"البعثة الأوروبية" الخاصة بلبنان.. والأسئلة المعلقة على حبال الوقائع
غداة إعلان مجلس الإتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ تأسيس بعثة دعم عسكرية في لبنان، بولاية أوليّة تمتدّ 3 سنوات، تحت عنوان: تقديم المشورة والدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية لمراقبة الحدود ومكافحة التهريب وتطبيق القرار 1701، أجمعت مصادر سياسية معنيّة عبر "عُمان" على أن القرار الأوروبي الجديد، القاضي بدعم المؤسّسات الأمنية اللبنانية، يعكس اتجاهاً دولياً نحو تعزيز قدرات الدولة، ولا سيّما في مجالَي أمن الحدود وضبط الأراضي. وما بين مضامين هذا المشهد، كلامٌ عن أن الدولة اللبنانية لم توصد الباب في وجه الدور الأوروبي، والفرنسي منه تحديداً، وخصوصاً أن باريس شكّلت الحاضنة التاريخية للبنان في مراحل مختلفة.
أمّا على المقلب الآخر من عودة أوروبا الى المشهد اللبناني، من بوّابة بعثة جديدة يُفترض، بحسب مصادر رسمية، أن تشكّل إستجابة لطلب لبناني، تقدّمت به وزارة الخارجية اللبنانية وحظي بموافقة الحكومة، فالأسئلة كثيرة وكبيرة، عن الترتيبات العمليّة لهذه البعثة، وخصوصاً لجهة حدود صلاحياتها، في ظلّ وجود عقبتيْن أساسيّتين: النفوذ الأميركي والإحتلال الإسرائيلي. علماً أن الولايات المتحدة كانت همّشت الحضور الأوروبي في "الميكانيزم" (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار)، ومنعت التجديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل"، في خطوة هدفت، وفق ما يتردّد، إلى قطع الطريق على استمرار الوجود الفرنسي وغيره من الوجود الأوروبي في جنوب لبنان.
إنقسام.. ومعطيات
وهكذا، منذ لحظة الإعلان عن قرار تشكيلها، حاصرت البعثة أسئلة تتعلّق بمهامها وميزانيتها وحقيقة الدور المرتبط بتدريب الجيش. وهكذا أيضاً، إنقسمت الآراء حيال وجود هذه البعثة، بين من اعتبر القرار تعبيراً عن ثقة أوروبية بلبنان، ومساعدة متقدّمة له، لا سيّما مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل" في جنوب لبنان، ومن شكّك في الغاية من وجودها وأبعاد مهمّتها، وخصوصاً أن حصر هذه المهمّة بشمال الليطاني دون جنوبه هو موضع تشكيك، إذْ لم تشمل المهام المناطق التي تحتلّها إسرائيل في جنوب لبنان، بل انحصرت في المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني. وهو ما يعزّز المخاوف من التعاطي مع المنطقة الواقعة جنوب النهر باعتبارها منطقة عسكرية خاضعة بالكامل لاحتلال إسرائيلي طويل الأمد.
وكان وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي اتفقوا، يوم الإثنين الفائت، على إطلاق بعثة جديدة لدعم لبنان، في إطار "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" (CSDP)، بولاية أوليّة تمتدّ 3 سنوات، بالتزامن مع اقتراب انتهاء تفويض "اليونيفيل" نهاية العام الجاري. أمّا أبرز الأهداف والمهام المرتبطة بالبعثة، حسب معلومات "عُمان"، فيتلخص بالعناوين التالية: دعم القوّات المسلّحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، من خلال تقديم المشورة والتدريب وتعزيز القدرات العملياتيّة وتطوير هياكل تدريب مستدامة، تعزيز حوكمة أمن الموانئ، بما في ذلك دعم العمليات في مرفأ بيروت وتطوير القدرات البحرية ووحدات الحدود البرية، مكافحة الجرائم، من خلال التركيز على مجالات متخصّصة تشمل مكافحة الجرائم الإلكترونية والتهريب، الإلتزام بالقرارات الدولية، في سياق دعم استقرار لبنان وسيادته وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، والعمل بالتنسيق مع السلطات اللبنانية ومؤسّسات الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والشركاء الدوليّين.
وفي المعلومات أيضاً، فإن البعثة ستتألف من ركن عسكري وآخر مدني، يعملان تحت ولاية سياسيّة موحدة، مع تأدية مهام تكميلية في مجالات اختصاصهما. ذلك أن الركن العسكري سيقدّم الدعم الإستشاري والتدريب لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في مجال أمن الحدود والأمن البحري، بما في ذلك مراقبة الحدود البريّة والسيطرة عليها، والإستخبارات، والمراقبة والإستطلاع، ومكافحة التهريب والتنسيق العمليّاتي. أمّا الركن المدني، فسيدعم قوى الأمن الداخلي، من خلال تقديم الدعم الإستشاري والتدريب المتخصّص، بهدف تعزيز القدرات العمليّاتية وتطوير هياكل تدريب مستدامة لهذه القوى، بما في ذلك في مجالات مثل الجرائم الإلكترونية ومكافحة التهريب، على أن يقدّم أيضاً الدعم لتعزيز إدارة أمن المرافئ، بما في ذلك مرفأ بيروت.
.. والـ1701 مجدّداً
وفيما يتهيّأ لبنان لاستقبال االبعثة الأوروبية الخاصّة به أوائل الشهر المقبل، بشقّيها المدني والعسكري، وتحت إدارة سياسية واحدة، على أن يشمل عملها كامل الأراضي اللبنانية، تجدر الإشارة الى أن اللافت في قرار المجلس الأوروبي إشارته الى "تعزيز الإستقرار الدائم، وفقاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701"، وهو القرار الذي يُثار التساؤل حول مصيره بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" في جنوب لبنان نهاية العام الجاري، في ظلّ استبداله بـ"اتفاق الإطار" الذي لم يرد ذكره في متن بنود القرار الأوروبي. كما تجدر الإشارة الى أنه، ومع اقتراب انتهاء مهمّة "اليونيفيل" في 31 ديسمبر المقبل، يواجه لبنان سؤالاً يتجاوز مصير القوّة الدولية الى مستقبل الإطار الذي يحكم الوضع في الجنوب.. فماذا يبقى من القرار 1701، اذا غادرت القوّات المكلّفة مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساعدة الجيش على بسط سلطة الدولة؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، تردّدت معلومات ديبلوماسيّة، مفادها أن البعثة الأوروبية الخاصّة بلبنان ليست بديلًا عن "اليونيفيل"، لأنها لن تقوم بلعب دورها، ولن يسمح عديدها بذلك.. أما الأسئلة، فتبقى معلّقة حتى إشعار آخر، ومفادها: ما الذي سيُدرّب عليه الجيش اللبناني، تحديداً شمال الليطاني؟ وبالتالي، هل من دور ما ترسمه أوروبا للجيش في ملفّ سحب سلاح "حزب الله"؟ والأهمّ، كيف ستتعامل إسرائيل مع وجود عناصر البعثة ودورها؟
