No Image
ثقافة

الدراما والبحث عن "البطل والبطولة"

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026

(1)

أثناء جمع وإعداد مادة بحثي عن تاريخ الدراما العربية ونشأتها وتحولاتها (منذ سبعينيات القرن الماضي)، لفت نظري توقف الدراما العربية (الإذاعة والتليفزيون) عند استدعاء البطولات الجمعية العربية، تلك التي توحد "الوجدان الجمعي" وتستثيره وتشعل حماسته في قضايا المواجهة والمقاومة مع العدو الصهيوني منذ النكبة عام 1948 وحتى ما بعد نصر أكتوبر العظيم في 1973.

كنت توقفت في الحلقة الماضية أمام نموذج رائع وناضج للدراما العربية، وهو مسلسل "الشهد والدموع" بجزأيه، في دائرة رصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) وحتى حرب أكتوبر 1973. وأشرنا إلى أن "الشهد والدموع" كانت البروفة أو البذرة التي ستتحول إلى أضخم وأكبر وأمتع عمل درامي عربي في نهايات القرن العشرين، وأقصد مسلسل "ليالي الحلمية" بأجزائه الخمسة، وافترضت أن هذه الأعمال هي الموازي الدرامي البصري لرواية الأجيال التي تناولناها في حلقات سابقة من (مرفأ قراء).

لكن لم يكن من الممكن الوصول إلى محطة "ليالي الحلمية" والتوقف عندها تفصيلًا بالتحليل والنقد، من دون التوقف عند مرحلة مهمة جدًا في تاريخ الدراما العربية والمصرية، خلال الفترة من 1980 وحتى سنة 2000. وهي محطة الدراما التاريخية (الدينية والشعبية والسيرية على السواء)، ذلك أن أعمالًا بعينها قد فرضت نفسها على المشاهد العربي خلال تلك الفترة، على سذاجة المعالجة والتناول وبساطة الإمكانات ومحدودية القدرات؛ ورغم ذلك فقد قدر لهذه الأعمال أن تحتل مكانتها في أذهان الملايين من المشاهدين على امتداد العالم العربي كله.

فمن ينسى، على سبيل المثال، مسلسل "ليلة سقوط غرناطة" الذي كتبه المبدع الراحل محفوظ عبد الرحمن، وأخرجه عباس الأرناؤوط في العام 1979، وقد كان أمثولة درامية تاريخية احتجاجية على بعض المواقف والأحداث السياسية التي هزت العالم العربي آنذاك.

(2)

ثم كان أن عرض مسلسل "علي الزيبق" المأخوذ عن السيرة الشعبية الشهيرة بالاسم ذاته، في ثلاث عشرة حلقة كتبها يسري الجندي، وقام ببطولتها الفنان الراحل فاروق الفيشاوي ونخبة من النجوم. والغريب والمدهش أن هذا المسلسل، الذي عرض للمرة الأولى عام 1984، يكاد يمثل في وقته صيحة تحذير عالية وناقوسًا مدويًا ضد الخطر "المجوسي" الذي يهدد وحدة وكيان الأمة العربية والإسلامية، ويسعى إلى اختراقها داخليًا بإثارة الفتن والقلاقل وزرع الكيانات والأذرع التي تدين له بالولاء وتحقق أهدافه بالوكالة، والتمهيد لاجتياحات من قوى مجاورة بتأثير نعرات طائفية أو عرقية أو دينية أو مذهبية، إلخ.

والأمر ذاته ينطبق على مسلسل "سيرة الظاهر بيبرس" من بطولة أحمد عبد العزيز، الذي عرض في نهاية الثمانينيات، وهكذا. هذه مجرد أمثلة فقط، وقد حظيت هذه النوعية من الأعمال الدرامية بمشاهدات عالية، واحتلت مكانة عزيزة في قلوب مشاهديها منذ عرضها الأول وحتى عقود تالية.

في محاولة لتأطير هذه الظاهرة، أقصد ازدهار الدراما التاريخية والدينية والشعبية، بموازاة ازدهار المسلسلات الاجتماعية الواقعية أو ما أسميته "دراما الأجيال" على غرار "رواية الأجيال"، وما حظيت به من قبول وذيوع لدى ملايين المشاهدين،

كان لا بد من الرجوع إلى كتابين مهمين في حقل الدراسات الشعبية والمأثور الشعبي، فيما يتعلق بموضوع البطولة والأبطال وحضورهما المكين في الوجدان الجمعي العربي.

هذان الكتابان هما: "البطولة العربية والذاكرة التاريخية" لأستاذة الفولكلور والأدب الشعبي الراحلة الدكتورة نبيلة إبراهيم، وكتاب "البطل في الوجدان الشعبي" للروائي والباحث الراحل محمد جبريل؛ أحد أهم كتاب جيل الستينيات.

