، إذا نظرنا إلى ما وراء الجغرافيا، يظهر لنا شيء استثنائي: دولتان تفصل بينهما المسافات، لكن يجمعهما تاريخ وصداقة صمدت لقرون، كلتا الدولتين تتطلعان نحو العالم الخارجي.

نحن ندرك أن حرية الملاحة البحرية، وأمن طرق التجارة، والاستقرار العالمي، هي الركائز الأساسية التي يبنى عليها الازدهار والسلام، لكن روابطنا تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فمن خلال التعليم والثقافة والعلوم، وصداقات نشأت بين شعبينا، بنينا ما هو أقوى بكثير من أي اتفاقية. إنها باختصار الثقة التي تجمع بين بلدينا.

ففي نهاية المطاف، ليست المعاهدات وحدها هي التي تحافظ على الصداقات العظيمة، بل هم البشر، والتجارب المشتركة، والإدراك بأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا.

تعود علاقاتنا الدبلوماسية إلى عام 1646م حتى إن اللورد نيلسون نفسه زار مسقط حين كان ضابطا بحريا، وظل اسم سفينته، «إتش إم إس سيهورس» ظاهرا على المنحدرات المحيطة بميناء مسقط لسنوات طويلة.

لذا، فمن المناسب تماما أن نجتمع هنا الليلة، في ذكرى «يوم ترافالغار» في ظل نصب تذكاري يخلده، وهو تذكير رائع بالروابط المتجذرة التي تجمع شعبينا الصديقين، كما ينبغي لهذه الروابط التي تشكل تاريخنا المشترك أن تنسج أيضا المستقبل الذي نبنيه معا، فالدول، كحال المدن، لا تزدهر أبدا إذا بقيت على حالها، بل تزدهر من خلال التكيف والابتكار وامتلاك الشجاعة للتطلع نحو المستقبل، ويتجلى ذلك في اتفاقية التجارة الحرة التاريخية التي أبرمت هذا العام بين المملكة المتحدة ودول الخليج، والتي تفتح الأبواب أمام أسواق وشراكات جديدة.

إن الحضور اللافت للشركات البريطانية والعمانية يعد بحد ذاته دليلا على متانة علاقاتنا الاقتصادية، وتسهم المملكة المتحدة بأكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة في سلطنة عمان، والفرص المتاحة أمامنا أكبر من ذلك بكثير، إذ تسهم «شراكة الاستثمار السيادي بين المملكة المتحدة وسلطنة عمان» في توجيه الاستثمارات في كلا الاتجاهين.

ويسعدني بشكل خاص أن «جهاز الاستثمار العماني» قد أدرك الإمكانات الهائلة للابتكار البريطاني، حيث استثمر في شركات ناشئة منبثقة عن الجامعات في مجالات متطورة مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات من خلال شركتي «كامبريدج إنوفيشن كابيتال» و«أكسفورد ساينس إنتربرايزس»، إنها عملية تحويل الأفكار إلى صناعات، والبحوث إلى اكتشافات، وطموحات جيل ما إلى فرص للجيل القادم.

وها نحن هنا في مدينة لندن يا جلالة السلطان، على أتم الاستعداد للقيام بدورنا؛ من خلال الجمع بين الخبرات والاستثمارات، وربط المبتكرين بالفرص المتاحة، لضمان تحقيق الرخاء والمنافع المتبادلة بين بلدينا وتبرز أهمية الصداقة أكثر من أي وقت مضى.

فنحن لسنا مجرد وجهة لممارسة الأعمال، بل شريك يمكنكم الاعتماد عليه، صداقة لا تقتصر على الحكومات والمؤسسات فحسب، بل يرسخها أيضا آلاف العمانيين الذين يعيشون ويعملون ويدرسون هنا.

أشخاص يثرون مجتمعاتنا، ويعززون مؤسساتنا، ونحن فخورون للغاية باعتبارهم جزءا من عائلة «مدينة لندن».

جلالة السلطان،

قبل أكثر من قرنين من الزمان، عبرت معاهدة أبرمت بين بلدينا عن أمل استثنائي، جاء فيه لتظل الصداقة بين دولتينا قائمة ما دامت الشمس والقمر في مسارهما، كلمات رائعة؛ كتبت في حقبة زمنية أخرى، على يد أناس ربما لم يتخيلوا قط حجم التغيرات التي كانت تنتظر المستقبل.

هذه الليلة، وبين جدران هذه القاعة العريقة، لا نحتفي بما مضى فحسب، بل نتطلع أيضا إلى ما يحمله المستقبل، فأعظم الصداقات ليست تلك التي لا تواجه الصعاب أبدا، بل هي تلك التي تظل راسخة في وجه الشدائد، وتزداد قوة بفضلها، وتمضي قدما نحو المستقبل يدا بيد.

ثم قدمت لجلالته الكلمة داخل صندوق مزخرف، وقدم كهدية تذكارية لجلالته وفقا للتقاليد في مدينة لندن.

