التحديات الجيوسياسية تفرض رفع كفاءة الشبكات وأنظمة التخزين وسلاسل التوريد
فرضت المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة تحديات على أمن الطاقة في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة اضطراب مسارات نقل الإمدادات وتأثر سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين جراء الحرب التي أدت إلى تراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز من نحو 21 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من عام 2025 إلى 4.9 مليون برميل يوميا في الفترة المماثلة من عام 2026، بانخفاض يقارب 77%، قبل أن ترتفع إلى نحو 10.9 مليون برميل يوميا في سبتمبر الماضي، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ووكالة الطاقة الدولية، وتبرز هذه التطورات أهمية تطوير مرونة منظومات الطاقة وتنويع مصادر الإمداد وتطوير الشبكات الكهربائية بما يضمن استمرارية الإمدادات في ظل تنامي الطلب على الكهرباء والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة.
وفي سلطنة عُمان، تتزايد أهمية هذه الجوانب مع التوسع الاقتصادي والصناعي، بما يتطلب تطوير البنية الأساسية ورفع كفاءة الشبكات وتعزيز أنظمة التخزين، إلى جانب تأمين سلاسل التوريد والاستعداد للمخاطر الخارجية لضمان موثوقية الإمدادات واستدامتها. كما تبرز أهمية تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء وخفض تكاليف الإنتاج، مع مواصلة التوسع في مصادر الطاقة المتجددة وتعزيز قدرة الشبكات على استيعاب التغيرات في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
وأوضح خبراء في قطاع الطاقة لـ "عُمان" أن زيادة قدرات التوليد تمثل جزءا من الحل، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استقرار الإمدادات، ويتطلب تعزيز أمن الطاقة تنويع مصادر التوريد، وتطوير الشبكات وأنظمة التخزين، وتحسين إدارة الطلب، والاستفادة من التقنيات الحديثة، إلى جانب دراسة فرص التكامل الكهربائي الإقليمي وتطوير القدرات المحلية في سلاسل توريد المعدات.
أهمية الاستعداد للمخاطر
قالت الدكتورة روث بريليتش، مستشارة أولى في الجيواستراتيجية إن المخاطر تؤثر في أمن الطاقة من خلال مسارين رئيسيين؛ يتمثل الأول في احتمال تعطل مسارات نقل وتصدير الطاقة، فيما يرتبط الثاني باضطراب سلاسل توريد المعدات والمكونات اللازمة لتنفيذ المشروعات وتشغيلها.
وأوضحت أن تأثير هذه الاضطرابات تؤثر على قدرة الشركات على الحصول على المعدات المطلوبة لإنشاء المشروعات وصيانة الأصول القائمة، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطالة مدة التنفيذ وارتفاع التكاليف وتأجيل الاستفادة من القدرات الجديدة اللازمة لتلبية الطلب وتعزيز موثوقية الإمدادات.
وأشارت بريليتش إلى أهمية الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان في حسابات أمن الطاقة، موضحة أن وجود السلطنة خارج مضيق هرمز يمنحها ميزة في التعامل مع بعض المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة عبر المضيق غير أنها أكدت أن الاستفادة من هذه الميزة لا تلغي الحاجة إلى الاستعداد للمخاطر الأخرى، خصوصًا أن قطاع الطاقة يعتمد على سلاسل توريد دولية للمعدات والتقنيات.
وأضافت أن تنويع مصادر التوريد، وتحديد المكونات الحيوية، ووضع خطط للتعامل مع تأخر وصولها، تمثل عناصر مهمة لتعزيز قدرة القطاع على الاستمرار عند حدوث اضطرابات ودعت إلى مراجعة نماذج التوريد التي تعتمد على توفير المعدات عند الحاجة إليها مباشرة، والتوجه إلى الاحتفاظ بمخزون احتياطي من المكونات التي يصعب استبدالها أو يستغرق توريدها وقتًا طويلًا.