(3)

فالكتابان، على اختلاف منهجيهما في تناول موضوع البطل الشعبي والبطولات الشعبية، يثيران معًا قضية المواجهة القومية مع العدو الصهيوني، والتصدي لسلسلة طويلة من التآمر والعدوان والحصار يقوم بها الطامعون في ثروات هذه الأمة، المتفقون، على اختلافهم، على ضرورة إضعافها وإذلالها وتطويق كل محاولاتها للنهوض والتحرر والانطلاق.

وفي مثل هذه الحال التي تعيشها أمتنا الآن، بكل أخطارها وتحدياتها وأزماتها الوجودية والواقعية، كان "الوجدان الشعبي الجمعي" يقوم بصناعة أبطاله الشعبيين وصناعة سرديات البطولة، منطلقًا من الواقع إلى الخيال، ومن الحقيقة إلى الأسطورة، في صياغة ملحمية فذة، تحمل نبض هذا الوجدان وعرامته وحرارته، وتجيش بتلقائيته وشجاعته الفريدة النادرة المثال، وتعزف على أوتار القيم العربية في النجدة والحمية والشرف والكرامة والثأر والتحرر. ففي حديثها عن خصوصيات البطل العربي، تقول الدكتورة نبيلة إبراهيم:

"أهم مظهر يلفت النظر في بطولة هؤلاء الأبطال وغيرهم هو فائض البطولة عندهم. وعلى الرغم من أن فائض البطولة خاصية مرتبطة بالبطل الشعبي بصفة عامة، فإن ما يهمنا بالنسبة للبطل العربي هو كيفية توظيف هذا الفائض في خدمة التاريخ والدين والمجتمع".

إن فائض البطولة لدى البطل العربي ملك له، وفي وسعه أن يوجهه نحو الخير أو نحو الشر؛ أي أن فائض البطولة يمكن أن يكون عامل بناء بقدر ما يكون معول هدم، وكل من البناء والهدم موجه نحو البطل وجماعته؛ أي أن البطل حتى في توظيف بطولته نحو الخير أو نحو الشر.

ولعل هذا هو السبب في إصرار بعض السير الشعبية، مثل "سيرة عنترة" و"سيرة ذات الهمة"، وغيرهما، على تحرير البطل من العبودية قبل أن يقوم بأعماله البطولية للخير الجماعي على الوجه الأكمل، ذلك أن البطولة مرتبطة بالحرية. وهنا يتمثل كذلك الفرق بين بطولة "عنترة" وبطولة "ذات الهمة"، على سبيل المثال لا الحصر، وبين بطولة أبطال "السيرة الهلالية".

فالبطولات الأولى كانت موجهة نحو سيادة الأمة الإسلامية، بما تتضمنه هذه السيادة من نظام اجتماعي ونظام ديني، أما عند بني هلال فقد وظف فائض البطولة عندهم ليكون معول هدم للطرفين المتحاربين، وبذلك كانت نهاية السيرة هي المثل الشعبي المستخلص منها: "وكأنك يا بوزيد ما غزيت"!

(4)

أما الكاتب والروائي محمد جبريل، في كتابه المشار إليه، وهو يتناول، من خلال منهج فني إبداعي، موضوع "البطل في السيرة الشعبية"، فيقول: وإذا كانت السيرة الشعبية تتناول، في الأغلب، بطلًا تاريخيًا حقيقيًا وأحداثًا تاريخية حقيقية، فإن الوجدان الشعبي قد أضاف إلى الأبطال الحقيقيين والأحداث التاريخية الحقيقية، بما أعاد تشكيل البطل والحدث على الصور التي يريدها أو يتمناها.

وهكذا، تقدم لنا هذه "السير الشعبية" نماذج شتى من البطولة التي أبدعها الوجدان الشعبي الجمعي، متمثلة في "سيف بن ذي يزن" و"عنترة" و"أبي زيد الهلالي" و"ذات الهمة" و"الظاهر بيبرس" و"علي الزيبق" و"الشاطر حسن" وغيرهم. هذه البطولة التي تطالعنا على مستوى واقعي راهن في تجلياتها المقاومة ونبضاتها الآملة، وانتفاضة حجارة تتحدى المستحيل، وكأن شبابها وصبيتها يحملون أرواح هؤلاء الأبطال الشعبيين ويجسدون قدراتهم الخارقة وإرادتهم الفولاذية وعزائمهم التي لا يقهرها خوف أو يأس أو اختلال في موازين القوى والسلاح.

من المؤكد أن "الوجدان الشعبي" يتكئ الآن إلى جدار صلد من هذه النماذج البطولية، ويرى فيها نسيجًا حيًا متصلًا لا يتوقف عند حدود الماضي البعيد أو القريب، فشعبية "عنترة" ظلت حية وممتدة بدءًا من العصر الجاهلي حتى عصر الحروب الصليبية، وصورة كل من "أبي زيد الهلالي" و"الشاطر حسن" لا تزال تخايل الباحثين والمفتونين بعناصر الفتوة والبطولة في كل مكان. وفي العقدين الأخيرين، كان استدعاء بطولة "شيخ العرب همام" مثارًا لحفز الهمم وإشعال الحماسة وتوحيد الوجدان الجمعي مرة أخرى.