بعد ذلك، عزف السلام السلطاني العماني، ثم تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ رعاه الله ـ بإلقاء كلمة بهذه المناسبة فيما يأتي نصها:

«يسرنا أن نعرب عن خالص امتناننا لمعالي العمدة على هذه الدعوة الكريمة، التي تعكس ما تحظى به بلادنا من تقدير، وما تتسم به مدينة لندن من انفتاح على العالم الرحب، والتزام بتعزيز جسور التواصل والثقة بين أمم العالم.

وكلما زرنا لندن، أعادت إلى الأذهان ما تنفرد به من استقطاب العقول النيرة وأهل الابتكار، وكما قال أحد أسلافكم من العمداء: إنه ليخيل للمرء حقا أن شوارعها مفروشة بالذهب.

فمدينة لندن ليست مجرد عاصمة سياسية، ولا هي مركز مالي عالمي فحسب؛ إنما مركز نابض بالحياة تلتقي فيه الأفكار، ويزدهر الابتكار في شتى ميادين الإنجاز الإنساني، وفي مقدمتها التجارة والاستثمار؛ حيث تلتقي الخبرات والثقافات والتطلعات الإنسانية، وإن القيمة الحقيقية لأي مدينة لتكمن في الأفكار التي تلهمها، والاستراتيجيات التي تصوغها، والعلاقات التي تنميها، كل ذلك مما يترك أثرا خالدا في العالم.

وقد أتاح لنا لقاؤنا اليوم فرصة جديدة لمواصلة تطوير رؤيتنا المشتركة للصداقة البريطانية العمانية، على صعيدي التشاور السياسي والتعاون بين القطاع الخاص في البلدين.

وإننا لنرى أن التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين يسيران في اتجاه مزدهر، مع بذل جهود ملموسة لتشجيع الاستثمار وبناء شراكات متينة في قطاعات الاستدامة والخدمات المالية والتكنولوجيا.

فالأسواق لا تنعم بالازدهار إلا في بيئة مستقرة؛ ولا تنمو الأعمال إلا بتشريعات شفافة ومرنة؛ ولا تثمر فرص الاستثمار إلا إذا استندت إلى خطط ومشروعات واضحة المعالم، محددة الأهداف، واعدة الآفاق، وانطلاقا من هذه الاعتبارات المهمة، فإن سلطنة عمان ترحب بكل من يرغب في أن يكون إلى جانبنا في هذه المسيرة.

وإذ رجعنا بالذاكرة إلى الماضي، فإننا نجد أن المعاهدتين التاريخيين المبرمتين عامي ١٧٩٨ و١٨٠٠ تحظيان باهتمام كبير، وشكلتا مرحلة مهمة في العلاقات بين الحكومتين العمانية والبريطانية.

ولا تقتصر جذور هذه العلاقة على ذلك، بل تمتد إلى اتفاق أبرم في وقت مبكر يعود إلى عام ١٦٤٧، قبل أن توقع اتفاقيات رسمية بين الحكومتين بزمن طويل، ولم يكن هذا الاتفاق المبكر مع الحكومة البريطانية فحسب، بل مع تجار مدينة لندن وتمثلهم شركة الهند الشرقية البريطانية، وقد منحها هذا الاتفاق امتيازات تجارية ميسرة، وأتاح الوصول إلى الموانئ العمانية ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي يبادر فيها القطاع الخاص.

وتعكس هذه الاتفاقيات التاريخية صلة أكثر عمقا، ضاربة بجذورها في التراث المشترك بما عرف عنا كوننا بحارة وتجارا، وهو إرث أفاض بمنافع دائمة على شعبي سلطنة عمان وبريطانيا، ولا يزال ذلك مستمرا إلى اليوم؛ إذ إن التجارة المزدهرة وقوة المبادرات الخاصة لتشهد على القيمة الأصيلة لهذه العلاقة.

واستنادا إلى هذه العلاقة العريقة، فإن اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ستفتح آفاقا رحبة للتجارة والاستثمار؛ إذ يتوقع أن يزداد حجم تبادل السلع بما يفسح المجال لمزيد من فرص النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة.

وانطلاقا من أول معاهدة أبرمتها شركة الهند الشرقية والاستثمارات العمانية في القطاع العقاري بلندن، وصولا إلى الاستشارات البريطانية في المدن الذكية والمناطق الاقتصادية، فقد تعاون أسلافنا منذ أمد بعيد على الجمع بين الإقدام والخبرة والطموح، وإذ نلتقي بكم اليوم هنا، فإنه لا يساورنا شك في أن تعاوننا سيمضي في ازدهاره لأجيال عديدة مقبلة.

وختمت مراسم المأدبة بكلمة شكر ألقتها معالي الليدي عمدة الحي المالي لمدينة لندن عبرت فيها عن امتنانها البالغ لتشرف جلالته بزيارة الحي المالي للعاصمة لندن.

حضر المأدبة عدد من أصحاب السمو والمعالي والسعادة أعضاء الوفد الرسمي المرافق لجلالة السلطان المعظم، وعدد من كبار المسؤولين والشخصيات البريطانية والسفراء المقيمين في لندن.