وأوضحت أن تقليل المخزون قد يخفض التكاليف في الظروف الطبيعية، لكنه قد يزيد تعرض المشروعات للتأخير عند تعطل سلاسل التوريد. لذلك، فإن الاحتفاظ بالمكونات الحيوية يتطلب موازنة بين تكلفة التخزين والخسائر المحتملة نتيجة توقف المشروعات أو تأخر الصيانة، مع تحديد المعدات التي تستدعي التخزين وفق أهميتها ومدة توريدها.
وفي ما يتعلق بتكلفة الطاقة، أوضحت روث أن استخدام الغاز الطبيعي المحلي في توليد الكهرباء يخفف تعرض القطاع بصورة مباشرة لتقلبات أسعار الغاز في الأسواق العالمية غير أن توجيه الغاز للاستهلاك المحلي يرتبط أيضًا بتكلفة الفرصة البديلة، إذ يمكن أن يحقق تصديره عوائد مختلفة بحسب الأسعار السائدة واحتياجات السوق المحلية والالتزامات القائمة.
وتبرز هنا أهمية الموازنة بين ضمان احتياجات قطاع الكهرباء والعوائد الاقتصادية المتاحة من استخدام الموارد الطبيعية كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمواد والمعدات قد ينعكس على تكلفة المشروعات الجديدة، بما فيها مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما يجعل تقدير التكلفة الإجمالية للمشروعات جزءًا من التخطيط لأمن الطاقة.
وتشمل الحلول التي طرحتها غيليش التوسع في الطاقة المتجددة، وتعزيز مرونة الشبكات، وتطوير سلاسل توريد محلية للتقنيات النظيفة متى كانت الجدوى الفنية والاقتصادية متاحة، مع استمرار الشراكات الدولية في المجالات التي تتطلب تقنيات أو قدرات صناعية متخصصة.
كما شددت على أهمية تخزين الكهرباء، نظرا إلى التفاوت بين أوقات إنتاج الطاقة الشمسية وفترات الطلب المرتفع، داعية إلى النظر إلى قطاعي الكهرباء والمياه ضمن منظومة مترابطة، في ظل اعتماد محطات تحلية المياه على الكهرباء، وأشارت إلى أن استمرارية الإمدادات الكهربائية تؤثر في استدامة الخدمات الأساسية، وأن حلول مساندة مثل تخزين المياه في الخزانات الجوفية يمكن أن تسهم في إدارة الموارد عند دراسة ملاءمتها للظروف المحلية.
من جانبها، أكدت مريم الهاشمي، مديرة سياسات واستراتيجيات الكهرباء وكفاءة الطاقة بوزارة الطاقة والمعادن، أن جاهزية منظومة الطاقة في سلطنة عُمان ترتبط بالتخطيط طويل المدى والاستثمار المستمر في البنية الأساسية، إلى جانب تنويع مزيج الطاقة وزيادة مساهمة المصادر المتجددة والتوسع في حلول التخزين.
وأوضحت أن تقييم جاهزية المنظومة لا ينبغي أن يقتصر على قدرات الإنتاج الحالية، بل يشمل قدرتها على التكيف مع المتغيرات المستقبلية، وتنويع مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، وتعزيز المرونة التشغيلية، والاستفادة من الرقمنة والتقنيات الجديدة. كما أن تمكين التوليد الذاتي والبيع المباشر للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة يسهم في تنويع الإمدادات وتعزيز مرونة المنظومة.
وأشارت الهاشمية إلى أن مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصًا المصحوبة بحلول التخزين، تسهم في إضافة قدرات توليد جديدة وتخفيف الضغط على محطات التوليد التقليدية، فضلًا عن تعزيز الاحتياطي المتاح لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء. وتكتسب الطاقة الشمسية أهمية خلال ساعات النهار، لا سيما في الدول التي يمثل فيها استخدام أجهزة التكييف جزءًا كبيرًا من الاستهلاك الكهربائي.
