اصطناع الواقع

18 أكتوبر 2026
18 أكتوبر 2026

جبلنا على فهم الواقع من خلال قدرتنا على ملاحظة الأنماط؛ وبذا نعرف الأحداث بدلالاتها لا بواقع حدوثها الفعلي. ولا حرية لنا في ذلك؛ فتوجيه الفهم هي أداة سلطة شكلت منعطفات التاريخ البشري؛ فكانت أساطير المجتمع وطقوسه هي الموجه لأفراد كل مجتمع، تمنح البشر تصورات محددة؛ وهكذا تكون السلطات التي تحدد فهمنا هي التي توجه أفعالنا وتقيمها لتصبح بعض الأفعال واجبة وبعضها محرمة، مقدّرة تارة ومنبوذة تارة أخرى.

كان اختراع الطباعة مع ما زامنه من تحولات فكرية بمثابة فاتحة لإعادة توزيع سلطة فهم الواقع، فتعددت التفسيرات، وأصبح التنافس حول توجيه الناس للفهم جزءًا من التحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل المجتمعات الحديثة؛ غير أن هذا الأمر يؤكد أن تحرير الوصول إلى المعرفة لا يعني بالضرورة تحرير الفهم من أشكال التوجيه. وبتعدد التفسيرات تختار كل مؤسسة تتمتع بسلطة ما الأحداث التي ينبغي أن يعرفها الناس، وتحدد السياقات التي تقدم من خلالها؛ فالواقعة الواحدة قد تكتسب معاني متباينة باختلاف اللغة التي توصف بها وتنظيم أجزاء سردها، كما تكتسب تأثيرا بربطها بالصور التي ترافقها، والأحداث التي تربط بها؛ لأن تشكيل الرأي العام يرتبط بالتحكم في توجيه الناس لفهم واقع معين على نحو محدد.

نعيش حاليا تحولا أكثر إثارة فيما يتعلق بتوجيه البشر نحو فهم معين للواقع؛ إذ أخذت الخوارزميات تنتقي ما يعرض لكل مستخدم استنادًا إلى سلوكه واهتماماته؛ وهكذا لم يعد التوجيه يستهدف مجموعة محددة جغرافيا أو اجتماعيا، وإنما وبسبب اختلاف المسارات الرقمية التي يسلكها كل فرد، حولت الخوارزميات توجيه الفهم من خطاب جماعي إلى عملية تتشكل على مستوى الفرد، والأكثر أهمية أنها لا تعطيه معلومات فحسب، بل تعيد تفسيرها له، وتربط بينها، وتناقش اعتراضاته -إن وجدت- عليها، لتقدم له تصورًا مترابطًا. وهنا تبرز مفارقة جديدة؛ فكلما ازدادت قدرة الإنسان على الحصول على إجابات مخصصة لأسئلته ازدادت أهمية مساءلة الكيفية التي تكوّنت بها تلك الإجابات، ومن الذي أثّر في مصادرها ومبادئها.

أظهرت دراسة نشرتها مجلة نيتشر في ديسمبر 2025 تناولت تجارب مرتبطة بالتفضيلات السياسية لدى الناخبين في دول غربية محددة أن الحوارات التي خاضها الأفراد مع نماذج الذكاء الاصطناعي استطاعت إحداث تغيرات ملموسة في تفضيلاتهم، وبمقادير تجاوزت التأثير المعتاد للوسائل التقليدية. والأكثر إثارة أن الباحثين وجدوا أن الإقناع تحقق أساسًا عبر تقديم معلومات وأدلة تبدو مرتبطة بموضوع النقاش، دون حاجة إلى تقنيات نفسية معقدة. كما تبين أن بعض تلك المعلومات لم يكن دقيقًا؛ وهذا ما يستدعي التفكير في مصدر قوة الخوارزمية؛ فهي لا تحتاج بالضرورة إلى خطاب عاطفي مثلًا، بل يكفي أن تقدم سردًا متماسكًا يبدو مؤسسًا على المعرفة حتى يمكنها التأثير في القناعة، أي في فهم الإنسان للواقع.

غير أن هذا التطور يفتح بابًا آخر أكثر تعقيدًا؛ فمن أين تستمد الخوارزمية المادة التي تصوغ منها تفسيراتها؟ اعتدنا التعامل مع المعلومات المضللة بوصفها نصوصًا موجهة للبشر تنتشر عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وتستهدف تغيير آرائهم مباشرة، لكننا أمام احتمال مختلف؛ أن تُنشر المعلومات المضللة لتقرأها الخوارزميات أولًا، ثم تعيد تقديمها للبشر في استجابات تبدو مستقلة عن المصادر التي أنتجتها، وبذا يصبح الإنسان آخر حلقة في عملية تأثير كامنة في الأدمغة الإلكترونية، حتى قبل أن يطرح سؤاله عليها.

إن أهمية التفكير في هذه التحولات تتجاوز قضية التضليل؛ إذ عرفته المجتمعات عبر تاريخها الطويل، لتظهر أهميته في تحول آليته؛ ففي الدعاية التقليدية يحاول صاحب الخطاب إقناع المتلقي بتفسير محدد للواقع، أما التحول الجديد فإنه يفرض تأثيرًا في المادة التي تعتمد عليها الخوارزمية لتفسير الواقع، ثم يترك للنموذج مهمة تركيب الأدلة وإنتاج الاستجابة؛ وهنا قد تنتقل الرواية من موقع الادعاء الصادر عن جهة معروفة إلى موقع المعرفة التي تقدمها برمجيات تبدو محايدة رغم أن حياد أسلوبها لا يضمن حياد مصادرها.

من المهم أن نفرق بين فرض فهم مصطنع عن الواقع وبين حوار ينتج عنه تغيير في القناعات؛ إذ إن الحوار القادر على تغيير القناعة قد يكون وسيلة لكشف المغالطات وتوسيع الأفق تمامًا كما يمكنه أن يتحول إلى أداة لترسيخ تصورات زائفة.

وليست المشكلة في أن تؤثر الخوارزمية في الإنسان؛ فالتعلم نفسه يتضمن تغيرًا في القناعات، وإنما في قدرة الإنسان على معرفة الأسس التي بُني عليها هذا التأثير؛ فإعمال التفكير الناقد لتحليل الأدلة وفهم موثوقيتها يحد من تأثير الروايات المصطنعة والموجهة لفهم واقع ما بطريقة ما؛ وهنا تكمن أهمية أن يبقى الإنسان ممسكا بزمام المراجعة بدل الاكتفاء بتلقي ما يتلقاه واثقا دون تمحيص بقدرة الخوارزميات على تعزيز فهمه للواقع.

وهنا ينبغي تأمل طبيعة السلطة المعرفية التي ستنشأ حين تصبح الخوارزميات وسيطًا دائمًا بين الإنسان والعالم، كيف سيؤثر ذلك على حرية تكوين المعنى ذاته؛ ذلك أن الإنسان الذي يفهم الواقع عبر خوارزمية لا يعرف كيف تشكلت مقدماتها، قد يحتفظ بحريته في اختيار ما يعتقد، بينما تتغير دون علمه الشروط التي يتكون ضمنها اعتقاده. 

صالح الفلاحي كاتب عماني