لكن إنتاج الطاقة الشمسية ينخفض بعد غروب الشمس، في حين قد يستمر الطلب على الكهرباء عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعزز أهمية أنظمة التخزين في تغطية جزء من الطلب خلال فترات الذروة المسائية. وتتيح هذه الأنظمة الاستفادة من الطاقة المنتجة في أوقات ارتفاع الإنتاج واستخدامها لاحقًا، بما يساعد على تقليل الحاجة إلى تشغيل وحدات توليد احتياطية، وفقًا لقدرات التخزين واحتياجات المنظومة.
وأكدت أن اختيار تقنيات التخزين ومددها ينبغي أن يستند إلى الاحتياجات الفعلية للشبكة والجدوى الفنية والاقتصادية، مع دراسة حلول أخرى لتعزيز المرونة، مثل الاستجابة للطلب وتطوير قدرات التوليد المرنة. ويعني ذلك أن التخزين يمثل جزءًا من منظومة متكاملة تتطلب التنسيق بين الإنتاج والشبكات والاستهلاك، ولا يمكن تقييم جدواه بمعزل عن بقية مكونات القطاع.
وفي ما يتعلق بالأولويات الاستراتيجية أشارت إلى أهمية تطوير شبكات كهربائية حديثة وذكية قادرة على استيعاب التغيرات في الإنتاج والطلب، وتحسين إدارة الأحمال، ورفع موثوقية الإمدادات وسرعة الاستجابة للأعطال. كما يتطلب تحقيق مستهدفات الطاقة المتجددة إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا واضحًا ومستقرًا يشجع مشاركة القطاع الخاص، ويحفز الاستثمار والابتكار، ويدعم تبني التقنيات الحديثة.
وشددت على ضرورة تعزيز التكامل في التخطيط بين مشروعات التوليد والشبكات والتخزين، بما يضمن تنفيذ المشروعات وفق احتياجات المنظومة الكهربائية وأولويات أمن الطاقة، كما تتيح التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي فرصًا لتحسين التخطيط والتشغيل، شريطة توظيفها ضمن منظومة تعتمد على بيانات موثوقة وبنية أساسية مناسبة.
وأن التكامل الكهربائي الإقليمي يمكن أن يسهم في تعزيز مرونة الأنظمة من خلال تبادل الطاقة والاستفادة من اختلاف أنماط الطلب والإنتاج، مع أهمية دراسة جدوى الربط والأنظمة الكهربائية المستقلة المخصصة للمشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مشروعات الهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات، وفق المتطلبات الفنية والاقتصادية وأمن التشغيل.
كفاءة الطاقة وسلاسل التوريد
وتبرز كفاءة الطاقة وإدارة الطلب ضمن الأدوات التي يمكن أن تخفف الضغط على المنظومة الكهربائية، من خلال تحسين الاستخدام وخفض الاستهلاك غير الضروري، والحد من الحاجة إلى استثمارات إضافية في قدرات التوليد والشبكات. كما تساعد إدارة الأحمال خلال فترات الذروة على تحسين استغلال الأصول القائمة ورفع كفاءة التشغيل.
وفي ظل المخاطر الجيوسياسية، يمتد أمن الطاقة إلى حماية سلاسل التوريد وتعزيز الأمن السيبراني ورفع الجاهزية التشغيلية. فاستمرارية الخدمة لا تعتمد على توافر الوقود والطاقة المنتجة فقط، بل تتطلب أيضًا توافر قطع الغيار والمعدات، والقدرة على التعامل مع الأعطال والانقطاعات، وحماية الأنظمة الرقمية المستخدمة في المراقبة والتحكم.
ويمثل تنويع مصادر توريد المعدات والمكونات الحيوية أحد الخيارات لتقليل الاعتماد على مورد واحد، إلى جانب دراسة فرص تطوير القدرات المحلية في المجالات التي تسمح بها الجدوى الاقتصادية والتقنية. وفي المقابل، تظل الشراكات الدولية مهمة لتوفير المعدات والتقنيات التي تتطلب خبرات أو قدرات صناعية متخصصة.
كما يتطلب التخطيط لأمن الطاقة مواءمة الاستثمارات مع نمو الطلب الصناعي والاقتصادي، وتحديد الاحتياجات المستقبلية للشبكات، ودراسة أثر ارتفاع تكاليف المعدات والشحن والتأمين في تنفيذ المشروعات. ويشمل ذلك الموازنة بين تكلفة الاحتفاظ بمخزون احتياطي من المعدات الحيوية والخسائر المحتملة نتيجة تأخر التوريد أو تعطل المشروعات.
موازنة لتحقيق أمن الطاقة
من جانبه قال فيصل بن سعود الكندي، مدير تطوير الأعمال في شركة ديمه للطاقة إن التعامل مع التغيرات في الإمدادات لا يمكن أن يعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، رغم أهمية رفع القدرات المتاحة لتلبية الطلب فزيادة العرض قد تخفف الضغوط، لكنها لا تعالج جميع التحديات إذا لم تقترن بتطوير البنية الأساسية وتحسين إدارة الاستهلاك.
وحدد الكندي ثلاثة عناصر لتعزيز أمن الطاقة، تتمثل في تنويع مصادر الإمداد، والاستثمار في البنية الأساسية والتقنيات التي ترفع مرونة الشبكات، وتحسين القدرة على رصد أنماط الأحمال وإدارة الطلب، ويعكس ذلك أهمية الانتقال من التركيز على حجم الطاقة المنتجة إلى قدرة المنظومة على إيصال الكهرباء المطلوبة إلى المكان المناسب وفي الوقت المناسب.
وأشار إلى أن الطلب على الكهرباء يتغير وفق طبيعة الأنشطة الاقتصادية والصناعية وأوقات الاستخدام، فيما تتغير قدرات الإنتاج المتاحة بحسب ظروف التشغيل ومزيج التوليد. ومن هنا تبرز أهمية وجود منظومة تستطيع التعامل مع التغيرات في جانبي العرض والطلب، بما يحافظ على استقرار الخدمة ويحد من الضغوط على الشبكات.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع توسع الاستثمارات في سلطنة عُمان، خصوصا في المناطق الصناعية والحرة والاقتصادية، التي تتطلب إمدادات كهربائية موثوقة لدعم تشغيل المشروعات واستقطاب استثمارات جديدة، ويتطلب التخطيط لتلبية الطلب المستقبلي تقدير حجم الاستهلاك ومواقع نموه، حتى توجه الاستثمارات في محطات التوليد والشبكات إلى المناطق التي تحتاج إليها المنظومة.
وأوضح الكندي أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسنا قدرة مشغلي الشبكات على التنبؤ بأنماط الاستهلاك والتغيرات المحتملة في الأحمال، ويساعد توافر بيانات أدق عن طبيعة الطلب وتوقيته وموقعه على تحديد الاحتياجات المستقبلية وتوجيه الاستثمارات التوسعية بصورة أفضل.
وتشمل الاستفادة من هذه التقنيات تحسين تدفق المعلومات من جانب الاستهلاك إلى جانب الإنتاج، بما يوفر تصور أوضح لاحتياجات الشبكة، ويساعد على تحديد المواقع التي قد تتطلب تعزيز قدرات التوزيع أو تطوير البنية الأساسية. كما يسهم ذلك في تحسين كفاءة الاستثمارات، بدلًا من تنفيذ توسعات لا تتوافق بصورة دقيقة مع احتياجات المنظومة.
وتوفر إدارة الطلب مسار إضافي لتحسين استقرار الإمدادات، من خلال رفع كفاءة الاستخدام والتعامل مع فترات ارتفاع الاستهلاك، وأن الاستثمار في البنية الأساسية يظل ركيزة لتعزيز أمن الطاقة، تليه التقنيات التي تساعد على تعظيم الاستفادة منها؛ فالشبكة المرنة هي القادرة على التعامل مع ارتفاع الطلب أو انخفاضه، والتكيف مع التغيرات في الإمدادات، واستيعاب نمو الاستهلاك في مناطق جديدة دون أن يؤدي كل تغير إلى اضطراب في الخدمة.
